إمبراطورية إيران القتالية في الشرق الأوسط

1707729597490049400
مسيرة مؤيدة للمرشد الإيراني آية الله علي خامنئي في إيران - (أرشيفية)

كلما زادت الجمهورية الإسلامية والجماعات الوكيلة لها من تصعيدها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، زادت مخاطر حدوث خطأ ما وخروج الأمور عن السيطرة.
*   *   *
على مدى عقود من الزمن، قامت جمهورية إيران الإسلامية بتنظيم ودعم ميليشيات يهيمن عليها أعضاء من الطوائف الشيعية في الدول العربية.

اضافة اعلان

 

وقامت جميعها بذلك باسم مقاومة إسرائيل - إلى حين اندلاع الانتفاضات العربية في العام 2011 والاضطرابات التي أعقبتها في سورية والعراق وخارجهما.

 

وخلال تلك الفترة، تم تشويه سمعة الميليشيات المدعومة من إيران، مثل "حزب الله" اللبناني، بشكل فظيع عندما قيل إنها قتلت إخوانها العرب والمسلمين أثناء محاولتها دعم حلفاء طهران، وأبرزهم الرئيس السوري بشار الأسد في سورية.

 

وأدى ذلك في النهاية إلى خلق المساحة الاستراتيجية والدبلوماسية للدول العربية وإسرائيل (والولايات المتحدة) لتوسيع "اتفاقيات كامب ديفيد" ونحو "اتفاقيات أبراهيم"، مما أدى إلى إعادة ترتيب المصالح العربية والإسرائيلية ضد محاولة إيران توسيع نفوذها في المنطقة بوسائل العنف.


ثم جاء هجوم "حماس" في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023. وفي حين أن إيران دعمت الجماعات التي تقاوم إسرائيل مثل "حماس"، إلا أن التقارير الأولية أشارت إلى أن توقيت الهجوم وشدته فاجآ طهران. ولكن إيران، على غرار خصمها، الولايات المتحدة، لم ترد اندلاع حرب إقليمية أوسع نطاقاً.


تصعيد مدروس

 


بعد مرور أربعة أشهر منذ هجوم "حماس" والحرب التي أعقبته، تُظهر نظرة فاحصة أن إيران منخرطة في تصعيد أكثر قياساً وتعمّداً، وهو يهدد الآن بالتوسع مع استمرار إسرائيل في هجومها على غزة.

 

وفي أعقاب هجوم 7 تشرين الأول (أكتوبر)، وخاصة بعد الهجوم القاتل الذي شنته إسرائيل على "المستشفى الأهلي" في 17 تشرين الأول (أكتوبر)، كثفت الميليشيات المدعومة من إيران هجماتها في جميع أنحاء المنطقة، وليس ضد إسرائيل فحسب، بل ضد الولايات المتحدة أيضاً.

 

وقد بدأ ذلك بهجمات "حزب الله" عبر الحدود اللبنانية - الإسرائيلية، مما أدى إلى إخلاء المجتمعات الحدودية على كلا الجانبين، وأعقبتها ضربات وجهتها الميليشيات الشيعية ضد القوات الأميركية في سورية والعراق، ثم هجمات الحوثيين بالصواريخ والمسيرات على حركة الشحن في البحر الأحمر.


وتوسعت الهجمات في الجبهات الثلاث، وتزامنت الفترة الوحيدة من الهدوء الجزئي في العراق وسورية والحدود اللبنانية - الإسرائيلية مع وقف إطلاق النار في غزة الذي استمر لمدة أسبوع.

 

وقد واصل المقاتلون الحوثيون اليمنيون من جانبهم هجماتهم البحرية في البحر الأحمر بلا هوادة.

 

ووفقاً لإحصائيات زملائي في "معهد واشنطن"، أدت مئات الهجمات على طول الحدود اللبنانية - الإسرائيلية إلى إجلاء آلاف اللبنانيين والإسرائيليين من منازلهم.

 

وفي الأثناء، أسفر أكثر من 180 هجوماً ضد القوات الأميركية في العراق وسورية إلى مقتل ثلاثة جنود أميركيين، وإصابة العشرات، وشن ما لا يقل عن 10 ضربات أميركية مضادة.


في الآونة الأخيرة، أدى هجوم شنته "كتائب حزب الله" المدعومة من إيران في العراق إلى مقتل ثلاثة جنود أميركيين في قاعدة بالأردن. ورداً على ذلك، هاجمت الولايات المتحدة أكثر من 80 هدفاً في العراق وسورية تابعة للجماعات الوكيلة المدعومة من إيران و"الحرس الثوري الإيراني".

 

وأخيراً، أدت العشرات من هجمات الحوثيين ضد السفن في البحر الأحمر إلى قيام الولايات المتحدة بتوجيه بعض من أكبر الضربات الجوية التي نفذتها إدارة بايدن حتى الآن.


تعزيز الصورة

 


تحاول طهران حالياً تعزيز صورتها كداعم لـ"المقاومة"، لاستعادة البريق الذي تمتعت به قبل "الربيع العربي".

 

وبينما تواصل إيران وحلفاؤها الدعوة إلى تحرير القدس والأراضي الفلسطينية من الاحتلال الإسرائيلي، يبدو تصعيدهم التدريجي أكثر تصميماً على استخدام ميليشياتهم المختلفة لزيادة التكاليف التي تتحملها إسرائيل عن مواصلة هجومها على غزة، فضلاً عن التكاليف التي يتحملها حلفاء إسرائيل الأميركيون.

 

ولكن، بدلاً من دفع الولايات المتحدة إلى التراجع من المنطقة أو الخروج منها، قد ترغم هجمات الميليشيات الرئيس الأميركي بايدن -الذي يغلب أن يواجه الرئيس السابق دونالد ترامب في انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر)- على التصعيد مع طهران حتى لا يبدو أكثر ضعفاً من سلفه.


حتى الآن، نجحت استراتيجية الجهة الوكيلة غير الحكومية في تجنب القيام بعمل عسكري إسرائيلي أوسع نطاقاً في جنوب لبنان، والذي يمكن أن يشكل تهديداً لترسانة "حزب الله" من الصواريخ والقذائف التي لا يتمثل هدفها الاستراتيجي في تحرير فلسطين بقدر ما يتمثل في ردع أي هجوم إسرائيلي على إيران وبرنامجها النووي ومصالحها في جميع أنحاء المنطقة.

 

ولكن، مع زيادة اللغة الأكثر دقة وعدوانية التي تستخدمها إسرائيل، والتي تطالب "حزب الله" بسحب "وحدة الرضوان" عبر الحدود من مناطق جنوب نهر الليطاني، يتزايد خطر حدوث خطأ وسوء تقدير يوماً بعد آخر -على النحو الذي أدى إلى اندلاع الحرب في العام 2006.


مع ذلك، قطعت طهران حالياً شوطاً أبعد بكثير في برنامجها النووي، مما يعني أن قدرات الردع لدى "حزب الله" أصبحت أكثر أهمية بالنسبة لطهران مما كانت عليه قبل 18 عاماً.

 

وبينما ما تزال وسائل الإعلام تمتلئ بالتقارير عن عدم رغبة إيران وإسرائيل والولايات المتحدة في اندلاع حرب أوسع نطاقاً في الشرق الأوسط، إلا أن المزيد من التحليلات يشير إلى تنامي المؤشرات على إمكانية حدوث ذلك.


يبقى الدمار المتبادل المؤكد، الذي حافظ على السلام على طول الحدود اللبنانية - الإسرائيلية وعبر الخليج العربي، عاملاً قوياً في حسابات كل عاصمة.

 

ويعتقد كل طرف أنه يقف على الجانب الآخر من سلم التصعيد، وأنه يعرف الخطوة التالية للطرف الآخر.

 

ولكن كلما زاد التصعيد من قبل أحد الطرفين، تعاظم خطر الأخطاء وإمكانية الانزلاق، مع ما يترتب على ذلك من عواقب عميقة على توازن القوى في الشرق الأوسط وخارجه.

*أندرو جيه تابلر: هو زميل أقدم في برنامج الزمالة "مارتن ج. غروس" في "برنامج "روبين فاميلي" حول السياسة العربية" في معهد واشنطن؛ حيث يركز على سورية والمشرق العربي وسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، كما يشغل منصب مدير برنامج بحوث المبتدئين في المعهد.

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

في إيران "أغلبية صامتة" ما تزال بعيدة عن التعبئة السياسية