‏التقدميون والفلسطينيون‏

مسيرة مناصرة للفلسطينيين في الولايات المتحدة - (المصدر)
مسيرة مناصرة للفلسطينيين في الولايات المتحدة - (المصدر)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة ‏لورانس ديفيدسون‏* – (كاونتربنش) 14/10/2022 في العام الماضي، أصدرت ثلاث منظمات لحقوق الإنسان تتمتع بسمعة طيبة عندما يتعلق الأمر بالنتائج الموثوقة، تقارير عامة قائمة على الحقائق، تظهر طبيعة إسرائيل القائمة على نظام فصل عنصري. وقد أصدرت “بتسيلم”، منظمة حقوق الإنسان في إسرائيل نفسها، تقريرها في كانون الثاني (يناير) 2021. وتبعتها منظمة العفو الدولية (أمنستي) في شباط (فبراير)، و”هيومن رايتس ووتش” في نيسان (أبريل). وتصف هذه التقارير في الحياة الواقعية ما سعى أوسكار وايلد إلى تصويره في روايته “صورة لدوريان غراي” A Portrait of Dorian Gray: السلوك المعادي للبشرية الذي تمارسه هوية ستكون بخلاف ذلك مثيرة للإعجاب.‏ ‏ وجاء رد فعل الحكومة الإسرائيلية على هذه التقارير بطريقتين: (1) نددت بهذه التقارير باعتبارها معادية للسامية. وعلى سبيل المثال، وفقًا لوزير الخارجية الإسرائيلي، لم تكن “منظمة العفو الدولية” على وجه الخصوص “منظمة لحقوق الإنسان، وإنما مجرد منظمة راديكالية أخرى تردد الدعاية من دون التحقق بجدية من الحقائق. بدلاً من البحث عن الحقيقة، تردد منظمة العفو الدولية الأكاذيب نفسها التي تنشرها المنظمات الإرهابية”. وقد تجاهل هذا الرد حقيقة أن تقرير منظمة العفو الدولية “نابع من تحليل دام خمس سنوات للقانون المدني والعسكري الإسرائيلي”. كما تطابقت النتائج التي خلصت إليها المنظمة أيضًا مع نتائج المجموعتين الأخريين المرموقتين لحقوق الإنسان المذكورتين أعلاه، فضلاً عن استنتاجات الرئيس السابق جيمي كارتر في كتابه الصادر في العام 2006 بعنوان “فلسطين: السلام وليس الأبارتايد”. وفي وقت نشر الكتاب، أدانت إسرائيل وحلفاؤها في الولايات المتحدة كارتر واتهموه بطريقة مماثلة بمعاداة السامية.‏ ولا بد أن يكون كل هذا قد تسبب في الكثير من الإحباط للسلطات الإسرائيلية، بالنظر إلى أنها لا تستطيع إغلاق المنظمات التي تصدر هذه التقارير. ويبدو أن هذا واقع الحال حتى مع “بتسيلم”، التي تحظى بدعم واحترام دوليين. ومع ذلك، كانت هناك جماعات أخرى لحقوق الإنسان يديرها فلسطينيون، بما فيها “اتحاد لجان المرأة الفلسطينية”، و”الدفاع عن الأطفال- فلسطين”، الموجودة في المناطق الفلسطينية المحتلة التي تسيطر عليها إسرائيل. وقد تبين أن هذه المنظمات أصبحت عرضة لهجمات السلطات الصهيونية التي تتطلع إلى التنفيس عن غضبها. وكان هذا هو رد الفعل الثاني المتأخر إلى حد ما على تقارير حقوق الإنسان. (2) في آب (أغسطس) من العام 2022، “داهمت القوات الإسرائيلية مكاتب سبع منظمات حقوقية فلسطينية، وقامت بإلحاق أضرار جسيمة في الممتلكات، وإصدار أوامر عسكرية بإغلاقها. جاء ذلك في أعقاب وصف إسرائيل السابق لتلك المنظمات بأنها “إرهابية” و”غير قانونية””. وهنا، كما اتضح، كان الإسرائيليون هم الذين “يرددون الدعاية من دون التحقق بجدية من الحقائق”. ووفقًا لمراقبي الأمم المتحدة، فإن “هذه التصنيفات والإعلانات غير شرعية وغير مبررة، ولم يتم تقديم أي دليل ملموس وموثوق به يثبت مزاعم إسرائيل”.‏ وكان هناك إجراء آخر قد يكون -أو لا يكون- مرتبطًا مباشرة بتحدي إسرائيل لتهمة الفصل العنصري، ولكنه جدير بالملاحظة في هذا السياق. في 11 أيار (مايو) 2022، قتل جنود الاحتلال الصحفية الأميركية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة في مدينة جنين المحتلة. وقد عملت أبو عاقلة في قناة الجزيرة ونجحت في تغطية الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان، من بين مواضيع أخرى، لسنوات. ‏‏

تقدميون إلا مع فلسطين ‏

دافع عدد من السياسيين الأميركيين ذوي التوجه الليبرالي، على الأقل عندما يتعلق الأمر بالشؤون الداخلية، عن السلوك الإسرائيلي على مر السنين، وهم يرفضون مواجهة الأدلة التي تؤكد طابعها العنصري. وعلى سبيل المثال، أعلن السيناتور بوب مينينديز (ديمقراطي من نيوجيرسي)، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، أنه “من خلال تحديدها مؤسسة إسرائيل ذاتها كهدف لهذا الاتهام، انضمت منظمة العفو الدولية إلى جوقة متنامية من الأصوات الشريرة العازمة على إنكار حق إسرائيل في الوجود من خلال الافتراء والتضليل”. وأصدرت مجموعة من الأعضاء “التقدميين” بشكل انتقائي في مجلس النواب، بمن فيهم “النائبة الأميركية ديبي واسرمان شولتز(فلوريدا، الدائرة الانتخابية 23) وبقيادة النواب براد شنايدر (إلينوي-10)، ولويس فرانكل (فلوريدا 21)، وإيلين لوريا (فيرجينيا-02)، وكاثي مانينغ (نورث كارولينا-06)، وجوش غوتهايمر (نيوجيرسي-05)، ودين فيليبس (مينيسوتا-03)، وبراد شيرمان (كاليفورنيا-30)، وجيك أوشينكلوس (ماساشوسيتس-04)، بيانًا مشتركًا جاء فيه: “نحن نرفض تمامًا تقرير منظمة العفو الدولية في المملكة المتحدة الذي هو، للأسف، تقرير منحاز غارق في معاداة السامية، وهو جزء من حملة منظمة العفو الدولية الواسعة المستمرة منذ عقود لتجريم الدولة اليهودية الوحيدة في العالم ونزع الشرعية عنها”.‏ وفي المقابل، كان هناك عدد قليل من الديمقراطيين التقدميين الذين دعموا تقرير منظمة العفو الدولية وروجوا له. ومن بين هؤلاء عضوات الكونغرس بيتي ماكولوم، وكوري بوش، وإلهان عمر، ورشيدة طليب. ويعكس موقفهن محاولة “لدفع قضايا حقوق الإنسان إلى الواجهة داخل الحزب الديمقراطي، من أجل زعزعة دعم واشنطن غير المشروط لإسرائيل”.‏ ‏ ثم، في أيلول (سبتمبر) 2022، وفي كلمة ألقتها في “يوم المناصرة الفلسطيني”، طرحت عضوة الكونغرس رشيدة طليب هذا التحدي. وكانت كلماتها بالضبط: “أريدكم جميعًا أن تعرفوا أنه بين التقدميين، يصبح من الواضح أنه لا يمكنكم ادعاء اعتناق القيم التقدمية مع دعمكم حكومة الفصل العنصري الإسرائيلية”. وكان تأكيد طليب إنكارًا لفكرة أن المرء يمكن أن يكون “شخصًا مكشوفًا سياسيًا”.‏ وبسبب هذا البيان العلني، هوجمت طليب على الفور بالخطاب نفسه المشوه الذي استُخدم ضد جيمي كارتر ومنظمة العفو الدولية ومنظمات حقوق الإنسان الأخرى. وزعم جوناثان غرينبلات، رئيس المنظمة الصهيونية الأميركية، “رابطة مكافحة التشهير”، أن طليب “تؤكد بقوة معاداتها للسامية من خلال التشهير بإسرائيل ووصفها بأنها دولة فصل عنصري”. وقد حُذفت حقيقة أن طليب حددت الفصل العنصري على وجه التحديد في علاقته مع طابع السياسات والقوانين الإسرائيلية (وكلها قابلة للإصلاح في نهاية المطاف) وليس اليهودية. وقام بالتشويه نفسه لكلمات طلياب العديد من السياسيين الديمقراطيين. وكان رد فعل النائب جيري نادلر، (ديمقراطي من نيويورك)، أكبر مشرِّع يهودي في مجلس النواب: “أنا أرفض بشكل أساسي فكرة أنه لا يمكن للمرء أن يدعم حق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية وديمقراطية وأن يكون تقدميًا”. وتابع نادلر: “سأكون سعيدًا بوضع سجلي التقدمي وأوراق اعتمادي في مقابل أي سجل وأرصدة أي أحد. من الخطأ والهزيمة الذاتية على حد سواء أن يُواجه القادة التقدميون بمثل هذا (الاختبار) الهجومي العبثي”. وطليب هي نفسها فلسطينية أميركية، ويقيم الكثير من أفراد عائلتها في المناطق الفلسطينية المحتلة. وهي تعرف بشكل مباشر وعن قرب أن الهيكل الحكومي الصهيوني لإسرائيل ليس ديمقراطيًا. وقد يشك نادلر في أنه كذلك أيضًا، لكن مصالحه السياسية تحول دون الاعتراف بذلك. وبالمناسبة، إذا تعلق الأمر بالقيم اليهودية العالمية، فإن إسرائيل ليست “يهودية” بشكل خاص أيضًا.‏ ‏

سلوك متناقض‏

إن قضية تجاهل الحقائق التي أعلنتها مجموعة من منظمات حقوق الإنسان التي يعززها الآن السلوك القمعي المبلغ عنه للسلطات الإسرائيلية، هي قضية مهمة للسياسيين الأميركيين الذين يدعون أنهم تقدميون. وهذا هو واقع الحال حتى لو لم يكن ذلك لأي سبب آخر سوى مخالفة فكرة: “يسعى البشر إلى الاتساق النفسي الداخلي من أجل العمل عقليًا في العالم الحقيقي”. ويواجه السياسيون الأميركيون وغيرهم من مؤيدي إسرائيل الذين ينكرون وجود أي مشكلة فصل عنصري هذا النوع من التنافر المعرفي الذي يأتي مع “حمل اثنين أو أكثر من المعتقدات أو الأفكار أو القيم المتناقضة في الوقت نفسه”.‏ ولنتأمل هنا ردود الفعل الدفاعية لأولئك الذين يتصورون أنفسهم على أنهم تقدميون، والذين تتطلب منهم مواقفهم السياسية أو الدينية أن يدعموا علنًا دولة الفصل العنصري. عندما يواجهون الانتقادات لاتخاذهم مواقف متناقضة، فإنهم “يبذلون كل ما في وسعهم لتحقيق الاتساق”. سوف يبررون، ويستخدمون التحيز التأكيدي لتجنب الأدلة المتناقضة، ويشيطنون أولئك الذين تسبب انتقاداتهم في مضايقتهم. ويقدم الإصرار على أن إسرائيل دولة ديمقراطية مع وصف أولئك الذين ينكرون ذلك بأنهم معادون للسامية مثالاً جيدًا على مثل هذه الجمباز العقلي.‏ ‏

الاتساق‏

جعلت مسألة الاتساق، ولو للحظات على الأقل، الفرق بين السياسة الداخلية والخارجية أكثر وضوحًا.‏ ‏ في الولايات المتحدة، هناك تقليديًا وجهتا نظر للسياسة الخارجية. إحداهما تُعرّف بأنها “واقعية” وتدعم الحاجة المزعومة إلى قبول الحقائق القاسية لعالم الدول القومية وتصميم سياسة خارجية وفقًا لذلك. ويمكن اعتبار المحاولات السابقة والحالية لتغيير النظام في الدول الأخرى، وتجاهل قضية حقوق الإنسان عند وضع السياسة، وقبول مختلف الدول المسيئة للإنسانية كحليفة، والسلوك المماثل الأعمى أخلاقيًا، عناصر في سياسة خارجية “واقعية”. وتُعرف وجهة النظر الأخرى باسم “المثالية”. وتكون سياسة خارجية تأخذ في الاعتبار سجلات حقوق الإنسان، وتفعل ذلك سواء كان البلد الآخر صديقًا أو عدوًا تقليديًا، مثالاً على هذا النوع من السياسة الخارجية.‏ في الوقت الحالي، يتحرك الحزب الديمقراطي محليا، فيما يأتي بلا شك كردة فعل على التحول شبه الفاشي للجمهوريين، في اتجاه تقدمي (مثالي). ثمة أعداد متزايدة، وإن لم تكن ساحقة، من الديمقراطيين الذين يرغبون في رؤية السياسة الخارجية للولايات المتحدة وهي تعكس القيم التقدمية للسياسة الداخلية، وبالتالي التزام السياستين بالمبادئ التوجيهية نفسها. وفي حين أن الدعم غير المشروط وغير النقدي لإسرائيل الفصل العنصري يبرز مثل الألم في إصبع الإبهام في هذا الصدد، فإنه يلفت انتباه الجمهور في الوقت نفسه إلى المشكلة الأكبر المتمثلة في عدم الاتساق. في النهاية، ستكون أفضل خدمة لجميع مصالحنا، في الداخل والخارج على حد سواء، تعزيز وحماية حقوق الإنسان بدلاً من اتخاذ المواقف المنافقة الحالية التي تحاول التذرع بكون أصحابها “أشخاصا مكشوفين سياسيًا”. ‏‏

خلاصة

لقد تبنى مؤيدو إسرائيل تكتيك وصف منتقدي الدولة الصهيونية، وجميعهم تقريبًا من التقدميين النشطين، بأنهم معادون للسامية. وثمة شيء سخيف ومخيف بشأن هذا الموقف. فمن ناحية، واستنادًا إلى الأدلة، فإن معاملة إسرائيل للفلسطينيين هي التي تتسم بالعنصرية. ويجب أن يضع المرء في اعتباره أن الفصل العنصري هو رسميًا جريمة ضد الإنسانية. ومع ذلك، يصف الصهاينة أولئك الذين ينتقدون إسرائيل، في هذه النقطة بالذات، بأنهم عنصريون في حد ذاتهم (معادون للسامية). وهي تهمة سخيفة وغريبة. ومن ناحية أخرى، فإن رد الصهاينة مخيف. ومطلبهم حقًا هو أن يستثني العالم السلوك المروع للدولة الإسرائيلية. ومع ذلك، فإنك إذا سمحت باستثناءات بشأن من يستحق أن يتمتع بحقوق الإنسان ومَن لا يستحقها، كما يفعل أولئك الذين يتبنون موقف “الشخص المشكوف سياسيًا”، فإنك تسمح بتحقق سيناريو غير إنساني. ومع تصاعد الفاشية، هناك الكثير من الناس، في الداخل والخارج، الذين هم على استعداد لإنكار هذه الحقوق نفسها على التقدميين.‏ ثمة رسالة مناسبة معروضة بشكل بارز في متحف الهولوكوست الأميركي في واشنطن العاصمة. وهي اقتباس من القس اللوثري الألماني مارتن نيمولر:‏ أوّلاً جاؤوا إلى الاشتراكيّين، وَلَمْ أرفَعْ صَوْتِي، لأنّي لَمْ أكُنْ اشتراكيًّا. ثمّ جاؤوا إلى أعْضاء النّقابات، وَلَمْ أرفَعْ صَوْتِي، لأنّي لَمْ أكُنْ نقابيًّا. ثمّ جاؤوا إلى اليَهُود، وَلَمْ أرْفَعْ صَوْتِي، لأنّي لَمْ أكُنْ يهوديًّا. بَعْدَئذٍ جاؤوا إليَّ، فَلَمْ يَتَبَقَّ أحَدٌ لِيَرْفَعَ صَوْتَهُ من أجْلِي. في الحقيقة، حتى يكون المرء تقدميًا، وحتى يكون إنسانًا محترمًا ونزيهًا، يجب على المرء أن يتحدث ويرفع صوته من أجل حقوق الإنسان الفلسطينية.‏ ‏*لورانس ديفيدسون‏‏ Lawrence Davidson: أستاذ متقاعد للتاريخ في جامعة ويست تشيستر في ويست تشيستر، بنسلفانيا.‏ *نشر هذا المقال تحت عنوان: Progressives and Palestinians هامش: ‏(1) الشخص المكشوف سياسيًا أو PEP: هو فرد يشغل منصبًا سياسيًا أو وظيفة عامة بارزة. ونظرا لأدوار هؤلاء الأفراد، فإنهم قد يكونون أكثر عرضة للرشوة أو الفساد أو جرائم غسل الأموال الأخرى، ونتيجة لذلك فإنهم يشكلون خطرًا كبيرًا على المؤسسات المالية والشركات والمهن غير المالية المعينة.‏  اقرأ أيضا: اضافة اعلان

فرنسا وإسرائيل.. أي لوبي صهيوني؟ (6): التهافت على التقنية الإسرائيلية، بأي ثمن؟

فرنسا وإسرائيل.. أي لوبي صهيوني؟ (5): إسرائيل في قلب جهاز الدفاع الفرنسي فرنسا وإسرائيل.. أي لوبي صهيوني (4): مع “إلنت”، اكتشفوا إسرائيل، ومستوطناتها، وتقنياتها للمراقبة فرنسا وإسرائيل.. أي لوبي صهيوني؟ (3): غش على الحلبة الإعلامية فرنسا وإسرائيل.. أي لوبي صهيوني؟ (2) قانون الصمت يخنق منتقدي إسرائيل

فرنسا وإسرائيل: أي لوبي صهيوني؟ (1) قانون صمت يعود إلى زمن بعيد