إطارات محترقة

مارك إيسترِن* – (كاونتربنتش) 4/7/2018 

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

"الإرهابيون، الأفاعي! الصراصير! يحرقون الإطارات ليسمموا رجالنا ونساءنا الشجعان الذين يحموننا عند السياج! وهي فظيعة أيضاً للبيئة! لكن حماس لا تهتم...".

اضافة اعلان

رأيت كل هذه التأكيدات في المقالات والتعليقات الإسرائيلية منذ بدء مسيرة العودة الكبرى، وتجمُّع الحشود كل أسبوع عند سياج غزة. "أي بلد يمكن أن يتسامح مع هذا؟"، "ماذا كنتَ لتفعل إذا غزا أحدٌ بيتك؟".

حسناً، نعم، ماذا كنتُ لأفعل لو كانت هناك مجموعة معلنٌ عنها مكونة من 100 قناص (ليس جنوداً، لو سمحت، وإنما "قناصة")، مصطفّين خلف أكوام هائلة من التراب لحماية أنفسهم، وكانت مناظيرهم وبنادقهم موجهة في اتجاهي؟

إذا كنتُ ذكياً بما يكفي، فإنني سأحاول أن أكون غير مرئي قدر الإمكان لحرمانهم من تنفيذ نواياهم: أطلق النار لتقتل أو لتُحدث عاهة دائمة. ومن هنا جاء تكتيك إقامة احتفال/ أو احتجاج خلف سحابة من الدخان -وليس من مواد كيميائية عسكرية عالية التقنية، وإنما من المصدر الوحيد المتاح- حرق الإطارات القديمة. وهو تكتيك بارع، جريء (اعتماداً على وجود الرياح أو عدم وجودها)، ورخيص، وجدير بأن تلتقط صوره الكاميرات.

المفارقة في اعتراض الإسرائيليين على سحابة دخان هو أكثر مما يمكن تحمله في الحقيقة. ذلك أن إسرائيل نفسها هي سحابة دخان كبيرة. وكنتُ لأضع سحابة دخان كصورة مركزية على علم إسرائيل. 

 

ولنتأمل الآتي:

هناك كل "عملية السلام" منذ أوسلو، التي أخفت ببساطة إقامة المستوطنات غير القانونية لإسكان نصف مليون مستوطن غير شرعي في الأراضي الفلسطينية.

كل مناورة "إسرائيل لها الحق في الدفاع عن أنفسنا"، واستخدام هذا كذريعة لذبح وتجويع والسيطرة على السكان الفلسطينيين كافة الذين إما لديهم أسلحة صغيرة في الحد الأقصى، أو أسلحة مقاومة من صناعة يدوية ضد الأسلحة الحديثة عالية التقنية التي توفرها لها الولايات المتحدة حسب الحاجة. والدفاع عن النفس -هو سحابة دخان أكثر فتكاً وأطول ديمومة من نثر الغاز الإسرائيلي المسيل للدموع والفسفور في السماء.

الإشاعة الدخانية: "إنهم يريدون أن يدفعونا إلى البحر". مَن؟ وكيف يدفعون؟ (لا متسع في البحر بالنظر إلى امتلائه بالغواصات النووية الإسرائيلية). متى كانت آخر مرة سمعت فيها أي عربي يقول مثل ذلك؟

السياسة الإسرائيلية للأسلحة النووية "غير المعلنة". وتسمح سحابة الدخان هذه لإسرائيل بالمضي قدماً في برنامجها للأسلحة الذرية من دون عمليات تفتيش، أو أي تحمل أي مسؤولية تجاه معاهدات منع الانتشار النووي، وتدمير إمكانية قيام شرق أوسط خال من الأسلحة النووية.

وصم كل شخص تقتله رصاصة إسرائيلية بأنه إرهابي، أو في حالة الأطفال الصغار، إرهابي ممكن أو "درع بشري". ولكن، من هم الضحايا؟ ما الذي يفعلونه؟ لا نستطيع أن نرى من خلال سحابة دخان الوصم. "سوف نحقق في الأمر. إذا كان ذلك ضرورياً".

وهناك سحابات الدخان النفسية المثيرة للاهتمام التي تسير مع كل ذلك: كانت الأخيرة التي شاهدتها هي فكرة أن قتل بضعة أشخاص عند السياج كان أمراً "جيداً للفلسطينيين". لماذا؟ لأنه يقلل من احتمال مرور أحد ما عبر السياج، وتأسيس "رأس جسر إرهابي" في إسرائيل -حيث يمكن في تلك الحالة حدوث قدر أكبر بكثير من الذبح من أجل القضاء عليهم...

...حتى نهج "جز العشب" -الهجمات الواسعة والمنتظمة التي تُشن على سكان غزة المسجونين، سواء كانت إسرائيل تشعر بالحاجة إلى تحقيق غايات سياسية أو "دفاعية". كما تحيط سحابة دخان هائلة بكل مسألة "لقد انسحبنا" من غزة، بحيث لم يعد هناك احتلال -عندما تمارس إسرائيل في الحقيقة متعة سادية في السيطرة على الصادرات والواردات، والحركة من غزة وإليها، بل وحتى لأسباب طبية، والمجال الجوي، والفضاء البحري للقطاع. من الأفضل أن تجوعوا أو يصاب الجيل القادم بالشلل.

ثمة سحابات دخان أقل قتلاً، ومغلفة بالبياض، أو ملونة بالأخضر والوردي. في العام 2006، أطلق وزير الخارجية رسمياً حملة "العلامة التجارية لإسرائيل"، وبمساعدة من المديرين التنفيذيين في الولايات المتحدة، تقوم الحملة حالياً بصب موارد هائلة في سبيل "إعادة قولبة ماركة" إسرائيل في ضوء إيجابي أمام العالم، وفي الوقت نفسه إسكات أي انتقاد أو نشاط مناصر لحملة المقاطعة وسحب الاستثمارات، بالقانون، في الداخل والخارج، وخاصة في حرم الجامعات الأميركية.

بينما يواصل الدخان المتصاعد من الإطارات المحترقة الإسرائيلية إغراق العالم، يجب أن نواصل جهودنا الرامية إلى جعله ينقشع.

 

*روائي، من بين مساعٍ أخرى. آخر أعماله بعنوان "حشرة كافكا". يعيش في فيرمونت، الولايات المتحدة.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Burning Tires 

[email protected]