استخدام الغذاء كسلاح يعود إلى الواجهة

حفنة حبوب في يد مزارع أوكراني  في مزرعة دمرتها الحرب، زابوريجيا، أوكرانيا، أيلول (سبتمبر) 2023 -(المصدر)
حفنة حبوب في يد مزارع أوكراني في مزرعة دمرتها الحرب، زابوريجيا، أوكرانيا، أيلول (سبتمبر) 2023 -(المصدر)

الاعتماد العالمي المتبادل في مجال الغذاء أدى إلى تضخيم مخاطر استخدام الغذاء كسلاح بما يتجاوز مسارح الحرب المباشرة.

 

اضافة اعلان

وإذا ما ترك من دون ضوابط، فقد يؤدي استخدام الغذاء كسلاح إلى ظهور عالم أكثر جوعاً وعنفاً.
*   *   *
الغذاء هو أحد أسلحة الحرب. ومثل الأسلحة النووية، قد يؤدي تحويل الغذاء إلى سلاح إلى حالات موت جماعي بين المدنيين وفظائع لا يمكن تصورها، مما يثير غضباً أخلاقياً مشروعاً بخصوص احتمال استعماله. غير أن الغذاء كسلاح، خلافاً للأسلحة النووية، يُستخدم بشكل روتيني في الحرب. وفي عالمنا المعولم، أصبحت هذه الأداة أكثر خطورة من أي وقت مضى.


كانت الصراعات منذ فترة طويلة المحرك الرئيس للجوع العالمي. ويتجلى هذا النمط الدائم بصورة مأسوية اليوم في أماكن شتى، مثل قطاع غزة، وهاييتي، والسودان؛ حيث أصبح ملايين المدنيين حالياً على حافة المجاعة

 

. وتنشأ الصلة بين الصراعات والجوع جزئياً من استخدام الغذاء نفسه كسلاح، وهو أسلوب يجري اتباعه في الحرب ويستغل ما ينطوي عليه (استعمال الغذاء كسلاح) من إمكانات للقيام بتعطيل قسري (أو التهديد بتعطيل) حركة المؤن الغذائية الحيوية من خلال نهب وتدمير المزارع، والتلاعب بالإمدادات الغذائية لاستغلالها من أجل ممارسة السيطرة السياسية الداخلية، واستخدام الحصار ووضع العوائق المصممة بغرض تجويع المدنيين المحاصرين في الداخل.


شهدت الحرب الأهلية السورية المثال الأحدث على استعمال الغذاء كسلاح، حيث شن النظام السوري ما سماه "الاستسلام أو الموت جوعاً". ومضى إلى حظر دخول الغذاء إلى المناطق السكنية التي يُعتقد أنها تؤوي قوات المتمردين.

 

واستهدف المقاتلون على كل من طرفي الحرب الأهلية في اليمن الإنتاج الزراعي بمحاولات تدميره. كما عطلوا أسواق المواد الغذائية المحلية وعرقلوا وصول المساعدات الإنسانية أو أرسلوها إلى وجهة أخرى.


لكن روسيا ارتقت بهذه الأداة منذ غزو أوكرانيا في العام 2022 إلى مستوى جديد. ولا يستهدف الكرملين القدرة الزراعية لأوكرانيا وحسب، بل ويهدد أيضاً الإمدادات الغذائية العالمية الأوسع.

 

ويمكن لتوظيف الغذاء كسلاح في منطقة واحدة في سياق اقتصاد عالمي مترابط يعتمد بعضه على بعض، أن يؤثر في الأمن الغذائي للجميع.

 

وقد استغلت موسكو هذا الاعتماد المتبادل، فعطلت عمداً الإمدادات الغذائية لتعزيز الأهداف العسكرية للكرملين. وفرضت موسكو على مدار الحرب قيوداً على الصادرات، وحاصرت البحر الأسود، وقصفت مخازن الحبوب، مما أدى إلى سحق الصادرات الزراعية لأوكرانيا واكتساب نفوذ على الدول المستوردة المحايدة، واختبار عزيمة الغرب في هذه العملية.


في بداية الغزو، حلقت أسعار المواد الغذائية العالمية إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق. ويستمر تضخم أسعار المواد الغذائية وتقلباتها في التأثير على البلدان منخفضة الدخل اليوم.

 

وتعد الصدمة التي سببتها الحرب للإنتاج الزراعي والتجارة محركاً رئيساً لأزمة الغذاء العالمية التي أدت إلى تضاعف نسبة الجوع الحاد العالمي ثلاث مرات تقريباً منذ العام 2020، وتعريض أشخاص قد يصل عددهم إلى 333 مليون شخص لخطر المجاعة.


تشكل هذه الصدمة التي يتعرض لها النظام الغذائي العالمي فرصة لحشد العالم وراء حظر أحد أسلحة الحرب التي تستعملها البشرية، والأكثر استمرارية والمعيبة بشكل أكبر من غيرها.

 

ولتحقيق هذه الغاية، يتعين على واشنطن أن تقوم بحملة من أجل إبرام معاهدة دولية تحظر استخدام الغذاء كسلاح.


يشكل التفاوض على المعاهدات والمصادقة عليها تحدياً كبيراً. لكن هذا التحدي ذاته هو الذي يمنح المعاهدات ثقلها السياسي والأخلاقي الضخم، حيث يمكن أن تؤدي عملية إنشاء المعاهدة إلى إشراك المجتمع بأكمله، من مواطنين عاديين إلى مسؤولي دول، في التعامل مع خطر تحويل الغذاء إلى أسلحة.

 

وفي حال نجاحها ستؤدي إلى التزام قانوني لا يمكن الإفلات منه بالتخلي عن هذه الممارسة.


الطعام كسلاح

 


في العام 1974، أدلى وزير الزراعة الأميركي، إيرل بوتز، بتصريح جريء وسيئ السمعة الآن لمجلة "تايم" قال فيه إن "الغذاء سلاح، وهو الآن من الأدوات الرئيسة في عدتنا التفاوضية". وفي سياق الحرب الباردة، نظر بوتز إلى الوفرة الزراعية الأميركية كأداة للإكراه يمكن أن تستخدمها واشنطن في العالم الثالث، حيث يجب أن تقدم المساعدات الغذائية والتجارة مقابل تنازلات سياسية.

 

ولاحظت المقالة ذاتها التي نشرتها مجلة "تايم"، أن "هذه قد تكون سياسة وحشية، بيد أن واشنطن قد لا تشعر بأنها ملزمة بمساعدة الدول التي عارضتها بشدة وبشكل مستمر".


وقد اعتمد بوتز على حدس قديم قدم الثورة الزراعية، وهو أن الغذاء يوفر السيطرة لأولئك الذين يملكونه ويجعل أولئك الذين لا يحوزون عليه عرضة للخطر. ويعني استغلال هذا الضعف، على سبيل المثال من خلال فرض الحصار على السكان المدنيين للعدو وتجويعهم، استخدام الغذاء كسلاح.


إن الغذاء سلاح في الحقيقة. ولم يكن بوتز أول مسؤول عام يذكر ذلك بكل وضوح، فقد كان القادة البلاشفة طوال الحرب الأهلية الروسية من العام 1917 إلى العام 1922، مهووسين بانتزاع الحبوب وتوزيعها.

 

وقد أتاحت المجاعات المنتشرة في كل أنحاء أوروبا الشرقية، التي كانت في البداية نتيجة غير متعمدة للحرب الأهلية والانهيار المجتمعي، للبلاشفة نفوذاً كبيراً على المعارضة المحلية في بادئ الأمر، حتى أنهم فكروا في رفض المساعدات الغذائية من إدارة الإغاثة الأميركية، وأخبروا الأميركيين صراحة أن "الغذاء سلاح".


وخلال الحرب العالمية الثانية، كانت القوة النسبية لإنتاج الولايات المتحدة من الغذاء حاسمة بالنسبة لجهود الحلفاء الحربية، إلى درجة أن مكتب معلومات الحرب الأميركي شجع على تقنين الغذاء تحت شعار مذهل يقول: "الغذاء سلاح فلا تبددوه"!


قبل الحرب العالمية الثانية، كان استعمال الغذاء كسلاح يترك آثاراً على نطاق محلي، إذ كانت الإمدادات الغذائية المحلية أو الإقليمية هي المسؤولة إلى حد كبير عن الأمن الغذائي. ولكن مع تداخل الأنظمة الغذائية الإقليمية في نظام عالمي مترابط تعتمد أجزاؤه على بعضها بعضاً، تصور بوتز شيئاً أعظم وهو الهيمنة الأميركية على تجارة الغذاء العالمية كأداة للحرب الاقتصادية والسياسية.

 

وقد فشل في التنبؤ بأن استهداف الدول الفردية أصبح أمراً غير ممكن بسبب الاعتماد العالمي المتبادل.


اختبرت الولايات المتحدة اقتراح بوتز للمرة الأولى في العام 1980 من خلال فرض حظر للحبوب على الاتحاد السوفياتي. لكن الخطة فشلت، إذ سرعان ما وجدت موسكو موردين آخرين، وواجهت إدارة كارتر رد فعل سياسيا داخليا شرسا.

 

وقد تمخض تجريب أميركا ما أطلق عليه بعضهم آنذاك "سلاح الغذاء" عن درس محبط مفاده بأن القيود المفروضة على تجارة الغذاء قد تؤدي إلى تداعيات خطرة وغير متوقعة.

 

وأصبح من الواضح أن الديمقراطية الليبرالية التي تقود النظام الدولي لا حاجة بها إلى مثل هذا السلاح غير الدقيق الذي من المرجح أن يلحق الضرر بحلفاء المرء وأنصاره المحليين بقدر ما هو مؤهل للتسبب بإيذاء هدفه المقصود.


بيد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليس خاضعاً لقيود صارمة، وهو يعتقد أنه بقدر ما تزيد الفوضى في العالم بقدر ما يعزز ذلك قوته النسبية ويحمي نظامه ويحقق أهدافه العسكرية. وقد أظهرت تصرفات الكرملين أن دولة واحدة تستطيع تضخيم أسعار المواد الغذائية عالمياً، وفرض أضرار جسيمة على الجياع في أنحاء العالم كافة.


لا يمتلك الغرب سوى القليل من الأدوات اللازمة لردع الدول المارقة عن استخدام الغذاء كسلاح على نطاق عالمي.

 

ولم يكن بمقدور القانون الإنساني الدولي، الذي صيغ قدر كبير منه في أوائل القرن العشرين، أن يتصور النظام الغذائي الذي يعتمد على بعضه بعضاً اليوم.

 

ولا تمنع اتفاقات التجارة الزراعية القائمة استخدام قيود التصدير كأدوات إجبار، ويتساهل القانون البحري مع فرض الحصار شرط أن يبقى وصول المساعدات الإنسانية غير مقيد. ويشمل حظر اتفاقات جنيف استخدام تجويع المدنيين كواحد من وسائل الحرب استثناءات وجوانب غامضة، كما هو الحال عندما يكون التجويع غير مقصود أو ناجما بالصدفة عن أهداف عسكرية.


بطبيعة الحال، من الصعب تحديد النية في خضم الصراع، كما أن ذلك ليس مهماً بشكل كبير بالنسبة للمدنيين الذين يعانون العواقب.


إن التكتيك الذي يؤدي بشكل عرضي أو غير متوقع إلى تجويع السكان المدنيين في أراضي العدو، وبالتالي يمنح أفضلية عسكرية، لا يمكن تمييزه في كثير من الأحيان عن استخدام الطعام بشكل مقصود كسلاح. ويجعل التعقيد الذي يتسم به النظام الغذائي والحرب نفسها تحليل النية أكثر صعوبة منه في أي وقت مضى.

 

وإذا قررت كييف أن تدمر صادرات روسيا من القمح والأسمدة لإلحاق الضرر بالاقتصاد الروسي، فمن المؤكد أن كثيرين سيجادلون بأن مثل هذا السلوك مقبول -حتى ولو تسببت هذه العملية في إيذاء الكثير من المدنيين خارج منطقة الصراع.


وتهدف الاتفاقات الدولية السارية إلى حماية المدنيين المهددين بشكل مباشر بمجريات الحرب وآثارها، وليس الحماية من التهديدات المنهجية التي يتعرض لها المدنيون في جميع أنحاء العالم. ويعد تعطيل الإمدادات الغذائية الحيوية في نظام غذائي مترابط بمثابة سلاح غذائي بصرف النظر عن النية.


إذا تم الحكم على استخدام الغذاء كسلاح من خلال نتائجه وليس اعتماداً على الدوافع المتصورة لمن يقومون بذلك، فإن الدول التي توافق على حظر هذه الممارسة ستخضع لقيود أكبر في كيفية شن الحرب.

 

وإذا كانت النية غامضة، كما هو الحال مع التوظيف الحديث للغذاء كسلاح، فمن الممكن بشكل منطقي إنكارها. ومن أجل فرض قيود مجدية على استخدام الغذاء كسلاح، يجب أن تقترن المعايير القوية ضد هذه الممارسة بقواعد جديدة والتزامات صريحة.


الحجة الموجبة لإبرام معاهدة

 


يحتاج الاعتراض الأخلاقي المطروح منذ مدة طويلة من جانب المجتمع الدولي على التجويع كوسيلة حرب إلى آلية جديدة للتنفيذ والمساءلة، أي معاهدة تحظر استخدام الغذاء كسلاح. وفي الحالة المثالية، ستضم المعاهدة أربعة مواثيق أو اتفاقات.


الأول سيحدد ويحظر استخدام الغذاء كسلاح في الصراع. ويتناول الثاني استخدام قيود التصدير كأداة للإكراه الاقتصادي.

 

وسيعزز الثالث التزام المجتمع الدولي بمنع الأزمات الغذائية. أما الرابع فسيلزم الدول الأعضاء بتمويل مشاريع البحث والتطوير التي من شأنها أن تساعد البلدان في تنويع سلاسل إمداداتها الغذائية والتقليل من إمكان تعرضها لاستخدام الغذاء ضدها كسلاح.


لحماية المدنيين في الصراعات بشكل أفضل، ينبغي أن توضح المعاهدة أنه لا يوجد أي غرض عسكري مشروع للهجمات على الغذاء أو على وسائل إنتاجه.

 

وستنص المعاهدة على أن الأراضي والمرافق التي تستخدم في المقام الأول للإنتاج الزراعي أو التخزين يجب أن تعامل على أنها مناطق منزوعة السلاح. ومن شأن ذلك أن يحمل المقاتلين مسؤولية واضحة عن المؤن الغذائية المدنية في الأراضي التي يسيطرون عليها، والطلب من الأطراف تقديم إسهامات عينية أو مالية كافية تكون بمثابة ثمن لشن الحرب الذي يُدفع لبرنامج الغذاء العالمي -الوكالة التابعة للأمم المتحدة المكلفة بتوفير المساعدات الغذائية في كل أنحاء العالم.


إن التدخل العسكري في التجارة والعقوبات الاقتصادية والسياسة التجارية هي كلها من أشكال استعمال الغذاء العالمي كسلاح، ويتعين على المعاهدة أن تعالج كلاً من هذه الأدوات.


توفر مبادرة حبوب البحر الأسود، وهي اتفاق موقع بين أوكرانيا وروسيا وتركيا لرفع الحصار الروسي موقتاً عن أوكرانيا واستئناف صادرات الحبوب عبر المياه الدولية للبحر الأسود، نموذجاً مفيداً لمنع التدخل العسكري في تجارة المواد الغذائية.


في تموز (يوليو) 2022، أنشأت المبادرة مركز تنسيق مشتركا بين الأطراف الثلاثة والأمم المتحدة من أجل إدارة حركة المرور الآمن لشحنات المواد الغذائية إلى البحر الأسود ومنه وخارجه. وأشرف المركز مباشرة على الشحنات للتأكد من عدم إساءة استخدام المبادرة لخدمة العمليات العسكرية.

 

ومن الممكن أن تؤدي معاهدة تحظر استخدام الغذاء كسلاح إلى إضفاء الطابع المؤسسي على مثل هذا الإطار.

 

وفي حال نشوب حرب، سيُطلب من الأطراف ذات العلاقة إنشاء مراكز تنسيق مشتركة تكون الأمم المتحدة مساهمة فيها، وهي عبارة عن مواقع من شأنها مراقبة تدفق الإمدادات الغذائية إلى مناطق النزاع والتأكد من عدم تغيير وجهات شحنات المواد الغذائية أو تحويلها إلى أموال من قبل المقاتلين أو استغلالها لتهريب الإمدادات العسكرية.

 

ويمكن للعقوبات الاقتصادية أن تكون أيضاً شكلاً من أشكال استخدام الغذاء كسلاح عن قصد أو عن غير قصد.


لقد بذلت الدول الغربية التي فرضت عقوبات على روسيا قصارى جهدها لحماية الإمدادات الغذائية. ومع ذلك، تأثرت أسواق المواد الغذائية بسبب ظاهرة تسمى "الامتثال المفرط"، أو ميل الشركات الخاصة إلى التصرف بمنتهى الحذر بموجب قواعد العقوبات غير الواضحة طلباً للأمان.

 

ومن شأن معاهدة تحظر استخدام الغذاء كسلاح أن تستبعد الغذاء والمدخلات الزراعية المهمة تلقائياً من العقوبات، ولكنها توافر أيضاً مبادئ توجيهية شاملة للتنفيذ لحل مشكلة الامتثال المفرط.


وأخيراً، فإن قيود التصدير المفروضة على موردي الأغذية والأسمدة بالغة الأهمية تشكل خطراً جسيماً ومستمراً على الأمن الغذائي العالمي. وتميل قيود التصدير إلى أن تكون معدية، مما يؤدي إلى تهافت الناس على الشراء وتكديس المواد الغذائية المحلية في عملية تشبه حالة الهلع المصرفي.

 

ونتيجة لذلك، فإن قوة زراعية كبيرة ومعادية تستطيع أن تخنق صادراتها من الإمدادات الغذائية، كما فعل الكرملين، مما يؤدي إلى التضخم وتقلب الأسعار قبل أن تعود من جديد للأسواق العالمية لبيع المواد الغذائية والمدخلات بأسعار باهظة، أو لممارسة ضغوط سياسية على البلدان المستوردة للغذاء التي تستميت للحصول على أسعار معقولة.

 

ولهذا السبب، ينبغي للمعاهدة المتعلقة بتحويل الغذاء إلى أسلحة أن تحظر على البلدان التي تنتج كميات كبيرة من الأغذية والأسمدة فرض قيود على تصدير هذه السلع.


ويجب على أطراف المعاهدة أيضاً أن تعمل على التخفيف من احتمالات تعرض العالم النامي المتزايد لاستخدام الغذاء كسلاح.


إن الأزمات الغذائية الأساس، مثل تلك الناجمة عن جائحة "كوفيد-19" والكوارث المناخية، تجعل بعض البلدان عرضة للاعتماد على الغذاء كسلاح. ولهذا السبب، يتعين على أطراف المعاهدة أن تلتزم بمنع الأزمات الغذائية والاستجابة إليها.

 

وتتلخص إحدى الطرق للقيام بذلك في إلزام الأطراف بتقديم تعهدات مالية إضافية للمؤسسات متعددة الأطراف مثل "برنامج الغذاء العالمي"، بالإضافة إلى إنشاء صندوق جديد للبحوث يهدف إلى تعزيز الإمدادات الغذائية في العالم النامي.


قد يبدو إبرام معاهدة عالمية تحظر استخدام الغذاء كسلاح هدفاً طموحاً للغاية، كما هو حال غالبية المعاهدات قبل أن تتحقق. لكن لكل دولة مصلحة في حظر استعمال الغذاء كسلاح.

 

وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن تحويل الغذاء إلى سلاح في أنحاء العالم يمثل خطراً أمنياً، فضلاً عن كونه تهديداً اقتصادياً، مع احتمال التسبب بالضرر للمزارعين والمستهلكين الأميركيين.


ولدى الصين أيضاً، وهي دولة مستوردة رئيسة للأغذية، مصلحة في تطبيق قيود على استخدام الغذاء كسلاح، ويمكن أن تكون شريكاً مهماً في الترويج للمعاهدة.

 

وكانت البلدان النامية هي الأكثر تضرراً من تحويل الغذاء إلى سلاح، ولديها أسباب وجيهة لدعم معاهدة من شأنها أن تقيد القوى الأكبر.

 

وإذا رفضت القوى الرئيسة، مثل روسيا، المشاركة، فمن الممكن أن يتفق موقعو المعاهدة على فرض عقوبات جماعية على الدول غير الموقعة التي تنتهك مبادئها، مما يؤدي إلى إضفاء طابع عالمي على جوانب المعاهدة -حتى وإن لم يصادق عليها عالمياً.


أدى الاعتماد العالمي المتبادل في مجال الغذاء إلى تضخيم أخطار استخدام الغذاء كسلاح بما يتجاوز مسارح الحرب المباشرة. وتخلق هذه الأخطار الجديدة مسؤوليات جديدة.

 

وإذا ما تُرك ليعمل من دون عوائق، فقد يؤدي استخدام الغذاء كسلاح إلى ظهور عالم أكثر جوعاً وعنفاً. وعلى الرغم من أن ذكرى الحرب ما تزال طازجة، فإنه يتعين على زعماء العالم أن يجعلوا تحويل الغذاء إلى سلاح غير ممكن على الإطلاق.


 *   *   *
المؤلفون:


*زاك هيلدر: طالب دراسات عليا في كلية برينستون للشؤون العامة والدولية. عمل كمستشار أول لسياسة الأغذية والزراعة في مجلس النواب الأميركي.


*مايك إسبي: وزير الزراعة الأميركي سابقاً وعضو سابق في مجلس النواب الأميركي عن المنطقة الثانية في ولاية ميسيسبي، وهو زميل مبادرة القيادة المتقدمة للعام 2024 في "جامعة هارفارد".


*دان غليكمان: وزير الزراعة الأميركي سابقاً وعضو سابق في مجلس النواب الأميركي عن المنطقة الرابعة في كانساس، وهو زميل أول في مركز السياسات الحزبية.


*مايك يوهانس: عضو مجلس الشيوخ الأميركي السابق عن ولاية نبراسكا ووزير زراعة أميركي سابق.


*ديفري باونر فورويرك: الرئيسة التنفيذية لشركة "ديفري بي في"  للاستراتيجيات المستدامة. شغلت منصب الرئيس العالمي لشؤون الشركات في "شركة كارغيل"، كما عملت خبيرة اقتصادية رئيسة لدى رئيس لجنة التجارة الدولية الأميركية.


أعدت هذه المقالة مجموعة عمل ضمت أيضاً إرثارين كوزين؛ وجوزيف غلوبر؛ وفيل كارستينغ؛ وج. جون إيكنبيري؛ وإيميلي هولاند وميغيل سينتينو. الترجمة العربية لصحيفة "إندبندنت عربية" ونشرت بتاريخ 1 نيسان (أبريل) 2024.

 

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

 

دور الحرب الأوكرانية في تفاقم انعدام الأمن الغذائي العالمي