الانتخابات الأميركية والصلة الأوكرانية

صامويل شارب، وتيموثي كولتون*

واشنطن، العاصمة- الآن أصبح دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة رسمياً، ولكن التساؤلات حول تدخل روسيا في الانتخابات لن تذهب. غير أن سؤالاً أساسياً واحداً كثيراً ما يتوه في المعمعة: لماذا فعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتن ذلك؟اضافة اعلان
بطبيعة الحال، ليس من الصعب أن نخمن لماذا فَضَّل بوتن الرئيس ترامب على منافسته وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون. ولكن هناك فارقاً بين الأمل في نتيجة بعينها وبين بذل جهود عظيمة -وتحمل مخاطر كبيرة- للمساعدة في تحقيق هذه النتيجة. من منظورنا، لم يكن الاستنتاج الذي توصلت إليه وكالات الاستخبارات الأميركية بأن الكرملين كان يسعى بمساعدة ترامب إلى تحقيق "رغبته القديمة في تقويض النظام الديمقراطي الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة" مقنعاً على الإطلاق.
كان تدخل روسيا في انتخابات الولايات المتحدة غير مسبوق. وما كان أحد ليتصور مثل هذا التدخل قبل ثلاث سنوات فقط: فرغم أن علاقات الغرب مع روسيا كانت بعيدة تماماً عن المثالية، ولم تخل من الكثير من أوجه المنافسة، فإنها كانت تتسم أيضاً بالتعاون. ففي حزيران (يونيو) 2013، أصدر بوتن والرئيس الأميركي باراك أوباما بيانا أكَّد مجدداً "استعدادهما لتكثيف التعاون الثنائي على أساس مبادئ الاحترام المتبادل، والمساواة، والاحترام الحقيقي لمصالح الطرف الآخر".
ثم تغير كل شيء في شباط (فبراير) 2014، عندما تُوِّجَت ثورة الميدان في أوكرانيا بالإطاحة بالرئيس الموالي للكرملين فيكتور يانوكوفيتش. فكان ذلك التطور -واستجابة بوتن له- سبباً في تحويل علاقة الغرب مع روسيا جوهرياً.
بمجرد تغير السلطة تقريباً في كييف، أصبح موقف السياسة الخارجية في الكرملين أكثر ميلاً إلى القتال، فأقدمت روسيا على غزو شبه جزيرة القرم وضمها، ثم بدأت بدعم التمرد الانفصالي الساحق في إقليم دونباس في أوكرانيا. وردَّت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات متزايدة القسوة والتطور، فضلاً عن شن حملة أوسع تهدف إلى "عزل" روسيا دبلوماسياً.
ثم امتد سلوك روسيا العدواني إلى السماء، فدخلت في عدد من المواجهات القريبة بين طائرات حربية روسية وطائرات غربية (مدنية وعسكرية)؛ وإلى البحر، فصعدت نشاط غواصاتها في شمال المحيط الأطلسي إلى مستويات عصر الحرب الباردة. ووفقاً لإدارة أوباما، تصاعدت المضايقات للموظفين الدبلوماسيين الأميركيين في روسيا.
وعلى الجبهة السياسية، بدأ الكرملين بدعم القوى المتشككة في أوروبا والمناهضة للاتحاد الأوروبي. كما انحرف عن مساره في محاولة لإحباط الجهود الغربية في مواجهة تحديات دولية كبرى، أبرزها الحرب الأهلية السورية. وكان مصير الاتفاقيات التي ظلت سارية لفترة طويلة بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن الأمن النووي ومنع الانتشار النبذ الغاضب. وبلغ كل هذا ذروته في التسريب الروسي المزعوم لرسائل البريد الإلكتروني المخترقة بهدف تقويض حملة هيلاري كلينتون.
في حين تتناسب جهود روسيا للتدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية مع النمط الأوسع للتصعيد، والذي بدأ بعد العام 2014، فإنها تظل تمثل تغيراً متدرجاً. ربما اخترقت روسيا الحملتين الديمقراطية والجمهورية في الانتخابات الرئاسية في العام 2012 أيضا، نظراً لقدراتها السيبرانية الهائلة. ولكن وكالات المخابرات الروسية قامت بهدوء بتحليل المعلومات، في محاولة لتحسين فهمها للخصوم من قادة المستقبل المحتملين -وهو ليس بالسلوك الصادِم لحكومة كحكومة روسيا.
كما شكل التدخل في الانتخابات خطورة كبيرة على روسيا. ففي حين كان مدى تأثير رسائل البريد الإلكتروني المسربة على التصويت غير معلوم، فمن المؤكد أن الكرملين دفع ثمن تصرفاته، بتأليب أغلب الرأي العام الأميركي ضده، فضلاً عن كل النخبة السياسية الأميركية تقريباً.
كان إصرار الكرملين على فرض إرادته في أوكرانيا هو الذي دفعه إلى خوض مثل هذه المجازفة. وكما يشير سلوكه منذ العام 2014، فإن الحكومة الروسية تعتبر الوضع الراهن بعد الثورة في أوكرانيا -وخاصة اندفاعها المتهور نحو الغرب- تهديداً مباشراً للأمن القومي الروسي. ومن خلال ضم شبه جزيرة القرم، ودعم الانفصاليين في إقليم دونباس، وشن حملة شديدة على الغرب بشكل مباشر، تريد روسيا أن تجعل من الواضح أنها لن تدخر جهداً لحمل الجميع على وضع مصالحها في الحسبان.
ولكن الغرب لم يتعاون. فعلى الرغم من تصعيد الكرملين، رفضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الإذعان للتفاوض الذي تريده روسيا، وواصلا دعمهما لدمج أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. وعلى الرغم من أن التقدم بطلب رسمي للالتحاق بعضوية أي من المنظمتين يظل احتمالاً بعيداً في أفضل تقدير، فإنه لم يُستَبعَد.
بعد أن بات من الواضح أن صناع السياسة في الغرب لن يتنازلوا، يبدو أن الكرملين قرر محاولة تغييرهم. وفي ضوء التزام روسيا الراسخ بالحفاظ على نفوذها في أوكرانيا، فربما يكون التوصل إلى تسوية شاملة هناك ضرورياً لمنع الكرملين من ملاحقة خيارات متزايدة العدوانية لتأكيد موقفه.
لا ينبغي لإدراك هذا الواقع غير المريح أن يدفع الغرب إلى الاستسلام لروسيا. بل ينبغي له بدلاً من ذلك أن يعمل على تعزيز الحجة لصالح الحوار المفتوح والمفاوضات الصعبة وهو على وجه التحديد ما كان مفقوداً في السياسة الغربية في التعامل مع أزمة أوكرانيا ومجمل المنطقة الأوراسية بعد انهيارالاتحاد السوفياتي. وقد بلغنا هذه النقطة بسبب إهدار روسيا والغرب أكثر من عشرسنوات في السعي إلى الحصول على مزايا أحادية الجانب ونبذ التسويات التفاوضية.
سوف يتطلب إجراء محادثات في ظل الأجواء الحالية من انعدام الثقة وتبادل الاتهامات وتأجيج المخاوف استثماراً كبيراً في رأس المال السياسي لفترة طويلة. وسوف يستغرق تجاوز أساليب الخصومة الحالية بحثاً عن أرض مشتركة بعض الوقت. ولن يكون في الإمكان إبرام اتفاق سريع.
كما يتبين لنا بوضوح من التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية، فإن العواقب المترتبة على السماح لأزمة أوكرانيا بالاستمرار تمتد إلى ما هو أبعد من حدود البلاد. ومن أجل إيجاد توازن جديد مستقر في العلاقات بين روسيا والغرب، يتعين على الأطراف كافة أن تبذل بشكل عاجل جهداً صادقاً لحلها.

*صامويل شارب: زميل رفيع في روسيا وأوراسيا في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية. وهو مؤلف مشارك في كتاب: "الجميع خاسرون: الأزمة الأوكرانية والتنافس المدمر على أوراسيا ما بعد السوفياتية". تيموثي كولتون: أستاذ الحكم والدراسات الروسية في جامعة هارفارد. المؤلف المشارك لكتاب "الجميع خاسرون: الأزمة الأوكرانية والتنافس المدمر على أوراسيا ما بعد السوفياتية".
*خاص بـ"_"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".