الجيش الإسرائيلي يذهب للحرب ضد الساسة في إسرائيل

جنود اسرائيليون ودباباتهم على الحود مع قطاع غزة - (أرشيفية)
جنود اسرائيليون ودباباتهم على الحود مع قطاع غزة - (أرشيفية)

رونن بيرغمان- (النيويورك تايمز)

21 /5/2016

ترجمة عبد الرحمن الحسيني

تل أبيب- في معظم البلدان تشرف الطبقة السياسية على مؤسسة الدفاع وتكبح جماح قادته  دون انتهاك حقوق الإنسان  أو انتهاج سياسات خطرة أو عدائية. لكن في إسرائيل يحدث العكس. وهنا، يدوس الساسة على نحو فاضح على قيم وقوانين الدولة ويسعون لحلول حربية بينما يحاول قادة قوات الدفاع في إسرائيل ورؤساء وكالات الاستخبارات تهدئتهم وضبطهم.اضافة اعلان
ولعل عرض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الأسبوع الماضي منصب وزير الدفاع على افيغدور ليبرمان، السياسي المشاكس والمولع بالخصام والمغالي في القومية، هو أحدث عمل في الحرب بين  السيد نتنياهو  وبين الجيش ورؤساء المخابرات، وهو صراع لا نهاية في الأفق له لكن من شأنه إحداث التآكل في حكم القانون وحقوق الإنسان أو الدفع باتجاه حملة عسكرية خطيرة وغير ضرورية.
إلى ذلك، يرى رئيس الوزراء في المؤسسة الدفاعية منافساً لسلطته ومعارضاً لأهدافه. وهو حينما يضع السيد ليبرمان، المتطرف والمندفع والمتهور، وزيرا للدفاع  إنما يعطي إشارة مؤداها  أن معارضة الجنرالات ورؤساء المخابرات لن تكون موضع تسامح. والمعروف أن السيد ليبرمان مشهور بسحق الناس الذين يحملون أفكاراً معارضة بلا هوادة.
وكانت هذه الجولة الأحدث من هذا الصراع قد بدأت يوم 24 آذار (مارس) الماضي: عندما قتل الرقيب ايلور أزاريا مهاجما فلسطينياً كان ملقى على الأرض جريحاً بعد أن طعن واحداً من رفاق الرقيب أزاريا. ودانت قيادة الجيش الإسرائيلي القتل. وقال ناطق بلسان الجنرال غادي ايزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي "إن هذا ليس سلوك جيش الدفاع الإسرائيلي. وهذه ليست قيم جيش الدفاع الإسرائيلي".
لكن ساسة الجناح اليميني دعموا الرقيب أزاريا. وقال رئيس الوزراء "إن جنود جيش الدفاع الإسرائيلي هم أبناؤنا الذين يتصدون  للهجمات الإجرامية التي ينفذها الإرهابيون الذين يأتون لقتلهم.... وعليهم أن يتخذوا القرارات في الوقت المناسب". ومن جهته دعم السيد ليبرمان الذي كان ما يزال زعيماً لحزب صغير من أقصى اليمين الجندي أزاريا أمام محكمة عسكرية. كما أن السيد نتنياهو اتصل هاتفياً بوالد الجندي وأعلمه دعمه له.
ومن جهته قال لي جنرال في جيش الدفاع الإسرائيلي إن قيادة الجيش الإسرائيلي رأت في المكالمة الهاتفية تحدياً جسيماً لسلطة الجيش. إلى ذلك، اختار نائب رئيس الأركان الإسرائيلي الميجر جنرال يئير غولان، واحداً من أكثر التواريخ حساسية في التقويم الإسرائيلي، عشية ذكرى الهولوكوست، لإصدار رد فعله، حيث قال إن إسرائيل  تشبه ببعض الطرق ألمانيا (النازية) في الثلاثينيات (من القرن الماضي).
وقال السيد نتنياهو في معرض تصديه لكلمات الجنرال غولان إن كلمات الجنرال  تظلم إسرائيل "وقلل من فداحة الهولوكوست". لكن وزير دفاعه (المستقيل) والذي كان في السابق رئيساً للأركان وعضوا في حزب نتنياهو فقد دعم الجيش. وطلب من جمع من كبار الضباط الإسرائيليين التحدث بحرية حتى لو كان ذلك ضد القادة السياسيين.
واستدعى السيد نتنياهو السيد يعالون من أجل "بحث توضيحي عاجل". وبعد ذلك بوقت قصير دعا السيد ليبرمان للانضمام  للائتلاف الحكومي مع فصيله البرلماني الصغير وعرض عليه تولي حقيبة وزارة الدفاع.
وتجدر الإشارة إلى أنه في تاريخ إسرائيل القصير غالباً ما دعم قادة الجيش ورؤساء الوكالات الاستخبارية استخدام القوة وأظهروا في العديد من الحالات ازدراءهم للقانون ولحقوق الإنسان. وفي المقابل كان القادة السياسيون أكثر توازناً بشكل نمطي.
في العام 1954، بادرت الاستخبارات العسكرية، كما يجدر التنويه، دون اطلاع رئيس الوزراء في حينه موشي شاريت إلى شن سلسلة من الهجمات الإرهابية ضد مصر بهدف خلق صدع بين ذلك البلد والولايات المتحدة وبريطانيا. وفي العام 1967 حث الجيش رئيس الوزراء ليفي اشكول، على السماح له بشن ضربة هجومية ضد مصر وسورية. وعندما طلب اشكول منهم الانتظار تآمروا على اعتقاله في  سرب تحت الأرض إلى أن يوافق.
فما الذي تسبب في أن يصبح الجيش ومعه وكالات الاستخبارات الإسرائيلية من الحمائم نسبياً، بينما صار الساسة صقوراً؟ وفي العقود الثلاثة الماضية أصبح الجيش ووكالات الاستخبارات أكثر حذراً حيال كسر القانون. ولقد ساعد في ذلك التهديد بالمطاردة من جانب محكمة الجنايات الدولية. كما إن وكالات الدفاع تتحرك وفقاً للمصلحة القومية لا وفقاً للأيديولوجية أو الدين أو الاعتبارات الانتخابية. يضاف إلى ذلك أن كبار ضباط الجيش والاستخبارات متآلفون عن كثب مع طبيعة احتلال إسرائيل  للأراضي الفلسطينية- وثمنه.
 لكن فوق كل شيء من الممكن تلخيص الصدام بين المؤسستين السياسية والدفاعية بكلمتين: بنيامين نتنياهو. فالعديد من ضباط الجيش والاستخبارات الذين خدموا تحته يأنفونه. وقال لي عوزي اراد مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق "لقد قلت لنتنياهو إن شقاً من عدم الثقة قد فتح بينه وبينهم". وقال مئير داغان المدير السابق لجهاز الموساد "إنه أسوأ مدير عرفته.". وأضاف " ولقد استقلت من وظيفتي لأنني اشمأززت منه".
في العام 2010 دخل نتنياهو في عراك مع السيد داغان وزميلين له هما يوفال ديسكين المدير السابق للشين بيت، الخدمة الأمنية الداخلية الإسرائيلية واللفتنانت جنرال غابي اشكنازي رئيس الأركان السابق في الجيش الإسرائيلي حول إيران. واعتقد الجيش وقادة الاستخبارات بأن خطة رئيس الوزراء لمهاجمة المنشئات النووية الإيرانية كانت مدفوعة سياسياً لاعتبارات انتخابية وستورط إسرائيل في حرب غير ضرورية. وبالإضافة فإنهم اعتقدوا أنه كان سيقوم بها على نحو غير قانوني متجاوزاً مجلس الوزراء.
 وقال لي السيد داغان " لقد عرفت الكثيرين من رؤساء الوزارات ولم يكن واحد منهم مقدساً أو نقياً. لكنهم كلهم تقريباً لهم ميزة مشتركة—عندما كانوا يصلون إلى النقطة التي تتقاطع فيها مصلحتهم الشخصية مع المصلحة القومية فإن المصلحة القومية تسود." لكن السيد داغان استدرك قائلاً إن السيد نتنياهو كان حالة استثناء نادرة.
تجدر الإشارة إلى أن السيد نتنياهو اصطدم مع المؤسسة الأمنية حول عدد من القضايا التي تفاوتت بين اقتراحات  لتحسين ظروف الفلسطينيين تحت الاحتلال في الضفة الغربية( عارضها رئيس الوزراء) وبين توجيه اتهامات  لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بالتحريض على الإرهاب( تقول الشين بيت أنه يساعد في قتال الإرهاب) وإلى اقتراح نتنياهو بإبعاد عائلات الإرهابيين( لا تشجع الشين بيت ذلك ، كما أن  المدعي العام الإسرائيلي قال إن الإبعاد سيكون غير قانوني). ويجدر التنويه بأن الشين بيت والموساد على حد سواء كانا قد عارضا الحملة على حماس في غزة في العام 2014 كما واعترضا على  إدارة رئيس الوزراء لها.
وفي بعض المحادثات التي أجريتها مؤخراً مع بعض الضباط رفيعي المستوى حول تعيين ليبرمان كوزير للدفاع برز احتمال حدوث انقلاب عسكري—لكن مع ابتسامة. ويبقى هذا الاحتمال غير مرجح. أما التحدي الأكبر للعلاقة بين سياسيي الجناح اليميني والضباط العسكريين فسيجسد إذا حاول السيد ليبرمان حمل الجيش على فعل الأشياء التي كان قد اقترحها بتحمس في السابق.
فما الذي سيفعله الجيش ورؤساء الاستخبارات إذا أصدر الوزير الجديد ليبرمان تعليماته بعدم ملاحقة الناس الذين ارتكبوا جرائم مثل ايلور أزاريا في الخليل؟ أو إذا طالب السيد ليبرمان، كما كان قد فعل في السابق، بأن تغتال إسرائيل قادة حماس إذا لم يعيدوا رفات  الجنود الإسرائيليين الذين قتلوا (في حملة الرصاص المصبوب في العام2014 ) أو "غزو غزة"  أو  "قصف السد العالي" في مصر كما كان قد قال أن إسرائيل ستقدم على هذه الخطوة إذا اندلعت حرب بينها وبين مصر؟ فهل سينفذون أوامره أم سيرفضونها لأنهم  يستوعبون أبعاد الكارثة التي ستجلبها هذه الأعمال ليعانوا بالتالي من التداعيات الشخصية؟

نشرت هذه القراءة تحت عنوان Israel,s Army Goes to War With Its Politicians