الإنترنت ضد الديمقراطية

ستيفن س. روتش* قِـيل الكثير، وبحق، عن التمرد العنيف في مبنى الكونجرس الأميركي في كابيتول هِــل في السادس من كانون الثاني (يناير). والآن يخوض الساسة في جدال محتدم حول قضايا ترتبط بالمساءلة القانونية والأخلاقية. لكن هذه الأحداث المروعة تمس أيضا تناقضا خطيرا يعيب المجتمعات الحديثة: الدور الذي تلعبه شبكة الإنترنت كأداة لتدمير الديمقراطية. لم يكن من المفترض أن تؤول الأمور إلى هذه الحال. كانت البنية المفتوحة للإنترنت موضع إشادة لفترة طويلة من قِـبَـل أصحاب النظرة المستقبلية من أنصار التحرر السيبراني (الإلكتروني) باعتبارها قوة عاتية جديدة لتمكين الديمقراطية. فالمعلومات مجانية ومتاحة على الفور ــ والجميع قادرون الآن على التصويت بنقرة واحدة. تكمن المشكلة بطبيعة الحال في حوكمة الإنترنت ــ أو على وجه التحديد غياب القواعد. فحتى في حين نمجد فضائل العالَـم الرقمي، ناهيك عن دفع عجلة التحول الرقمي خلال جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد19)، بات من المستحيل تجاهل الجانب المظلم. أدى النموذج الغربي القائم على التواصل المفتوح إلى ظهور منصات لتجارة العقاقير غير القانونية، والمواد الإباحية، واستغلال الأطفال جنسيا. كما عمل على تغذية التطرف السياسي، والاستقطاب الاجتماعي، والآن محاولات التمرد. يقدم لنا النموذج الصيني تناقضا صارخا. فلا تكتفي الدولة (أو الحزب الشيوعي) بتقييد الخطاب العام، بل إنها تحابي المراقبة على حساب الخصوصية. لكن الازدراء طريقة جيدة ــ بعبارة ملطفة ــ لوصف ردة فعل معظم الأميركيين إزاء الهجوم المميت على مبنى الكونجرس الأميركي. الواقع أن التعبئة الاجتماعية والسياسية التي مكنتها الإنترنت أصبحت توجه ضرباتها الآن إلى قلب أميركا. أخذت المنصات الرقمية في الولايات المتحدة زمام الأمور بيدها، فتجاوزت خطا كان مقدسا في السابق، بإغلاق حسابات رئيس العصيان دونالد ترامب. بيد أن ردة الفعل الوحيدة من نوعها هذه لا تصلح بديلا للحوكمة. من المفهوم أن تكون المخاوف والشكوك عظيمة حول ائتمان قادة الشركات على المهمة الأساسية المتمثلة في حماية الديمقراطية. لكن هذا ليس الخط الوحيد الذي جرى تجاوزه في الولايات المتحدة. تقدم لنا أزمة كوفيد19 منظورا آخر للمراقبة والخصوصية. فهنا أيضا تحدد الصين والولايات المتحدة طرفا المناقشة. تشدد استجابة الصين لأول علامة تدل على اندلاع أي فاشية مَـرَضية ــ بما في ذلك الفاشية الحالية في مقاطعة خبي ــ على عمليات الإغلاق الصارمة، والاختبار الإلزامي، وارتداء أقنعة الوجه، وتتبع المخالطين باستخدام تطبيق QR-code. في الولايات المتحدة تشكل كل هذه الأمور مسألة جدال سياسي حاد، وينظر إليها كثيرون باعتبارها انتهاكات غير مقبولة في مجتمع حر ومفتوح. يشير استطلاع حديث أجراه مركز بيو للبحوث، ما يزال 40 % إلى 50 % من الجمهور الأميركي يقاومون الانضباط في الممارسات القائمة على العِـلم مثل تتبع المخالطين باستخدام الأجهزة المحمولة والتعامل مع مسؤولي الصحة العامة. أضف إلى هذا المعارضة القوية للقاحات فيتبين لك السبب وراء الاعتقاد بأن مبادئ الحرية الديمقراطية الأساسية تُـشَـوّه لاستخدامها كذريعة لتجاهل مخاطر كوفيد 19. سواء شئنا الاعتراف بذلك أو أبينا، فإن تطلعات وقيم ما يسمى "التفسير الأصلي للديمقراطية الأميركية" أصبحت موضع طعن على نحو غير مسبوق. في خطابه الأخير كرئيس، حذر باراك أوباما من أن "ديمقراطيتنا تصبح مهددة كلما تعاملنا معها على أنها أمر مسلم به". ومع ذلك، أليس هذا ما كانت أميركا تفعله على وجه التحديد؟ خلال عقد تخللته الأزمة المالية العالمية، وأزمة كوفيد19، وأزمة العدالة العرقية، وأزمة التفاوت بين الناس، والآن الأزمة السياسية، لم نفعل سوى التشدق بالمثل الديمقراطية السامية. من المحزن أن هذا التراخي القائم على الرضا عن الذات يأتي في وقت يتسم بتزايد هشاشة التجربة الأميركية. إذ يعمل التواصل الذي مكنته شبكة الإنترنت على تضخيم الخطاب الوطني المتزايد الاستقطاب بشكل خطير في عصر حيث تتفاقم حالة عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي. وفي السادس من يناير تجلى الضعف الناتج عن ذلك بوضوح شديد إلى حد الإيلام. لقد أصبحت رعاية الديمقراطية عُـرضة لخطر جسيم. *ستيفن س. روتش عضو هيئة التدريس في جامعة يال، ورئيس مورجان ستانلي آسيا سابقا، وهو مؤلف كتاب "علاقة غير متوازنة: الاتكالية المتبادلة بين أميركا والصين". حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت.اضافة اعلان