‏التراجع المدهش في قيادة الشمال العالمي‏

مجموعة من قادة أوروبا على هامش قمة للاتحاد الأوروبي – (أرشيفية) ‏
مجموعة من قادة أوروبا على هامش قمة للاتحاد الأوروبي – (أرشيفية) ‏

فيجاي براشاد‏* - (غلوب تروتر) 5/3/2024
‏مجموعة من الشباب في باريس يستمتعون بمشروب في مقهى في أمسية دافئة في غير موسم الدفء. وينجرف الحديث إلى السياسة، ولكن -كما تقول إحدى الشابات- "دعونا لا نتحدث عن فرنسا". ويومئ الآخرون بالموافقة.

اضافة اعلان

 

يركزون على الانتخابات الرئاسية الأميركية، ويظهر نوع الغطرسة التي تميز أهل بلاد الغال بينما يسخرون من شبه اليقين من أن المرشحين الرئيسيين سيكونان الرئيس الحالي جو بايدن والرئيس السابق دونالد ترامب.

 

ويبلغ بايدن من العمر 81 عامًا وترامب 77 عامًا. ‏‏ووصف ‏‏مستشار خاص في الولايات المتحدة بايدن بأنه "رجل مسن ذو ذاكرة ضعيفة"، وهي بالكاد الكلمات المطلوبة لإلهام الثقة في الرئيس. وفي محاولة للدفاع عن نفسه، ارتكب بايدن نوعًا من زلة اللسان التي أصبحت مادة دسمة لـ"الميمات" عبر الإنترنت، وأكدت التقرير الذي كان يحاول دحضه: ‏‏وصَف‏‏ الرئيسَ المصري عبد الفتاح السيسي بأنه "رئيس المكسيك".

 

وفي الوقت نفسه، لا حاجة إلى أدلة جديدة للتندر بترشيح ترامب. "هل هذا هو أفضل ما يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة؟" تسأل كلودين، الطالبة الشابة في جامعة باريسية مرموقة.‏


‏تدرك هذه المجموعة من الشباب بما يكفي أن ما يبدو هزليا على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي -الانتخابات الرئاسية الأميركية- ليس أقل سخافة، وبالطبع ليس أقل خطورة، مما يحدث في أوروبا. وعندما أسألهم عن رأيهم في القادة الأوروبيين الرئيسيين -أولاف شولتس في ألمانيا؛ وإيمانويل ماكرون في فرنسا- يهزون أكتافهم، وتدخل كلمتا "بُلهاء" و"نكرات" في المناقشة. بالقرب من متنزه "ليس هاليس"، كان هؤلاء الشباب يشاركون للتو في مظاهرة تطالب بإنهاء القصف الإسرائيلي لمدينة رفح الفلسطينية في غزة.

 

"رفح بمساحة مطار هيثرو"، يقول طالب شاب من إنجلترا يقضي العام 2024 في فرنسا. وحقيقة عدم تحدث أي من القادة الأوروبيين بوضوح عن الموت والدمار في غزة تزعجهم، ويقولون إنهم ليسوا وحدهم في هذه المشاعر. ثمة العديد من زملائهم الطلاب الذين يشعرون بالطريقة نفسها.‏


‏تنخفض معدلات الموافقة الشعبية على شولتس وماكرون مع كل أسبوع. ولا يعتقد الجمهور الألماني ولا الفرنسي أن هؤلاء الرجال قادرون على عكس وجهة التدهور الاقتصادي أو وقف الحروب في غزة أو أوكرانيا.

 

وتشعر كلودين بالاستياء من أن حكومات الشمال العالمي قررت قطع تمويلها لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، على الرغم من أن شابا آخر، عمر، يتدخل ليقول إن الرئيس البرازيلي لولا ‏‏قال إن‏‏ بلاده ستتبرع بالمال للوكالة. ويومئ الجميع برؤوسهم موافقين.


‏بعد أسبوع، وردت أنباء تفيد بأن جنديا شابا في سلاح الجو الأميركي -آرون بوشنيل- قرر أن ينهي حياته، وقال إنه لن يكون متواطئًا بعد الآن في الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين. وعندما سُئلَت عن وفاة بوشنيل، ‏‏قالت‏‏ السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض، كارين جان بيير، إن الرئيس "على علم" بما جرى، وإن هذه كانت "مأساة مروعة".

 

ولكن لم يكن هناك بيان حول سبب انتحار الشاب، ولا شيء لتهدئة الجمهور المتوتر بشأن الآثار المترتبة على هذا الفعل.‏


‏وقال‏‏ الرئيس الأميركي جو بايدن وهو يتناول المثلجات في نيويورك إنه يأمل أن يكون هناك وقف لإطلاق النار "بحلول بداية عطلة نهاية الأسبوع" -لكنه بعد ذلك نقل الموعد ليصبح "بحلول يوم الاثنين المقبل".

 

ومن المؤكد أن التصريحات الملتوية، والتعهد بوقف إطلاق النار إلى جانب المراوغة، وشحنات الأسلحة، لا ترفع ثقة أي شخص في بايدن أو أقرانه في أوروبا.‏


‏مع وجود أمير قطر إلى جانبه، ‏‏دعا‏‏ الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى "وقف دائم لإطلاق النار". وقد تم تداول هذه العبارات -"وقف دائم لإطلاق النار" و"وقف إطلاق نار مستدام"- بهذه الصفات (دائم ومستدام)، المصممة لتخفيف التزام قائليها بتحقيق وقف لإطلاق النار، والتظاهر بأنهم في الواقع يؤيدون إنهاء الحرب بينما يستمرون في التصريح بأنهم يقفون خلف جولات القصف الإسرائيلية.‏


‏في لندن، شهد البرلمان البريطاني انهيارا هزليا في مواجهة مشروع قرار تقدم به "الحزب الوطني الاسكتلندي" لوقف إطلاق النار في غزة. وبدلاً من السماح للتصويت بإظهار الآراء الفعلية لأعضائهما، أدخل كل من "حزب العمال" و"حزب المحافظين" جلسة المناقشة في حالة من الفوضى، وقام رئيس البرلمان بخرق القواعد لضمان عدم اضطرار المسؤولين المنتخبين إلى تسجيل معارضتهم لوقف إطلاق النار.

 

كان بريندان أوهارا، من "الحزب الوطني الاسكتلندي"، قد وضع القضية ‏‏بوضوح‏‏ أمام البرلمان قبل أن يتم وضع كلماته ومشروع القرار الذي تقدم به الحزب الوطني الاسكتلندي جانبا: "سيتعين على البعض أن يقولوا إنهم اختاروا الدخول في نقاش حول دلالات كلمات التوقفات "المستدامة" أو "الإنسانية"، بينما سيقول آخرون إنهم اختاروا منح نتنياهو السلاح والغطاء السياسي الذي يحتاجه لمواصلة حربه المستمرة على غزة بلا هوادة".‏


‏لقد أصبحت الرغبة العالمية في الوقف الفوري للقصف الإسرائيلي لغزة الآن في أعلى مستوياتها على الإطلاق. وللمرة الثالثة، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ضد قرار للأمم المتحدة في مجلس الأمن لإجبار الإسرائيليين على وقف القصف.

 

وسوف يؤدي استمرار الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين في دعم إسرائيل، على الرغم من الاشمئزاز واسع النطاق من هذه الحرب -الذي تجسد في وفاة آرون بوشنيل- إلى زيادة مشاعر الإحباط من نوعية قيادة الشمال العالمي.‏


‏لعل الأمر المحير بشكل خاص هو أن قطاعات كبيرة من السكان في بلدان الشمال تريد وقفا فوريا لإطلاق النار، ومع ذلك يتجاهل قادتهم آراءهم.

 

ويُظهر أحد ‏‏الاستطلاعات‏‏ أن ثلثي الناخبين في الولايات المتحدة -بما في ذلك أغلبية من الديمقراطيين (77 في المائة)، والمستقلين (69 في المائة)، والجمهوريين (56 في المائة)- يؤيدون وقف إطلاق النار في غزة.

 

ومن اللافت أن 59 في المائة من الناخبين الأميركيين يقولون إنه يجب ضمان حق الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم في غزة، بينما قال 52 في المائة إنه يجب إجراء محادثات سلام من أجل التوصل إلى حل دولتين.

 

وهذه كلها مواقف تتجاهلها الطبقة السياسية الرئيسية على جانبي المحيط الأطلسي. ولا تفعل تقديرات "الدائم" و"المستدام" سوى أن تزيد فقط من التشاؤم بين السكان الذين يشاهدون قياداتهم السياسية وهي تتجاهل إصرارهم على وقف فوري لإطلاق النار.‏


‏لا ينبغي البحث عن الوضوح في البيت الأبيض أو في "10 داونينغ ستريت" أو في قصر الإليزيه. إنه موجود ويمكن العثور عليه في كلمات الناس العاديين في هذه البلدان، الذين يشعرون بالغثيان من كل هذا العنف.

 

ويبدو أن الاحتجاجات تزداد حدة مع ارتفاع عدد القتلى في غزة. فما هو رد الفعل على هذه الاحتجاجات؟ في المملكة المتحدة، ‏‏اشتكى‏‏ أعضاء البرلمان من أن هذه الاحتجاجات تضع الشرطة تحت "ضغط مستمر". ربما كان هذا هو الهدف من الاحتجاجات.‏

‏*فيجاي براشاد Vijay Prashad: كاتب مولود بالهند، وأستاذ كرسي إدوارد سعيد للدراسات الأميركية في الجامعة الأميركية ببيروت، ويدس العلالقات الدولية في كلية ترينيتي، بهارتفورد، الولايات المتحدة الأميركية. له مؤلفات عدة في قضايا التحرر الوطني والاجتماعي واليسار ينشرها في موقع "القارت الثلاث". 

 

آخر كتبه، (مع نعوم تشومسكي)، هو "الانسحاب: العراق وليبيا وأفغانستان وهشاشة القوة الأميركية" (نيو برس، آب (أغسطس) 2022) The Withdrawal: Iraq, Libya, Afghanistan and the Fragility of US Power.‏


*نشر هذا المقال في موقع ‏‏Globetrotter تحت عنوان: The Remarkable Decline in the Global North’s Leadership

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

أوكرانيا والنظام العالمي‏