الإسلام وأضرحته وأولياؤه الصالحون في مالي

مسجد جنغاريبر في مالي - (أرشيفية)
مسجد جنغاريبر في مالي - (أرشيفية)

جوليان لوازو – (لوموند) 11/7/2012

ترجمة: مدني قصري

 

التدمير المستمر للمقامات الدينية التي يبجلها المسلمون في تمبكتو، تحت ضربات فؤوس ومعاول السلفيين التابعين لجماعة أنصار الدين، يثير سخط الرأي العام الدولي بحق، أو على الأقل سخط الهيئات التي تتحدث باسمه، مثل المحكمة الجنائية الدولية واليونسكو. ومن الخطأ أن لا نرى في هذه الأعمال استفزازاً لأولئك الذين يسعون -في باماكو، أو باريس- إلى حماية النماذج النادرة من ماضي القرون الوسطى في مالي. وما يجري حاليا في تمبكتو ليس مجرد مواجهة بين وسائل الإعلام وبين إرادة التدمير وإرادة التمسك بهذه المقامات، أو ما بين الذاكرة وفقدان الذاكرة والتراث، وإنما هي الحلقة الأخيرة في سلسلة صراع مذهبي قديم قِدم الإسلام نفسه. ويظهر رد فعل المملكة المغربية التي ظلت حتى الآن صامتة حول الأزمة في مالي، والتي تستنجد اليوم بالأمم المتحدة في هذا الشأن، يُظهر مدى القلق الذي تثيره الأحداث في بلد معروف بإسلامه التقليدي، وهذا المساس الجذري بالتقاليد وبالسلطة في المجال الديني. فكيف يمكن أن نفسر إذن ما يحدث من تدمير، باسم الإسلام، لآثار مقدسة يبجلها مسلمون آخرون أيضا؟
ثمة سوابق مؤكدة لأحداث تمبكتو. ففي ليبيا، وفي خضم الحرب الأهلية التي أدت إلى سقوط القذافي، لم تكتف الميليشيات السلفية  بتدنيس أضرحة المقابر العسكرية للحرب العالمية الثانية وحسب، بل انها قامت أيضا بتدمير عدة أضرحة لأولياء مسلمين بواسطة الصواريخ. وفي اليمن، في العام 1994، تعرضت أضرحة، ومنها قبر "العيدروس" في عدن الذي يُعتبر ولي الله الأول في المدينة، والمقبرة المحيطة بالقبر، والتي يعود تاريخ إنشائها إلى القرن السادس عشر، تعرضت للهجوم بالقنابل اليدوية والجرّافات. وإذا عدنا إلى ما قبل العام 1805-1806، أثناء فتح مكة المكرمة والمدينة المنورة والمدن المقدسة في الإسلام، فسنكتشف أن مسلمين قاموا بتدمير القباب التي أقيمت على قبور خديجة، زوجة النبي محمد -عليه السلام- الأولى، وحفيديه الحسن والحسين. وإذا كان ضريح النبي محمد نفسه قد نجا من ذلك العبث، فإن الكنوز التي تراكمت على مدى القرون بفضل تبرعات المؤمنين عند الحجرة الشريفة التي دفن فيها الرسول عليه السلام قد نهبت كاملة. وتندرج حركة سلفيي "أنصار الدين" في سياق تيار مذهبي أهم ممثليه وأكثرهم نشاطا هم الوهابيون (الذين ما يزال بعضهم يطالب بإزالة الحجرة الشريفة في المدينة المنورة)، علما بأن شيوخهم قدماء قدم ابن تيمية (1263-1328)، وابن حنبل (780-855).
إذا كان منظرو الإسلام المتشدد الأكثر تزمتا يعاملون الأضرحة على هذا النحو، فإنهم يبررون ذلك بالانصياع لأوامر الدين، وتنفيذاً لفكرة "تسطيح القبور" التي يجب أن تكون متواضعة ومحتشمة ومجهولة الهوية. لكن الذي يهدفون إليه يذهب أبعد من مجرد تنفيذ توصيات بعض الفقهاء في مسائل أحكام الدفن.
في تاريخ الإسلام الطويل، كان ظهور الأضرحة (التي يعود تاريخ أقدمها إلى القرن التاسع، أي بعد مرور قرنين على وفاة النبي) مرتبطا ارتباطا وثيقا بالتفاني في حب "أولياء الله"، وينطوي بالتأكيد على "تبجيل الأولياء". وهكذا، كانت الخشية من أن يختلط التوحيد في الإسلام الخالص بالمذاهب المبتدعة، والخوف من رؤية المؤمنين وهم يشركون بالله أسماء أخرى، ويلجأون إلى وساطة بشر عاديين للتقرب من الله على طريقة المسيحيين، كانت هي التي بررت وجوب تدمير هذه الأضرحة المقدسة في نظر السلفيين. إن التبرك بأولياء الله الذي يوصف بالخرافة والوثنية وبالورع الذي لا يصلح إلا مع العقوق الضعيفة، ومع النساء والأطفال، أمر لم يعد له من مدافع اليوم، في زمن يمارَس فيه إرهاب ثقافي حقيقي على القنوات الفضائية العربية المدعومة من قبل الحركة الوهابية.
هكذا نلاحظ أن جزءا كاملا من تاريخ الإسلام، يختفي اليوم تحت أعيننا، حتى وإن أعيد ذات يوم بناء الأضرحة في تمبكتو. إن فقدان هذه الأضرحة أمر  يمكن علاجه: أسماؤها ومواقعها فقط قديمة، أما جدرانها الطينية فقد تم ترميمها وإعادة بنائها باستمرار منذ العصور الوسطى. ومع ذلك فإن السلفيين قد ينجحون في حرب محو الذاكرة وتطهيرها إذا لم يعمل المعنيون على رد الاعتبار لأولياء الله وتاريخهم، في تمبكتو، وفي غير تمبكتو.
فمنذ قرون طويلة بالفعل والقرى، من المغرب إلى الأناضول، مرورا بوادي النيل، إلى مفترق الطرق، وإلى مواقع الأسواق، وأبواب المدن التي أودعت فيها حضارة الإسلام أثمن ما تملك (العلم والتجارة)، وأولياء الله ساهرون على شؤون الأحياء. فسواء كانوا من نسل النبي عليه السلام، أو من أصول متواضعة، أو علماء صاروا أسيادا ضالعين في العلوم المنطقية أو الصوفية التي احتوتها العلوم الباطنية، أو كانوا مطببين، مسالمين أو عدوانيين، رجالا أو نساء (أمثال السيدة زينب، ورقية، ونفيسة، "سيدات" القاهرة) فقد رافق "أولياءُ الله" الناس في أفراحهم وأحزانهم، وفي أعيادهم ومأتمهم. فمن خلال معاملاتهم وتعليمهم، ومن خلال المذهب الذي علموه أشاعوه لعب أولياء الإسلام دورا رائدا في جلب الناس إلى الإسلام. فأسماؤهم ما تزال تملأ الأماكن، وما تزال تملأ تواريخ ميلادهم، (الموالد).
إن تدنيس الأضرحة التي يأتي الناس عن طيب خاطر ليتبركوا بها ويدَعُوا فيها دعوات مكتوبة على قطعة من الورق، أو في وشاح معقود، أو يضعون فيها صدقات، قد يكون بمثابة خطوة جديدة في تكريس خيبة الأمل عند المجتمعات المسلمة المعاصرة. لكن التدمير الذي يجري في تمبكتو في الوقت الحالي هو في المقام الأول تقويض جذري لنماذج السلطة التقليدية في الإسلام. ففي حال غياب هيئة دينية قائمة بذاتها (إذا وضعنا جانبا التشيع الإيراني) فإن المعرفة الموروثة عن سلالة المعلمين هي التي تؤسس لسلطة الرجال الذين توكل إليهم المجتمعات المسلمة رعاية الشؤون الدينية. فعلى غرار ما تتعرض له المخطوطات المحفوظة في مكتبات خاصة تقف الأضرحة المبجلة في تمبكتو شاهدة على سلطة التقاليد التي يشهد تأثيرها القوي على قِدم تاريخها الطويل. فمن خلال تدمير المعالم المقدسة لا يملك السلفيون (وهو الذين يتمسكون حرفيا بتعاليم الشيوخ القدماء) نيّة أخرى غير نية إلغاء الماضي ومحو آثاره. إنها الأسطورة التي تعمل اليوم ضد التاريخ!

اضافة اعلان


نشر هذا المقال تحت عنوان:
L'islam, ses tombeaux et ses saints au Mali

[email protected]