إسرائيل والفلسطينيون: من حل الدولتين إلى خمس "دول" فاشلة

رسم فلسطين وقبة الصخرة على جدار في الضفة - (أرشيفية)
رسم فلسطين وقبة الصخرة على جدار في الضفة - (أرشيفية)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة أنطوني كوردزمان - (مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية) 26/5/2021 كانت الجولة الأخيرة من القتال بين إسرائيل والفلسطينيين تذكيراً مأسوياً بمدى عمق الفجوة التي ما تزال قائمة بين الجانبين في إيجاد طريق إلى شكل مستقر من السلام. وقد وسع أستاذ كرسي بيرك تحليله الأصلي للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني الحالي إلى دراسة بطول كتاب إلكتروني للتاريخ والأحداث الأخيرة التي أفضت إلى نشوب القتال، والتي تتضمن جدولًا زمنيًا سياسيًا وعسكريًا للقتال يوماً بيوم، بعنوان "إسرائيل والفلسطينيون: من حل الدولتين إلى خمس "دول" فاشلة" Israel and the Palestinians: From the Two-State Solution to Five Failed “States.” . وتذهب الدراسة إلى أعمق بكثير من النسخة الأصلية، وتحاول تحليل القوى السياسية والعسكرية والمدنية والاقتصادية والدينية التي قسمت إسرائيل وكل جانب رئيسي من جوانب الحركة الفلسطينية في العمق. وفي ما يلي تلخيص لهيكل الدراسة ومحتوياتها. * * * لا يحاول هذا التحليل إلقاء اللوم على أي من الأطراف والفصائل المختلفة المعنية، ويركز على حقيقة أن الكثير من النزاعات الحديثة تنطوي على قتال غير متكافئ بين دول حديثة وجهات فاعلة غير حكومية تعتمد على استخدام السكان المدنيين لتوفير معادل للدروع البشرية. وهو يدرس مدى استخدام إسرائيل لقوتها العسكرية وأدواتها كدولة للسيطرة على سكانها الفلسطينيين المختلفين، وكذلك التهديدات المختلفة التي تواجهها في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب العواقب البشرية والاقتصادية المترتبة على ذلك -بالاعتماد بشكل كبير على التقارير التي تصدرها وزارة الخارجية الأميركية، والبنك الدولي، ومراكز البحوث المحايدة، حيثما أمكن. كما يفحص التحليل أيضاً بالتفصيل الاتجاهات الديموغرافية ذات الصلة، والجوانب العسكرية الرئيسية للقتال الأخير، والاحتكاك الداخلي بين مختلف الفصائل الإسرائيلية والفلسطينية كمصدر للصراع. وفي الطريق، يربط التحليل الأحداث المُدرجة في الجدول الزمني للصراع بالتأثير الأوسع لعقود من التوتر والصراع على كل مجموعة من السكان، والمستويات الحالية بالغة الاختلاف للتنمية الاقتصادية وحقوق الإنسان، الإسرائيلية والفلسطينية. ويُظهر التحليل أن رد فعل إسرائيل تمثل في المزيد من التركيز على الإجراءات الأمنية واستخدام القوة على حساب عملية السلام وتحسين الظروف المعيشية والأمن الاقتصادي للفلسطينيين. وقد شددت إسرائيل على منح الأولوية لهدف إنشاء "دولة يهودية" بدلاً من العناية بالتوصل إلى تسوية سلمية، وشجعت على توسيع المستوطنات في منطقة الضفة الغربية، والمناطق اليهودية في القدس، واستخدام "الحقائق على الأرض" بديلا للسلام. ومع ذلك، انقسم الفلسطينيون بدورهم، ولم يفعلوا الكثير هم أيضاً عندما يتعلق الأمر بالتحرك نحو التوصل إلى تسوية وسلام مستقر. كانت الانتفاضات، وأشكالٌ أقل من العنف، وانقسام الحركة الفلسطينية إلى "حكومة" لا تني تزداد ضعفاً للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، و"حكومة" لحماس، إضافة إلى بناء عسكري كبير في غزة -كانت هذه كلها معاً سبباً مكافئاً لانهيار لأي احتمالات لحل حقيقي على أساس الدولتين، بما في ذلك طريقة معاملة إسرائيل لغزة، والضم الزاحف، والحقائق على الأرض، والتحول نحو جعل إسرائيل دولة يهودية. وكانت النتيجة النهائية وضعاً فيه الآن ما لا يقل عن ثلاثة مكافئات لـ"دول فاشلة" تقسم الجانبين بالمعنى العملي- بل وربما تكون خمس دول في الحقيقة. وتشكل كل منها مركزًا منفصلاً للانقسامات والتوترات، سواء بين إسرائيل والفلسطينيين –أو في داخل كل من الجانبين. وتتفاعل في كل منها أنواع من التصرفات والتوترات التي قد تغلق الطريق أمام أي تسوية عاملة ودائمة بين اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين إلى أجل غير مسمى في المستقبل. • "الدولة" الأولى هي إسرائيل وفشلها، سواء في منح الفلسطينيين الإنصاف والمساعدات التي يمكن أن تحقق الاستقرار، أو الرغبة في التسوية على أساس نوع من المعادِل لحل الدولتين. وقد تراجعت السياسة الإسرائيلية من ديمقراطية فاعلة إلى شيء يقترب من "الكيوقراطية" (الفوضوية)، الذي يركز أكثر فأكثر على الضم الانتهازي للأراضي الفلسطينية، وتوظيف قوات الأمن، وتفضيل استخدام القوة على عملية السلام. • "الدولة" الثانية هي السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، التي أثبتت بالقدر نفسه عدم استعدادها للتسوية، وحاولت استخدام العنف عندما كانت فرصته ضئيلة في النجاح، وفشلت في توفير القيادة والحوكمة اللذين يحتاجهما شعبها. وفي حين أن لدى السلطة الفلسطينية و"فتح" العديد من الأصوات والمسؤولين الأكفاء والنزيهين، إلا أن قدراً أكبر بكثير من هذه القيادة ضعيف، ومُسن، وفاسد وغير كفء. وهي لم تعد تمارس أي سلطة، ولا يمكنها الوصول إلى فئة شابة جداً وعاطلة عن العمل في الغالب من السكان، دون سن الثلاثين عاماً. • "الدولة" الثالثة هي حماس في غزة، التي اعتمدت على مستويات متزايدة من العنف أدت بشكل حتمي إلى استفزاز رد فعل إسرائيلي من النوع نفسه، وهي دولة تستخدم فيها حماس المناطق المدنية والحضرية أمكنة لقواعد عملياتها وبناء مزيج هائل من الأنفاق والمنشآت تحت الأرض -أو "المترو"- داخل غزة، وكذلك عبر الحدود مع إسرائيل، والتي جعلت المدنيين في غزة ذات الكثافة السكانية العالية يصبحون أهدافاً باطراد. • "الدولة" الرابعة هي مزيج من مواطنين فلسطينيين في 48 وخارج الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي حين أنهم منقسمون وبدءوا في الظهور للتو ككتلة أو هوية سياسية فعالة، فإنهم يتفاعلون مع حقيقة أنهم يواجهون تمييزًا خطيرًا ويوجدون كطبقة منفصلة داخل دولة تصبح يهودية بشكل متزايد ويعيشون وضعاً يعوزه اليقين عندما يتعلق الأمر بالحقوق. • وأخيرًا، "الدولة" الخامسة هي الدور غير المؤكد للدين في القدس، جنبًا إلى جنب مع بيت لحم وبعض المزارات والمساجد والمعابد اليهودية الأخرى. وليس الدين دولة أو حركة سياسية متماسكة، لكنه يقسم اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين باطراد على أسس دينية. وكان العنف والتظاهر حول الحق في المسجد الأقصى (الحرم الشريف) أو مجمعات "جبل الهيكل"، والجهود المبذولة لإخراج الفلسطينيين من القدس الشرقية وضواحي المدينة، والجدل حول جعل جزء من القدس عاصمة فلسطينية -خاصة في المدينة القديمة- كانت هذه جميعها حاجزًا حاسمًا وثابتًا أمام تحقيق أي تسوية دائمة. والنتيجة النهائية هي المأساة التي تجلت في الاضطرابات، والقتال الذي اندلع في أيار (مايو) 2021 والذي يمكن أن يُستأنف في أي وقت. ويبدو من المرجح أن تتفاعل كل "دولة" -أو مركز توتر بين إسرائيل والفلسطينيين- مع مصادر التوتر والعنف الأخرى في المنطقة –وهي مصادر تترواح من الفوضى والانهيار في لبنان، والحرب الأهلية وإرهاب الدولة في سورية، وعدم الاستقرار في الأردن، إلى التوترات العرقية والطائفية في العراق، وعدم اليقين إزاء الاستقرار والتنمية في مصر. كما يمكن لكل منها أن تتفاعل أبعد من ذلك مع الجهود الإيرانية والتركية لتوسيع دورهما الإقليمي، وكذلك التنافس على النفوذ الإقليمي بين الولايات المتحدة وروسيا والصين. وبينما يبدو من المرجح أن تظل العوائق الرئيسية أمام تحقيق أي تسوية سلمية حقيقية ودائمة في يد إسرائيل والفصائل الفلسطينية، فإن هذا هو الشرق الأوسط بعد كل شيء. يتضح تماماً من هذا التحليل على مستوى المشكلات العسكرية، والأمنية، والمدنية والاقتصادية من جميع الجوانب أنه حتى الجهود التي تبدو ناجحة لإنهاء القتال الحالي قد لا تؤدي إلى أكثر من توقف قصير قبل الذهاب إلى مزيد من العنف. ومن الواضح أيضًا أنه من غير المرجح أن تصمد أي تسوية تتجاهل حقيقة أن حل الدولتين قد فشل حتى الآن لأن كلا الجانبين يمكن أن يتفقا في بعض الأحيان على مفهوم، لكنهما لا يمكن أن يتفقا على إجراء عملي فعال. لا يمكن لأي نجاح دائم أن يتحقق إلا من خلال وضع -ثم التنفيذ الفعلي- لخطة موثوق به تتعامل مع جميع القضايا الرئيسية التي تقسم الآن اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين، وتنهي سباق التسلح غير المتكافئ بين إسرائيل وحماس، وتركز على التنمية والتقدم البشري، وتعطي لجميع الفلسطينيين الأمل في حياة أفضل ومساواة حقيقية -إن لم يكن عاصمة رسمية في القدس وأفق قيام دولة فلسطينية منفصلة. لا يمكن أن تكون "الحقائق على الأرض" والوقت وحدهما هما الجواب. وحتى الآن، لم يفعل التفاؤل والنوايا الحسنة أكثر من مجرد المساعدة في تعبيد الطريق إلى الجحيم. سوف يستغرق التنفيذ الكامل لحل عملي وقابل للتطبيق، وخلق نوع الهيكل السياسي الإسرائيلي-الفلسطيني وأنماط التفاعل الاجتماعي والتقدم الاقتصادي المطلوب من الجانب الفلسطيني خمس سنوات على الأقل، وربما عشر سنوات -إذا كان ذلك تحقق مثل هذا ممكنًا من الأساس. وسوف يكلف مليارات الدولارات من المساعدات كل عام ويتطلب الدعم والتشجيع المستمرين من الخارج. لا ينبغي لأحد أن يتخلى أبداً عن الأمل، لكن التاريخ يحذر من أن حل "اللاحل" للأزمة الحالية ينذر بأن النتيجة الأكثر احتمالاً في العالم الحقيقي ستكون المأساة العنيفة التي حدثت في أيار (مايو) 2021. *Anthony H. Cordesman: أستاذ كرسي "آرليخ أ. بيركي" للإستراتيجية في معهد الدراسات الإستراتيجية والدولية CSIS. خلال الفترة التي قضاها في المعهد، كان كوردسمان مديرًا لـ"مشروع تقييم شبكة الخليج" و"دراسة الخليج في المرحلة الانتقالية"، بالإضافة إلى كونه باحثًا رئيسيًا في مشروع المعهد "الدفاع عن الوطن". قاد دراسات حول الدفاع الصاروخي الوطني، والحرب غير المتكافئة وأسلحة الدمار الشامل، وحماية البنية التحتية الحيوية. أدار مشروع تقييم شبكة معهد الدراسات الإستراتيجية والدولية في الشرق الأوسط، وأدار مبادرة الطاقة الإستراتيجية للمعهد. وهو مؤلف مجموعة واسعة من الدراسات حول السياسة الأمنية الأميركية وسياسة الطاقة وسياسة الشرق الأوسط. عمل مستشارًا لوزارتي الخارجية والدفاع أثناء حربي أفغانستان والعراق. خدم عضوا في المجموعة الاستشارية المدنية للجنرال ستانلي ماكريستال خلال تشكيل إستراتيجية جديدة في أفغانستان ومنذ ذلك الحين عمل مستشارا لعناصر مختلفة من الجيش الأميركي وحلف شمال الأطلسي. تشمل المشاريع الحالية التحليل المستمر للوضع الأمني في الخليج، والمنافسة الإستراتيجية الأميركية مع إيران، والصراعات في سورية والعراق، وتقييم منطقة المحيط الهندي، والتطورات العسكرية الصينية، والتقييمات الأميركية والآسيوية لهذه التطورات، والتغيرات في طبيعة الحرب الحديثة، وتقييمات إستراتيجية الدفاع الأميركية وبرامجها وميزانياتها. *نشر هذا الملخص تحت عنوان: Israel and the Palestinians: From the Two-State Solution to Five Failed “States” *يمكن الاطلاع على النص الكامل للدراسة بالإنجليزية على الرابط: اضافة اعلان