الاتحاد الأوروبي شريك رئيسي لبلدان الربيع العربي

مشاركون في أحد لقاءات الشراكة الأورو-متوسطية - (أرشيفية)
مشاركون في أحد لقاءات الشراكة الأورو-متوسطية - (أرشيفية)

راكيل ألفاريس، وريتشارد يونغز*– (لوموند ) 2012 /11/12

 ترجمة: مدني قصري

يدخل الربيع العربي اليوم مرحلة بالغة الحرج. وتبيّن توتراتُ وهجمات واحتجاجات الأسابيع الأخيرة إلى أي مدى يظل الوضع السياسي هشاً في الشرق الأوسط. ومن المغري، بالنظر إلى هذه الأحداث غير المشجعة، المغامرة باستنتاج أن الدول الغربية يجب أن لا تتورط وأن تنسحب، وأن تتوقف عن دعم الربيع العربي. لكننا نكتشف في الواقع أن الأحداث المأساوية والعنيفة التي هزت ليبيا ومصر وبلداناً أخرى في أيلول (سبتمبر) الماضي، إنما تحثنا على عمل العكس تماما: يجب على أوروبا أن تصبح أكثر تشاركا وتفاعلا، وأكثر استراتيجية في تعاملها مع عمليات الإصلاح الجارية في الشرق الأوسط.
سوف يكون لسلوك بقية العالم تأثير حاسم على المسار السياسي الذي سيتخذه الإصلاح في البلدان العربية، وسوف يسهم في تحديد وضع هذه البلدان خلال السنوات المقبلة.
ولحد الآن، تفاعل الاتحاد الأوروبي بإيجابية مع التطورات السياسية في الشرق الأوسط، لكن عليه الآن أن يبلور رؤية استراتيجية طويلة الأمد للمنطقة. وسوف يحدد الشكلَ الذي سيمنحه لهذه الرؤية حجم وطبيعة نفوذه في المنطقة، وفيما وراءها أيضاً.
وما يزال ردُّ فعل أوروبا إزاء الأحداث حتى هذا اليوم، يستحق كل الثناء في كثير من النواحي. فقد دعمت أوروبا الديمقراطية العربية، وعملت بشكل أو بآخر على أن يكون السكان المحليون هم المحرك لعملية الإصلاح. كما أكدت ضرورة أن تؤخذ في الاعتبار وجهاتُ نظر الإصلاحيين العرب. وكانت أيضاً قادرة على أن توفر موارد جديدة جد ضرورية، على الرغم من الأزمة الاقتصادية التي تواجهها. ولا بد من القول بأن هناك ثمناً حتمياً للاستجابة للضغوط الشعبية من أجل تعزيز الحكم الديمقراطي، والالتزام بالمساءلة، ووضْع دساتير جديدة، وإجراء انتخابات.
وبعد هذا الرد التكتيكي الأولي، يتعين على أوروبا، منذ الآن، أن تمضي قُدماً إلى الأمام، وأن تقوم بوضع استراتيجية تعكس الواقع الجديد، وتسهم في إعادة تشكيل علاقاتها مع البلدان العربية وبقية دول العالم. ويتعين على أوروبا على وجه الخصوص أن تحدد خطًا سلوكياً جديداً من أجل بناء صلات مع الجيل الجديد من الديمقراطيات الجديدة المنتخبة قياداتها ديمقراطياً.
أوّلا، ما يزال الاتحاد الأوروبي في بداية الحوار على المستوى السياسي الحقيقي مع القوى الجديدة في المنطقة. فللمرة الأولى في التاريخ الحديث، بات من الممكن الدخول في حوار حقيقي مع حكومات شرعية منتخبة ديمقراطياً هناك.
وعلى مدى عقود من الزمن، كانت أوروبا والولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي هي الدول الوحيدة التي لعبت دورا في المنطقة، لكن الأزمة الاقتصادية التي تواجه هذه البلدان، والثورات الجارية في المنطقة، تفرض اليوم إعادة توزيع أوراق اللعبة ما بين الأطراف الدولية الفاعلة. وفي الفترة الأخيرة، صارت تركيا أكثر فاعلية وتأثيرا، وشاركت دول قطر والإمارات العربية المتحدة في التدخل العسكري الذي قاده حلف شمال الأطلسي في ليبيا. ثم إن دول الخليج توظف اليوم مبالغ كبيرة في شمال أفريقيا. وتحاول الصين وقوى آسيوية أخرى في السر أن تحصل على نصيبها من النفوذ على مجرى الأحداث.
وهكذا، يكون التحدي الحقيقي الذي يواجه أوروبا هو خلق صلات من الثقة مع الأحزاب الإسلامية المحلية، على أساس المبادئ والمصالح المشتركة. وخلال الاثني عشر شهراً الماضية، أصبحت هذه الأحزاب قوى سياسية رئيسية في داخل الحكومة أو المعارضة، في إحدى عشرة دولة في المنطقة.
وبعد ذلك يَعِدُ الإطارُ السياسي الجديد بقلب التوازن الهش في العلاقات ما بين دول الشرق الأوسط. فالربيع العربي الذي لم يتسع بنفس القدر في كل البلدان، سوف يؤثر على توازن القوى في المغرب العربي وفي المشرق على السواء. وسوف تُفاقم النتائجُ المتباينة التنافس المعروف بين بلدان الخليج وإيران. وسوف تتنافس العربة السعودية ومصر، كل من جانبها، على الهيمنة في المنطقة، من منطلق مساراتهما السياسية المختلفة. ويحدث كل هذا في الوقت الذي تتفاقم فيه التوترات بين الشيعة والسنة.
على هذه الخلفية، سوف تُغير الديمقراطية الكيفية التي تتم بها معالجة القضايا المطروحة، مثل قضية عدم انتشار الأسلحة النووية، أو الصراع العربي الإسرائيلي. وفي هذا السياق، سوف يكون للمنظمات القائمة، مثل الاتحاد من أجل المتوسط، دورٌ مهم لتلعبه، ولكن هذه المنظمات غير مهيأة الآن لمواجهة التحديات الجديدة، ولذلك يتعين عليها أن تُخضع نفسَها لإصلاحات معمقة.
وأخيراً، يتعين على أوروبا أن لا تخشى من طرح القضايا المهمة، مثل التجارة والطاقة، والتنقل، والأمن، والقطاع الخاص، وحتى الزراعة. ولن يصمد أي إصلاح سياسي ويستمر في ظل غياب برنامج اجتماعي واقتصادي يرمي إلى تنشيط الاستثمار وخلق فرص العمل في المنطقة. ومنذ بداية الثورات، ما انفكت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المنطقة تشهد تراجعا حادا، يقابلها ارتفاع في نسبة البطالة بين الشباب. ولذلك، ينبغي أن يُطرح هذا البرنامجُ الاقتصادي على أعلى مستوى سياسي، ويمكن تعزيزه من خلال أنشطة فرق العمل، كما يتوقع أن يكون عليه الحال، على سبيل المثال، في اجتماع فريق العمل في القاهرة، يومي 13 و14 من شهر كانون الأول (ديسمبر) المقبل. وفي هذا اللقاء، ستلعب الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون، دورا رئيسيا في هذا الصدد.
لا شك في أن نجاح الإصلاحات الاقتصادية يكتسب أهمية لا يمكن الاستهانة بها. فمن خلال دمج أسواقها وتطويرها، تستطيع بلدان شمال أفريقيا وأوروبا أن تتصدى لمنافسة مناطق أكثر حيوية، مثل آسيا والأميركيتين، وأن تسعى إلى بناء استقرار المستقبل على أساس متين.
إن ما ينتظر أوروبا في نهاية المطاف ليس أقل من إعادة تشكيل كامل لعلاقاتها السياسية مع الشرق الأوسط. وبالنظر إلى حجم التحديات التي تجب مواجهتها، فإن استجابة الاتحاد الأوروبي –الذي يملك موارد محدودة من الحوافز المادية في مواجهة بيئة أكثر تنوعاً وتطوراً من ذي قبل- لا ينبغي أن تقتصر على جهود تعزيز سياسة الجوار الأوروبية، أو سياسة الاتحاد من أجل المتوسط وحدها. وكانت كل هذه المبادرات حتى هذه اللحظة وراء قيام أعمال مفيدة، لكنها كانت في الأساس أعمالاً أنجزت على المستوى الفني ليس إلا. ولكي يصبح الاتحاد الأوروبي شريكاً رئيسياً في المنطقة، فإن من الضروري أن يتحلى برؤية أكثر وضوحا للعلاقات التي يرغب في إقامتها وتوطيدها مع الشرق الأوسط، في عشرة أو عشرين عاماً قادمة، وأن يتقدم في هذا الطريق وفقاً لنهج جريء وأكثر سياسِيّةً من أي وقت مضى.

*ألفاريس: عالم سياسي، ويونغز: مدير مختبر الأفكار "فرايد"
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 L'UE est un partenaireclé pour les pays du printempsarabe

اضافة اعلان

[email protected]