إعادة تقييم لحكومة نتنياهو بدأت في الولايات المتحدة الآن

33
رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي جو بايدن في مؤتمر صحفي - (أرشيفية)

توماس ل. فريدمان* - (نيويورك تايمز) 2023/7/11

عندما يسألني الناس عما أفعله من أجل كسب عيشي، أقول لهم إنني أعمل مترجمًا، من الإنجليزية إلى الإنجليزية. وفي عملي أحاول أن أتناول مواضيع معقدة وأن أجعلها مفهومة، أولاً لي ثم للقراء -وهو ما أريد أن أفعله هنا فيما يتعلق بثلاثة أسئلة مترابطة: لماذا يحاول مجلس الوزراء الإسرائيلي سحق المحكمة العليا في البلاد؟ لماذا قال الرئيس بايدن لشبكة (سي. إن. إن) إن "هذه واحدة من أكثر الوزارات الإسرائيلية تطرفاً" التي رآها على الإطلاق؟ ولماذا قال السفير الأميركي في إسرائيل إن أميركا تعمل على منع إسرائيل من "الخروج عن السكة؟".

اضافة اعلان


الإجابة المختصرة على الأسئلة الثلاثة هي أن فريق بايدن يرى أن الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، بقيادة بنيامين نتنياهو، منخرطة في سلوك راديكالي غير مسبوق -تحت عباءة "الإصلاح" القضائي- والذي يقوض مصالحنا المشتركة مع إسرائيل؛ قيمنا المشتركة وقصتنا المشتركة المهمة بشكل حاسم عن وضع الضفة الغربية التي أبقت آمال السلام هناك بالكاد على قيد الحياة.


إذا كنتم ترغبون في الحصول على لمحة عن التوتر القائم بين الولايات المتحدة وهذه الحكومة الإسرائيلية التي يقودها ويشكل رأس حربتها المتطرفون، فكروا فقط في أنه بعد ساعات من ذكر بايدن لفريد زكريا على قناة (سي. إن. إن) كم هم بعض أعضاء حكومة نتنياهو "متطرفون"، قال واحد من أكثرهم تطرفاً، وزير الأمن القومي إيتامار بن غفير، لبايدن أن يكف عن التدخل -إن "إسرائيل لم تعد نجمة أخرى في العلم الأميركي".


لطيف، أليس كذلك؟ وفقًا لتقرير "خدمة أبحاث الكونغرس" للعام 2020، تلقت إسرائيل أكبر مساعدة خارجية أميركية من أي دولة في العالم منذ الحرب العالمية الثانية، بقيمة 146 مليار دولار، من دون أن تتم معادلتها وفقًا للتضخم. وهذا مبلغ كبير حقًا، وربما كان ينبغي أن يقتضي بعض الاحترام الإضافي لرئيس الولايات المتحدة من بن غفير، الذي كان قد أدين في شبابه بالتحريض على العنصرية ضد العرب.


ثمة شعور بالصدمة اليوم بين الدبلوماسيين الأميركيين الذين كانوا يتعاملون مع نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأطول خدمة والذي يتمتع بذكاء كبير وموهبة سياسية. وهم يجدون صعوبة في تصديق أن "بيبي" سيسمح بأن يقوده أشخاص مثل بن غفير، وأنه سيكون مستعدًا للمخاطرة بعلاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة ومع المستثمرين العالميين، وسيكون مستعدًا للمخاطرة باندلاع حرب أهلية في إسرائيل، فقط من أجل البقاء في السلطة مع مجموعة من الناس التافهين والقوميين المتطرفين.


لكن هذا هو ما هي الأمور عليه -وهو قبيح. لقد أغلق عشرات الآلاف من حماة الديمقراطية الإسرائيلية الشوارع والطرق السريعة وحاصروا مطار تل أبيب يوم الثلاثاء الماضي ليوضحوا لنتنياهو أنه إذا كان يعتقد أنه يستطيع القضاء على ديمقراطية إسرائيل بهذه البساطة، فإنه مخطئ بشدة.
يبدأ انهيار التشارك الأميركي-الإسرائيلي في القيم المشتركة بحقيقة أن الائتلاف الحاكم بزعامة نتنياهو، الذي وصل إلى السلطة بأضيق الهوامش، قرر التصرف كما لو أنه فاز بأغلبية ساحقة، وتحرك على الفور لتغيير ميزان القوى الراسخ منذ فترة طويلة بين الحكومة والمحكمة العليا، الضابط المستقل الوحيد للسلطة السياسية في إسرائيل.


في الأسبوع الماضي، شرع نتنياهو وزملاؤه في طرح مشروع قانون في الكنيست يمنع القضاء الإسرائيلي من استخدام مبدأ المعقولية الراسخ في القانون الإسرائيلي، الذي يمنح المحكمة العليا الحق في مراجعة ونقض القرارات التي تعتبرها متهورة أو غير أخلاقية التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية، والوزراء وبعض المسؤولين المنتخبين الآخرين.


يوم الاثنين في الأسبوع الماضي، كتب ديفيد هوروفيتس، المحرر المؤسس لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل" الوسطية، أنها "حكومة عازمة على القيام بما هو غير معقول فقط هي التي ستتحرك لضمان أن لا يستطيع القضاء -الكابح الوحيد لسلطة الأغلبية في بلد لا يوجد فيه دستور، ولا دفاع مكرّس لا يمكن اختراقه عن حرية الدين، وحرية التعبير، والحقوق الأساسية الأخرى- مراجعة معقولية سياساتها".


إن مثل هذا التغيير الهائل في النظام القضائي الإسرائيلي الذي يحظى باحترام واسع، والذي قاد ظهور اقتصاد رائد رائع، هو شيء يمكن القيام به فقط بعد دراسة مستفيضة يجريها خبراء غير حزبيين، وبإجماع وطني واسع.

 

هكذا تفعل الديمقراطيات الحقيقية هذا النوع من الأشياء، ولكن لم يكن ثمة شيء من ذلك في حالة نتنياهو. إنه يؤكد أن هذه المهزلة برمتها لا علاقة لها بـ"إصلاح" قضائي، وأن كل شيء يتعلق باستيلاء مفضوح على السلطة يقوم به كل جزء من ائتلاف نتنياهو.


يريد المستوطنون اليهود إبعاد المحكمة العليا من الطريق حتى يتمكنوا من إنشاء مستوطنات في جميع أنحاء الضفة الغربية ومصادرة الأراضي الفلسطينية بسهولة.

 

ويريد اليهود الأرثوذكس المتشددون إبعاد المحكمة العليا من الطريق حتى لا يتمكن أحد من أن يقول لأبنائهم إن عليهم الخدمة في الجيش الإسرائيلي، أو أن يخبر مدارسهم بأنه يتعين عليها تدريس اللغة الإنجليزية، والرياضيات، والعلوم والقيم الديمقراطية.

 

ويريد نتنياهو إبعاد المحكمة من الطريق حتى يتمكن من تعيين أي متسللين سياسيين مبتذلين يريدهم لشغل وظائف رئيسية في الدولة.


تلقى مشروع قانون الإصلاح القضائي الذي طُرح يوم الاثنين في الأسبوع الماضي أولى القراءات الثلاث التي يحتاجها حتى يمر، والتي تقول حكومة نتنياهو إنها تريد الانتهاء منها بحلول موعد عطلة الكنيست في الصيف في 31 تموز (يوليو).

 

هل يمكنكم تخيُّل الولايات المتحدة وهي تعدل دستورها -في غضون بضعة أشهر- من دون نقاش وطني جاد، أو شهود من الخبراء، أو محاولة يبذلها الزعيم الوطني من أجل الحصول على إجماع؟


إذا لم يتمكن مئات الآلاف من المدافعين عن الديمقراطية الإسرائيليين، الذين خرجوا إلى الشوارع كل يوم سبت لأكثر من نصف عام، من إيقاف طاغوت نتنياهو عن تمرير مشروع القانون المطروح بالقوة، فإنه، كما كتب رئيس الوزراء السابق، إيهود باراك، قبل أيام في صحيفة هآرتس، "سينحدر بإسرائيل إلى ديكتاتورية فاسدة وعنصرية تؤدي إلى انهيار المجتمع، وعزل البلد"، وتضع نهاية لـ"الفصل الديمقراطي" من تاريخ إسرائيل.


اسمحوا لي أن أعرض مثالاً واضحًا وملموسًا جدًا. بموجب اتفاق تشكيل الحكومة الأصلي الذي وقعه نتنياهو مع شركائه في الائتلاف اليميني العام الماضي، قام بتعيين أرييه درعي، زعيم حزب "شاس" الأرثوذكسي المتشدد، في البداية كوزير للداخلية والصحة، ثم بعد ذلك، في غضون عامين، وزيرًا للمالية بالتناوب مع زعيم "الحزب الديني الصهيوني" بتسلئيل سموتريتش.


وكان درعي قد أدين ثلاث مرات بجرائم مالية أدت إلى سجنه -بما في ذلك التهرب الضريبي وقبول الرشاوى. وقالت المحكمة العليا الإسرائيلية، بتصويت 10 مقابل 1، لنتنياهو في كانون الثاني (يناير) الماضي، إن تعيينه للغشاش الضريبي المدان وآخذ الرشوة كوزير في الحكومة كان شيئًا "غير معقول مطلقًا"، وإنه عمل يقف في "تناقض خطير مع المبادئ الأساسية التي ينبغي أن توجه رئيس الوزراء عندما يعين الوزراء".


نتنياهو، الذي يُحاكَم هو نفسه بتهم الفساد، يريد تحييد المحكمة العليا حتى لا تتمكن من منعه من تعيين هذا الغشاش الضريبي وزيراً للمالية والإشراف، من بين أمور أخرى، على مساهمات دافعي الضرائب الإسرائيليين والأميركيين للخزانة الإسرائيلية. ما رأيكم في هذا كـ"إصلاح" قضائي؟


دعونا ننتقل الآن إلى الاهتمامات المشتركة. كان أحد أهم المصالح الإسرائيلية والأميركية المشتركة هو التصور المشترك بأن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية مؤقت فقط، وأنه يمكن أن يكون هناك في يوم من الأيام حل دولتين مع وجود 2.9 مليون فلسطيني هناك. ولذلك، ليس على الولايات المتحدة أن تقلق بشأن وجود أكثر من 500.000 مستوطن إسرائيلي هناك الآن. البعض منهم سيبقى عندما يتم التوصل إلى اتفاق دولتين؛ وسيغادر آخرون.


بسبب هذا التخيل المشترك، دافعت الولايات المتحدة دائمًا عن إسرائيل في الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية في لاهاي ضد قرارات أو أحكام مختلفة قدَّرت أنها لم تكن تحتل الضفة الغربية مؤقتًا، وإنما ضمتها واقعيًا بشكل دائم.


تبذل هذه الحكومة الإسرائيلية الآن قصارى جهدها لتدمير ذلك التصور الذي يشتري الوقت. منذ توليه المنصب وأدائه اليمين الدستورية في كانون الأول (ديسمبر)، وافق نتنياهو على بناء أكثر من 7.000 وحدة سكنية جديدة، معظمها في عمق الضفة الغربية. كما عدلت حكومته قانونًا لتمكين المستوطنين الجامحين من العودة إلى أربع مستوطنات كان الجيش الإسرائيلي قد طردهم منها -وهو ما يخالف تعهدًا للرئيس جورج دبليو بوش بعدم القيام بذلك.


ثم أعلن سموتريتش، وزير مالية نتنياهو، في آذار (مارس) أنه "لا يوجد شيء اسمه فلسطينيون لأنه لا يوجد شيء اسمه الشعب الفلسطيني". ويعارض حزب سموتريتش إقامة دولة فلسطينية ويؤيد الضم.


يشكل تدمير نتنياهو المستمر لهذا التصور المشترك مشكلة حقيقية للمصالح الأميركية والإسرائيلية المشتركة الأخرى: إنه يهدد استقرار الأردن، الذي يشكل مصلحة أميركية وإقليمية حيوية. وهو يدفع الدول العربية التي انضمت إلى إسرائيل في "اتفاقات إبراهيم" إلى اتخاذ خطوة إلى الوراء.

وهو يعطي السعوديين الدافع لوقفة حقيقية بشأن المضي قدماً في التطبيع مع مثل هذا النظام الإسرائيلي الذي لا يمكن التنبؤ به.


وهو يجبر الولايات المتحدة على الاختيار. إذا كانت حكومة نتنياهو ستتصرف كما لو أن الضفة الغربية هي إسرائيل، فسوف يتعين على الولايات المتحدة أن تصر على أمرين. أولاً، أن اتفاقية الإعفاء من التأشيرة التي تريدها إسرائيل من الولايات المتحدة -التي ستسمح للمواطنين الإسرائيليين بدخول الولايات المتحدة من دون تأشيرة، بمن فيهم أكثر من 500.000 مستوطن إسرائيلي يعيشون في الضفة الغربية- فإن ذلك يجب أن ينطبق على جميع الفلسطينيين البالغ عددهم 2.9 مليون فلسطيني في الضفة الغربية، أيضًا.

 

ولمَ لا؟ لماذا ينبغي أن يحصل مستوطن إسرائيلي في مدينة الخليل بالضفة الغربية على حق دخول الولايات المتحدة من دون تأشيرة بينما لا يحق لفلسطيني من الخليل أن يفعل، خاصة عندما تقول هذه الحكومة الإسرائيلية فعليًا أن الخليل هي جزء من إسرائيل؟


لماذا يجب أن تستمر الولايات المتحدة في الدفاع في الأمم المتحدة والمحكمة الدولية عن فكرة أن إسرائيل تحتل الضفة الغربية مؤقتًا -وبالتالي لا تمارس شكلاً من أشكال الفصل العنصري هناك- بينما يبدو أن هذه الحكومة الإسرائيلية عازمة علنًا على ضم الضفة الغربية، وأعطت اثنين من أكثر دعاة الضم نشاطًا، سموتريش وبن غفير، سلطات أمنية ومالية واسعة على المستوطنات في تلك المنطقة؟


رئيس إسرائيل اللائق والمعتدل، إسحاق هرتسوغ، الذي كان يناشد ائتلاف نتنياهو ويطالبه بالتراجع عن فرض أي تغييرات في السلطة القضائية، والقيام بذلك فقط في حالة تحقيق إجماع وطني، سيجتمع مع بايدن في واشنطن هذا الأسبوع. وهذه طريقة بايدن للإشارة إلى أن مشكلته ليست مع الشعب الإسرائيلي، وإنما مع حكومة "بيبي" المتطرفة.


ولكن، ليس لدي أدنى شك في أن الرئيس الأميركي سيسلِّح الرئيس الإسرائيلي برسالة -من مبعث الحزن، وليس الغضب- مفادها بأنه عندما تتباين المصالح والقيم بين الحكومة الأميركية والحكومة الإسرائيلية إلى هذا الحد، فإن إعادة تقييم العلاقة بينهما ستكون أمرًا لا مفر منه.


أنا لا أتحدث عن إعادة تقييم لتعاوننا العسكري والاستخباراتي مع إسرائيل، الذي يظل قوياً وحيوياً. إنني أتحدث عن نهجنا الدبلوماسي الأساسي تجاه إسرائيل التي تحبس نفسها بلا وازع في زاوية حل الدولة الواحدة: دولة يهودية فقط، بينما يظل مصير الفلسطينيين وحقوقهم في علم الغيب.


سوف تكون مثل إعادة التقييم هذه على أساس المصالح والقيم الأميركية نوعًا من الحب القاسي لإسرائيل، ولكنها ضرورة حقيقية قبل أن تخرج إسرائيل حقًا عن السكة. أما أن يكون بايدن مستعدًا للوقوف في طريق نتنياهو قبل انتخابات 2024 في أميركا، فيشير إلى أن رئيسنا يعتقد بأنه يحظى بالدعم -ليس من معظم الأميركيين فحسب، ولكن من معظم اليهود الأميركيين أيضًا -بل وحتى معظم اليهود الإسرائيليين.
وهو محق بشكل كل هذه الجبهات الثلاث.


*توماس ل. فريدمان Thomas L. Friedman: كاتب عمود الشؤون الخارجية في صحيفة نيويورك تايمز منذ العام 1995. انضم إلى الصحيفة في العام 1981، وشغل منصب مدير مكتب الصحيفة في بيروت في العام 1982، ورئيس مكتب القدس في العام 1984، ثم عمل في واشنطن كمراسل دبلوماسي للصحيفة في العام 1989، وبعد ذلك مراسل البيت الأبيض والمراسل الاقتصادي.‏ ‏حصل على جائزة بوليتزر للتقارير الدولية للعام 1983 (من لبنان)، وجائزة بوليتزر للتقارير الدولية للعام 1988 (من إسرائيل). كما فاز بجائزة بوليتزر للتعليق للعام 2002.‏ وهو مؤلف كتاب "من بيروت إلى القدس" الذي فاز بجائزة الكتاب الوطني في العام 1989. وكتب العديد من الكتب الأخرى، منها "حار، مسطح، ومزدحم"، وهو من أكثر الكتب مبيعًا على مستوى العالم.‏ ولد فريدمان في مينيابوليس، وحصل على درجة البكالوريوس في دراسات البحر الأبيض المتوسط من جامعة برانديز في العام 1975. وفي العام 1978 حصل على درجة الماجستير في دراسات الشرق الأوسط الحديثة من جامعة أكسفورد. يظهر عموده في "نيويورك تايمز" كل يوم أحد وأربعاء.‏


*نشر هذا المقال تحت عنوان: The U.S. Reassessment of Netanyahu’s Government Has Begun

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

بنيامين نتنياهو فقد هالة الرجل الذي لا يقهر