‏إيران القادمة‏

سهراب الأحمري – (تقرير واشنطن) عدد كانون الثاني (يناير)/ شباط (فبراير) 2023 ترجمة: علاء الدين أبو زينة‏ يجب الحكم على إيران من خلال معيار الحياة الطبيعية، وليس بالضرورة من خلال تبني الديمقراطية الليبرالية. * * *‏ ‏عندما كنت في الثامنة أو التاسعة من عمري، سمح لي والداي باختيار المطعم الذي كنا نتناول فيه العشاء للاحتفال بعيد ميلادي مع عدد قليل من الأصدقاء. وقد اخترت مطعما هنديا ليس بعيدا كثيرا عن منزلنا في طهران، لأنني كنت مفتونا ‏‏بفكرة‏‏ هذا المطبخ الغريب الحار أكثر من رغبتي في الشيء نفسه. وفيما بدا لعبا على هذا الفضول العرقي، قام أصحاب المطعم بتحريك عناصر الديكور الهندي المتداعي ليتسع المكان لأحد عشر شخصا. وأيا كان المكان الذي نظرت إليه، انتهى الأمر بعينيك إلى الاستراحة على بعض المنسوجات التي يزينها رسم فيل مزخرف مناسب لأمير مغولي، أو تمثال صغير لشيفا، الإله المدمِّر.‏ ‏ كان المكان منعزلا متوحدا عندما وصلنا إليه. كانت الإضاءة خافتة، وشعرت بالخصوصية لدرجة أن منطقة تناول الطعام بدت وكأنها امتداد لغرفة معيشتنا (كما لو أننا كنا نعيش في منزل يمكن أن يتضاعف ليكون مسرحا لأحداث فيلم “‏إنديانا جونز ومعبد الموت”). ولا بد أن الشعور بالراحة المنعزلة المتوحدة تلك ترك انطباعا قويا بشكل خاص على والدتي، التي فعلت شيئا لا يصح فعله ولا ذكره في جمهورية إيران الإسلامية عندما جلسنا: خلعت حجابها ووضعته على ظهر كرسيها.‏ ‏ لن أنسى في أي وقت قريب ردود فعل أصدقائنا والنادل الذي يحوم في الخلفية -أو ذلك المزيج من مشاعر الحيرة والخوف والإثارة الذي تغلب علي. ربما بدا الأمر وكأننا شهدنا جميعا بنفس المقدار أحد تماثيل شيفا الصغيرة هذه وهو ينبض بالحياة فجأة ليعلن نهاية العصر بلغة غامضة وصوت قادم من عالم آخر. لم يقل أحد كلمة واحدة، لكن النظرات المشدوهة نبهت والدتي إلى أن هناك شيئا خاطئا بشأن مظهرها. ‏‏إنكِ لا تفعلين هذا في إيران‏‏، قال الجميع، بصمت. ‏‏ فكِّري في شرطة الأخلاق! وبعد لحظة أخرى، سارعَت أمي إلى جعل نفسها متوافقة مع قانون الأرض مرة أخلى. أعاد ذلك النسيج الممزق للواقع اليومي تشكيل نفسه، وسرعان ما كنا، بمن فينا أمي والنادل، نضحك على الحادث.‏ ‏ والآن، وبعد ما يقرب من ثلاثة عقود، أصبح ذلك النسيج للواقع يتفكك على نطاق أكبر بكثير -بل على المستوى الوطني. وعندما يعيد تشكيل نفسه أخيرا، لن تكون البلاد هي نفسها مرة أخرى.‏ ‏ جاءت أحدث علامة خلال عطلة نهاية الأسبوع، عندما قال المدعي العام للبلاد، محمد جعفر منتظري، أن شرطة الآداب، المعروفة باسم ‏‏”كشت إرشاد‏‏”، قد تم حلها. وأضاف أن الحكومة تعيد النظر في قواعد الحجاب الإلزامي التي أزعجت النساء الإيرانيات الأكثر علمانية، مثل والدتي وجدتي الراحلة، والتي تعود إلى بدايات النظام الثوري. وفي حين يبقى أن نرى ما إذا كان تصريح منتظري يشكل تحولا حقيقيا في السياسة، يظل من المهم أن تصريحاته غير الرسمية والمرتجلة قوبلت بالتمجيد من وسائل الإعلام التي تديرها الدولة -على الرغم من أن أجهزة الدولة الأخرى عارضته بشكل ملحوظ.‏ سواء ألغيت قاعدة الحجاب، وألغيت شرطة الأخلاق رسميا أم لا، فإن النظام القديم أصبح غير فعال بحكم الأمر الواقع‏. وكما أفاد مدون الفيديو القومي، أوميد دانا، وهو مراقب لشؤون إيران أكثر موثوقية بكثير من أمثال محطات “بي بي سي” و”صوت أميركا”، على الرغم من أن محتواه يصدر، للأسف، باللغة الفارسية حصريا- ‏فإن 50 في المائة على أقل تقدير من النساء في المدن الكبيرة لم يعدن يغطين أنفسهن. ويقول دانا أن الأرقام يغلب أن تكون أعلى في الأحياء الأكثر ثراء. لم يعد الإنفاذ موجودا. ويقال أن صانعي الأفلام الذين يتعاملون مع المشاهد المحلية يقومون بتصوير مزدوج لكل مشهد، أحدهما بممثلات محجبات والآخر من دون حجاب، على أمل أن يُسمح لهم قريبا بعرض النساء غير محجبات على شاشة التلفزيون الحكومي. ما كان في يوم من الأيام شيئا لا يمكن تصوره ولا يمكن قوله في الجمهورية الإسلامية أصبح الآن واقعا يوميا. على شاشة التلفزيون الحكومي، على سبيل المثال، قال رجل دين يدعى رضا غلامي، متحدثا عن سبب انفجار الاضطرابات الاجتماعية في إيران:‏ ‏ ”في السنوات الماضية، ارتكبنا أخطاء في الحُكم، وقد ازدادت هذه الأخطاء في الآونة الأخيرة. أحد الأسباب يتعلق بالتعقيد والحساسية المتزايدين لساحة الحُكم. الحُكم في الظروف العالمية الحالية لا علاقة له بالحكم قبل 30 أو 40 عاما… في مناخ اليوم، علينا أن نقبل بأن قوات الأمن قد أخطأت. بادئ ذي بدء، ما كان ينبغي لقوات الأمن أن تعمل على فرض الحجاب في المقام الأول، وتلك المرأة (مهسا أميني، المرأة التي أثارت وفاتها على أيدي شرطة الآداب أسابيعا من الاحتجاجات) لم تكن ترتدي حجابا سيئا لدرجة تتطلب احتجازها… وفي الأشهر الأخيرة، ونتيجة لعملية طويلة، أصبحنا نواجه استقطابا اجتماعيا واسعا، استقطابا يتسارع الآن، وقد تسببت عناصر ‏‏داخل القيادة والنظام الإسلامي ‏‏في اتساع هذا الاستقطاب”.‏ ‏ هذه كلمات مذهلة. لدينا هنا عضو في مجموعة رجال الدين الحاكمة يتوجه إلى وسائل الإعلام الحكومية لإلقاء اللوم -ليس على الولايات المتحدة ولا على إسرائيل ولا بريطانيا، بل على سوء إدارة النظام نفسه للمطالب الشعبية. وهي مطالب تحظى بدعم شعبي واسع. في الشهر الماضي، أقر مصطفى رُستمي، ممثل المرشد الأعلى علي خامنئي في الجامعات، بأن ‏‏55 في المائة من السكان‏‏، أو ما يقرب من 44 مليون إيراني، يوافقون على الاحتجاجات المناهضة للحجاب، وفقا لاستطلاعات النظام الداخلية الخاصة.‏ ما يزال ما سيأتي بعد ذلك غير واضح. ثمة في الغرب من يعتقدون بأن هذه التحولات تبشر بسيناريو تغيير للنظام. وقد اعتدت أن أكون بين صفوف هؤلاء. لكن تجربة الشرق الأوسط على مدى العقدين الماضيين علمتني أن أكون حذرا وقلقا بشأن الاضطرابات.‏ الحقيقة هي أن النظام يتمتع بنواة صلبة من المؤيدين الذين يؤمنون بشدة برسالته ويستفيدون منها ماديا. ويمكن أن أضع الرقم عند حوالي 20 مليونا -20 مليون شخص ضحوا بأرواحهم وأطرافهم من أجل النظام الإسلامي الذي أسسه آية الله الخميني، والذين يحدث أنهم يسيطرون على أقوى العناصر وأكثرها شهرة في قوات الأمن. وبالإضافة إلى ذلك، فإن إيران دولة متعددة الجنسيات ومليئة بخطوط القسمة العرقية والطائفية. ولا ينبغي يرحب أحد بتحللها العنيف وسط الاضطرابات الداخلية، لأن سيناريو ينطوي على نشوب حرب أهلية سوف يجعل كارثة سورية تبدو حميدة بالمقارنة.‏ ‏ الطريق الأكثر عقلانية، كما قلت في مقال سابق لي في مجلة “كومينتري”‏ في العام 2018‏‏ وصحيفة “‏‏نيويورك بوست”‏‏ بعد عام‏‏، هو انتقالٌ مُدار يشمل شخصيات داخل قوات الأمن؛ رجالا يدركون أن نسخة الخميني من الإسلاموية قد وصلت إلى نهايتها، وأن إيران تُحكم على أسس أكثر قومية يمكن أن تحقق ‏‏الحياة الطبيعية التي يحتاج إليها الناس بشدة –التي ليست بالضرورة الديمقراطية الليبرالية. إن ما هو على المحك في إيران الآن ليس أقل من الاستقرار والسلامة الإقليمية لواحدة من أكثر الدول أهمية من الناحية الاستراتيجية على وجه الأرض. ‏*سهراب الأحمري Sohrab Ahmari: مؤسس ومحرر مجلة “‏‏كومباكت”‏‏، ومحرر مساهم في “ذا أميركان كونسيرفاتيف”،‏‏ وزميل زائر في “مركز الفيرييتاس للأخلاقيات في الحياة العامة” في جامعة الفرنسيسكان. تشمل كتبه “‏‏من النار، بالماء: رحلتي إلى الإيمان الكاثوليكي” ‏‏(إغناتيوس، 2019)؛ ‏‏و”الخيط غير المنقطع: اكتشاف حكمة التقاليد في عصر الفوضى” ‏‏(كونفيرجنت/ راندوم هاوش، 2021). وهو يكتب حاليا كتابا عن الطغيان المخصخص في أميركا.‏ *نشر هذا المقال تحت عنوان: The Next Iran اقرأ أيضا في ترجمات:اضافة اعلان