إعادة تعريف معنى النجاح في أوكرانيا

إحياء ذكرى جنود أوكرانيين سقطوا في المعارك الأخيرة، كييف، 2023 - (المصدر)
إحياء ذكرى جنود أوكرانيين سقطوا في المعارك الأخيرة، كييف، 2023 - (المصدر)

ريتشارد هاس؛ وتشارلز كوبتشان* - (إندبندنت عربية) 2/11/2023   

لن يكون الوقت في مصلحة أوكرانيا إذا بقيت الحرب تتأجج بدرجة عالية من الحدة إلى أجل غير مسمى، فالاقتصاد الروسي وقاعدته الصناعية الدفاعية في حال تأقلم مع الحرب، كما وتستورد موسكو أيضاً الأسلحة من كوريا الشمالية وإيران، وبوسعها كذلك الوصول إلى السلع الاستهلاكية التي تشمل تكنولوجيا يمكنها إعادة توظيفها للاستخدامات العسكرية، وإذا احتاجت روسيا إلى تعزيز وجودها العسكري في أوكرانيا فإنها تملك مجموعة كبيرة من القوى البشرية التي يمكنها الاعتماد عليها، وقد عثرت سلفاً على أسواق جديدة من أجل بيع طاقتها.
*   *   * 
يبدو أن الهجوم المضاد الذي شنته أوكرانيا قد توقف بالتزامن مع قدوم الطقس الماطر والبارد الذي وضع حداً لفصل ثان من الفصول المواتية للعمليات العسكرية ضمن جهود كييف لصد العدوان الروسي، وفي الوقت نفسه هناك تراجع في الرغبة السياسية لمواصلة الدعم العسكري والاقتصادي لأوكرانيا في كل من الولايات المتحدة وأوروبا، ونظراً لهذه الظروف فهناك حاجة إلى إعادة تقييم شاملة للاستراتيجية الحالية التي تنتهجها أوكرانيا وحلفاؤها.
عملية إعادة تقييم كهذه تكشف عن حقيقة غير مريحة، وهي أن أوكرانيا والغرب يسيران في طريق غير مستدام يتسم بتباين صارخ بين الغايات المنشودة والوسائل المتاحة، فأهداف كييف من الحرب، وهي طرد القوات الروسية من الأراضي الأوكرانية واستعادة وحدة أراضيها بالكامل، بما في ذلك شبه جزيرة القرم، ما تزال بعيدة المنال من الناحيتين القانونية والسياسية، أما على الصعيد الاستراتيجي فهي غير قابلة للتحقيق في المستقبل القريب بكل تأكيد، وربما ستبقى كذلك لوقت طويل.
لقد حان الوقت لكي تقود واشنطن الجهود الرامية إلى صياغة سياسة جديدة من شأنها أن تحدد أهدافاً قابلة للتحقيق وتوفق بين الوسائل والغايات، ولهذا ينبغي على الولايات المتحدة أن تبدأ مشاورات مع أوكرانيا وشركائها الأوروبيين في شأن استراتيجية تتمحور حول استعداد كييف للتفاوض على وقف إطلاق النار مع روسيا، وفي الوقت ذاته تحويل تركيز (كييف) العسكري إلى وضعية الدفاع بدلاً من الهجوم.
ولن تتخلى كييف عن هدفها في استعادة وحدة أراضيها أو تحميل روسيا المسؤولية الاقتصادية والقانونية عن عدوانها، بيد أنها ستعترف بأن أولوياتها على المدى القريب تحتاج إلى الانتقال من محاولة تحرير مزيد من الأراضي إلى الدفاع عن أكثر من 80 في المائة من أراضي البلاد التي ما تزال تحت سيطرتها.
ومن غير المستبعد أبداً أن ترفض روسيا عرض أوكرانيا لوقف إطلاق النار، لكن ورغم أي تعنت روسي محتمل، فإن تحول أوكرانيا من الهجوم إلى الدفاع من شأنه أن يقلل خسائرها المستمرة في الجنود وأن يجعلها قادرة على تخصيص مزيد من الموارد من أجل الدفاع وإعادة الإعمار على المدى الطويل، وكذلك ترسيخ الدعم الغربي من خلال إظهار أن لدى كييف استراتيجية قابلة للتطبيق ترمي إلى تحقيق أهداف من الممكن بلوغها.
وعلى المدى الطويل، فإن هذا التعديل الاستراتيجي من شأنه أن يوصل رسالة إلى روسيا مفادها بأنها لا تستطيع ببساطة أن تأمل في الصمود حتى النهاية في أوكرانيا، أو انتظار نفاد الدعم الغربي لها. 
إن إدراك هذا الأمر قد يقنع موسكو في نهاية المطاف بالانتقال من ساحة المعركة إلى طاولة المفاوضات، وهي خطوة من شأنها أن تصب في مصلحة أوكرانيا في نهاية الأمر، لأن الدبلوماسية توفر المسار الأكثر واقعية ليس فقط لإنهاء الحرب، ولكن أيضاً على المدى الطويل الاحتلال الروسي للأراضي الأوكرانية.
طريق مسدود
إن الوضع الحالي في ساحة المعركة يقدم صورة للنصف المليء من الكوب وكذلك لنصفه الفارغ (صورة متفائلة وأخرى متشائمة)، فمن جهة أظهرت أوكرانيا تصميماً ومهارة غير عاديين، فلم تكتفِ بمنع روسيا من النجاح في محاولتها لإخضاعها وحسب، بل انتزعت منها أيضاً جزءاً كبيراً من الأراضي التي استولت عليها العام الماضي، لكن ومن جهة أخرى فهناك الكلفة البشرية والاقتصادية الهائلة التي خلفتها الحرب، وحقيقة أن روسيا نجحت في الأقل خلال الوقت الحالي في استخدام القوة للاستيلاء على جزء كبير من أراضي أوكرانيا. ورغم الهجوم المضاد الذي شنته أوكرانيا وأُشيد به على نطاق واسع، فالحقيقة أن روسيا غنمت على مدار العام 2023 أراضي أكثر من تلك التي استعادتها أوكرانيا، وبصورة عامة لم يحقق أي من الطرفين تقدماً كبيراً، فالمعارك بين القوات الأوكرانية والروسية وصلت إلى طريق مسدود، إذ إن الوضع قد دخل حالاً من الجمود.
ما الذي يجب فعله إذاً؟ يتلخص أحد الخيارات المتاحة للغرب في القيام بمزيد مما قامت به سلفاً والاستمرار في تزويد أوكرانيا بكمية هائلة من الأسلحة، على أمل أن يؤدي ذلك إلى تمكين قواتها من هزيمة روسيا في نهاية المطاف، إلا أن المشكلة تتمثل في أن المؤسسة العسكرية الأوكرانية لا تظهر أي مؤشر على قدرتها على اختراق دفاعات روسيا الهائلة، بصرف النظر عن طول المعارك التي تخوضها ومدى شراستها في القتال، ويميل الدفاع إلى التفوق على الهجوم وتتمركز القوات الروسية في مواقع عصية على الاختراق خلف أميال من حقول الألغام والخنادق والفخاخ والتحصينات، كما يستطيع الغرب أن يرسل مزيداً من الدبابات والصواريخ بعيدة المدى وصولاً في نهاية المطاف إلى الطائرات المقاتلة من طراز "إف-16"، ولكن ليس هناك حل سهل أو معادلة سحرية قادرة على تغيير مسار الأمور في ساحة المعركة.
وكما اعترف أخيراً فاليري زالوجني، وهو أرفع جنرال في أوكرانيا، فإنه "على الأرجح لن يكون هناك أي اختراق عميق وناجح، ولقد وصلنا إلى ما وصلنا إليه في ميدان المعركة في أوكرانيا، ويبدو الوضع الذي نراه في أفضل الأحوال وكأنه طريق مسدود باهظ الكلفة".
ولن يكون الوقت في مصلحة أوكرانيا إذا بقيت الحرب تتأجج بدرجة عالية من الحدة إلى أجل غير مسمى، فالاقتصاد الروسي وقاعدته الصناعية الدفاعية في حال تأقلم مع الحرب، كما وتستورد موسكو أيضاً الأسلحة من كوريا الشمالية وإيران، وبوسعها كذلك الوصول إلى السلع الاستهلاكية التي تشمل تكنولوجيا يمكنها إعادة توظيفها للاستخدامات العسكرية، وإذا احتاجت روسيا إلى تعزيز وجودها العسكري في أوكرانيا فإنها تملك مجموعة كبيرة من القوى البشرية التي يمكنها الاعتماد عليها، وقد عثرت سلفاً على أسواق جديدة من أجل بيع طاقتها، في حين لم يكن للعقوبات سوى تأثير متواضع في الاقتصاد الروسي.  
أما بوتين فيبدو آمناً من الناحية السياسية، ويسيطر على مقاليد السلطة بدءاً من الأجهزة العسكرية والأمنية وحتى وسائل الإعلام والخطاب العام، ومن ناحية أخرى، ما يزال الجنود والمدنيون على حد سواء في أوكرانيا يتعرضون للقتل بأعداد كبيرة، وتستهلك المؤسسة العسكرية مخزونها من الأسلحة، كما تقلص الاقتصاد بنحو الثلث (رغم أن علامات النمو قد بدأت تظهر عليه). وقد أخذ الإرهاق يدب في صفوف الداعمين الغربيين لأوكرانيا ويؤثر سلباً في استعدادهم للعمل على استمرار تدفق الدعم إلى كييف، ويبقى دور الولايات المتحدة محورياً لجهة تقديم المساعدات الغربية لأوكرانيا، إلا أن المعارضة لتقديم كميات كبيرة من المساعدات الإضافية تتزايد في أوساط الحزب الجمهوري، مما يحبط حتى الآن طلبات إدارة بايدن للحصول على تمويل جديد.
وللرئيس السابق دونالد ترمب، وهو المنافس الذي يتصدر المتسابقين للفوز بترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة (في استطلاعات الرأي)، سجل من الانحياز إلى روسيا والنأي بنفسه عن شركاء الولايات المتحدة، بما في ذلك أوكرانيا، وتزيد استطلاعات الرأي التي يتقدم بها ترمب على بايدن في الولايات المتأرجحة الرئيسة من حال عدم اليقين في شأن مسار السياسة الأميركية، وسيؤدي التذبذب في الدعم الأميركي لأوكرانيا إلى زيادة التذبذب في أوروبا، إذ قررت إحدى دول الاتحاد الأوروبي، وهي سلوفاكيا، بالفعل وقف تقديم المساعدات العسكرية لكييف. 
كما استحوذ الهجوم الذي شنته "حماس" على إسرائيل في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي والصراع الذي أعقبه في غزة على اهتمام العالم، مما خطف الأضواء من الحرب في أوكرانيا ودفع بها بعيداً من واجهة الأحداث.
ولا تكمن القضية في أن واشنطن مشتتة وحسب، بل إن موارد الجيش الأميركي ليست لامتناهية، كما أن القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية تتمتع أيضاً بقدرة إنتاجية محدودة للغاية، فالولايات المتحدة تعاني ضغوطاً شديدة لأنها تدعم شريكين منخرطين في حربين ساخنتين، ويعلن محللو الدفاع بالفعل أن الاستراتيجية الدفاعية للبلاد مفلسة، كما جاء في دراسة حديثة أجرتها مؤسسة "راند" RAND.
ويرى آخرون أن على الولايات المتحدة تكريس اهتمامها ومواردها للتحديات الاستراتيجية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ولن يكون من السهل سياسياً بالنسبة إلى أوكرانيا أو الغرب أن يواجهوا هذه الحقائق الاستراتيجية المؤرقة، لكن من الأفضل بكثير أن تتبنى كييف ومؤيدوها استراتيجية جديدة تعيد التوازن إلى الغايات والوسائل بدلاً من الاستمرار في المضي على المسار الذي أدى إلى طريق مسدود، والذي قد يقود قبل مرور وقت طويل إلى انحدار حاد في الدعم الغربي لأوكرانيا.
قلب الطاولة على رأس موسكو
ويتعين على واشنطن أيضاً أن تأخذ زمام المبادرة في إطلاق مشاورات مع أوكرانيا والحلفاء الغربيين بهدف إقناع كييف بأن تعرض وقف إطلاق النار مع التحول من الاستراتيجية الهجومية إلى أخرى دفاعية، ولا ينبغي للغرب أن يضغط على أوكرانيا لحملها على التخلي عن استعادة حدودها العام 1991 أو عن اعتبار روسيا مسؤولة عن الموت والدمار اللذين تسبب بهما غزوها، ومع ذلك يجب على واشنطن أن تسعى إلى إقناع الأوكرانيين بأنهم في حاجة إلى اعتماد استراتيجية جديدة لتحقيق هذه الأهداف.
إن وقف إطلاق النار من شأنه أن ينقذ الأرواح ويسمح بالبدء في عملية إعادة البناء الاقتصادي، كما أنه سيمكن أوكرانيا من الاستفادة من الأسلحة الغربية التي ستتلقاها من أجل الاستثمار في أمنها على المدى الطويل بدلاً من استهلاك الأسلحة بصورة سريعة في ميدان معركة وصلت سلفاً إلى طريق مسدود.
إن الشروط الدقيقة لوقف إطلاق النار، أي التوقيت، والموقع الدقيق لخط التماس وإجراءات سحب الأسلحة والقوات وأحكام المراقبة والتنفيذ، يجب أن تتبلور تحت إشراف دولي واسع، ومن المرجح بصورة كبيرة أن يجري ذلك تحت رعاية الأمم المتحدة أو منظمة الأمن والتعاون الأوروبي.
ولن يدخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ إلا إذا وافقت كل من أوكرانيا وروسيا على شروطه، وامتثال موسكو ليس أمراً مستبعداً تماماً، فلقد تكبدت القوات الروسية خسائر فادحة في ميدان القتال، ومن الواضح أن العمل العدواني الذي قام به الكرملين قد أدى إلى نتائج عكسية، إذ إنه عزز حلف شمال الأطلسي وزاد التماسك بين الحلفاء عبر الأطلسي، كما رسخ إصرار أوكرانيا على تحرير نفسها إلى الأبد من النفوذ الروسي، وربما يغتنم بوتين الفرصة لوضع حد لإراقة الدماء ومحاولة إخراج بلاده من عزلتها.
لكن يبقى من المرجح أن ترفض موسكو قبول اقتراح وقف إطلاق النار، فبوتين ما يزال يخفي أهدافاً توسعية لحربه في أوكرانيا، ويبدو أنه يعتقد أن لدى روسيا قدرة أكبر من أوكرانيا على الصمود في الميدان.
ومما لا شك فيه أنه يتابع عن كثب استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة التي تشير إلى أن عودة ترامب للبيت الأبيض احتمال واقعي، وهي النتيجة التي من شأنها بالتأكيد إضعاف الدعم الأميركي لأوكرانيا إن لم يكن إنهاؤه. وحتى لو كان الكرملين راغباً في تجنب الرفض الصريح لاقتراح وقف إطلاق النار من أجل تجنب الثمن الذي سيدفعه من سمعته بسبب هذا الرفض، فمن الممكن أن يرد بشروط من المؤكد أنها ستكون غير مقبولة بالنسبة إلى أوكرانيا والغرب.
ومع ذلك، ففي النهاية نجد أن التوسط من أجل وقف إطلاق النار بين كييف وموسكو يستحق المحاولة نظراً لما يمكن أن يكشف عنه، وهذا ذو قيمة أكبر من النتائج التي يستطيع أن يحققها فعلاً. وحتى لو كانت روسيا تتجه إلى رفض وقف إطلاق النار المقترح، فمن المنطقي أن تضع كييف عرضاً به على الطاولة، والقيام بهذا من شأنه أن يسمح لأوكرانيا بتسلم زمام المبادرة السياسية وتذكير الرأي العام في الغرب وخارجه بأن هذه الحرب تظل عدواناً روسياً.
إن رفض الكرملين وقف إطلاق النار يمكنه أن يساعد الحكومات الغربية على المضي بتطبيق العقوبات ضد روسيا وتشديدها، وفي مد يد العون لأوكرانيا من أجل ضمان حصولها على دعم عسكري واقتصادي طويل الأمد، وسواء تم التوصل إلى وقف إطلاق النار أم لا، فإن أوكرانيا تحتاج إلى تبني استراتيجية دفاعية بعيداً من استراتيجيتها الهجومية الحالية، إذ إن للنهج الذي تتبعه كييف في الوقت الراهن كلفة مرتفعة وآفاقاً محدودة، وهو ما يضع الأوكرانيين في موقف حرج يطلبون فيه مساعدة غربية مفتوحة من أجل تدعيم جهد حربي تتضاءل فرص نجاحه، وبدلاً من ذلك، ينبغي على أوكرانيا أن تركز على الاحتفاظ بالأراضي التي تسيطر عليها وإعادة بنائها وعكس معادلة الهجوم والدفاع ووضع روسيا في موقف يضطرها إلى تحمل الكلف الباهظة المترتبة على القيام بعمليات هجومية ضد القوات الأوكرانية المتحصنة جيداً، وعلى توسيع نطاق الهجمات الجوية التي تقوم بها الدفاعات، وحتى في حال تحولها إلى استراتيجية دفاعية على طول الخطوط الأمامية، فإن أوكرانيا ستكون قادرة على مواصلة استخدام الأسلحة بعيدة المدى واستغلال الميزات البحرية التي تتمتع بها، ومتابعة العمليات السرية من أجل ضرب المواقع الروسية في المناطق الخلفية وشبه جزيرة القرم، مما سيزيد كلفة الاحتلال، وإذا ظهرت أدلة واضحة على أن القدرة أو الإرادة العسكرية الروسية متعثرة، فإن أوكرانيا ستحتفظ بخيار العودة لاستراتيجية أكثر تمحوراً حول الهجوم.
إن التحول الاستراتيجي على أساس هذه الخطوط العريضة بوسعه أن يقلب الطاولة على روسيا، لأنه يتطلب من قواتها القيام بعمليات هجومية فعالة بالأسلحة المشتركة، وهي عمليات أظهرت حتى الآن أنها غير قادرة على تنفيذها، وفي الوقت نفسه، فإن هذا التحول من شأنه أن ينقذ حياة الأوكرانيين وأموالهم ويقلل حاجاتهم الدفاعية من الغرب، وهو أمر قد يكون ضرورياً إذا انحسر الدعم الأميركي وأُلقي العبء على كاهل أوروبا، ومن الحكمة أن تقوم أوكرانيا برصد الموارد التي تتلقاها لتحقيق أمنها وازدهارها على المدى الطويل بدلاً من إنفاقها في ساحة المعركة من أجل مكاسب ضئيلة.
إن إقناع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والشعب الأوكراني بتغيير المسار لن يكون مهمة سهلة نظراً إلى عدالة قضيتهم ولحجم التضحيات الكبيرة التي قدموها سلفاً، ولكن الحقيقة هي أن ما بدأ كحرب هو ضرورة بالنسبة إلى أوكرانيا، إذ كانت حرب وجود وقد تحول إلى حرب اختيار، أي إلى قتال لاستعادة شبه جزيرة القرم وقسم كبير من منطقة دونباس شرق أوكرانيا، وهذه ليست مجرد حرب لا يمكن الفوز فيها فقط، وإنما هي أيضاً صراع يهدد بخسارة الدعم الغربي مع مرور الوقت.
ومن المنطقي، بالنسبة إلى أوكرانيا، أن تضمن ظهور الجزء الأكبر من البلاد الخاضعة لسيطرة كييف كديمقراطية مزدهرة وآمنة بدلاً من المجازفة بمستقبل البلاد لاستعادة الأراضي التي ما تزال تحت السيطرة الروسية في جهد عسكري ينطوي على مغامرة كبيرة من دون أن يعد بجزاء نفيس في حال نجاحه، وبروز أوكرانيا كدولة ديمقراطية ناجحة ومرنة وقادرة على الدفاع عن نفسها من شأنه أن يشكل هزيمة مدوية للطموح الروسي.
رهان أفضل
إن أصدقاء أوكرانيا في الغرب قادرون، لا بل يتعين عليهم، العمل على تلطيف ما قد يبدو حبة دواء مرة كالعلقم بالنسبة إلى الأوكرانيين، ويتوجب على الولايات المتحدة وبعض أعضاء منظمة حلف شمال الأطلسي (تحالف أصدقاء أوكرانيا) أن يلتزموا ليس فقط بتقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية طويلة الأمد، بل وأن يتعهدوا أيضاً بضمان استقلال أوكرانيا، وستتم صياغة هذا الالتزام على غرار المادة الرابعة من معاهدة حلف شمال الأطلسي التي تنص على إجراء مشاورات فورية كلما تعرضت "وحدة أراضي أي عضو أو استقلاله السياسي أو أمنه للتهديد"، كما أن الاتحاد الأوروبي الذي أعلن مؤخرا عزمه البدء في مفاوضات مع كييف بخصوص انضمامها إليه، ينبغي أن يعمل على التعجيل بالجدول الزمني لعضوية أوكرانيا وأن يعرض عليها ترتيبات خاصة مخففة في الاتحاد الأوروبي في غضون ذلك.
كما ويجب على الحلفاء الغربيين أيضاً، أن يوضحوا أن غالبية العقوبات المفروضة على روسيا ستظل سارية إلى حين جلاء القوات الروسية عن أوكرانيا، وأنهم سيساعدون كييف على استعادة وحدة أراضيها عندما تجلس إلى طاولة المفاوضات.
ومن المحتمل، بدرجة كبيرة، أن تتحسن آفاق وقف إطلاق النار المتفق عليه بصورة متبادلة ومفاوضات المتابعة حول الأراضي بصورة ملحوظة بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة في الولايات المتحدة، وإذا كان الفائز ملتزماً بمواصلة التضامن عبر الأطلسي وبذل مزيد من الجهود لضمان أمن أوكرانيا وسيادتها، فلن يكون لدى بوتين أي سبب يدفعه إلى افتراض أن الوقت في مصلحة روسيا. غير أن الانتخابات الأميركية ما تزال على بعد عام واحد وقد تؤدي إلى نتيجة تضع أوكرانيا في مأزق، ولا ينبغي لواشنطن أو كييف أن تقدم هذه المجازفة. تحتاج الولايات المتحدة إلى العمل مع أوكرانيا الآن للتركيز على استراتيجية جديدة تعكس الحقائق العسكرية والسياسية، والقيام بخلاف ذلك يعني المقامرة المتهورة على مستقبل أوكرانيا.

*ريتشارد هاس: هو الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية ومستشار أول في Centerview Partners ومؤلف كتاب "الالتزامات: العادات العشر للمواطنين الصالحين".
*تشارلز كوبشان: زميل أول في مجلس العلاقات الخارجية وأستاذ الشؤون الدولية في جامعة جورج تاون، شغل منصب مدير أول للشؤون الأوروبية في مجلس الأمن القومي خلال إدارة أوباما، وهو مؤلف كتاب "الانعزالية: تاريخ جهود أميركا لحماية نفسها من العالم".
مترجم عن مجلة "فورين أفيرز" حيث نشر في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2023

اضافة اعلان