الحرب في غزة تسمم السياسة البريطانية

تظاهرة مؤيدة لوقف الحرب في غزة بالعاصمة البريطانية، لندن - (المصدر)
تظاهرة مؤيدة لوقف الحرب في غزة بالعاصمة البريطانية، لندن - (المصدر)
أظهر نقاش حاد في مجلس العموم حول إنهاء الصراع في الشرق الأوسط، أن الإجراءات الخلافية التي اتخذها البرلمان غير مناسبة لتخفيف توترات من هذا النوع. ويحسُن بأعضاء البرلمان أن يتذكروا حجم المعاناة الإنسانية وأهمية السلام الدائم.اضافة اعلان
*   *   *
يريد الحزب القومي الأسكتلندي "وقف إطلاق النار بصورة فورية في غزة وإسرائيل". أما حزب "العمال" فيدعو إلى "وقف فوري لإطلاق النار لأسباب إنسانية". وتتمثل سياسة حكومة المحافظين في السعي إلى "هدنة إنسانية فورية، اعتماداً على الاقتراحات التي قدمتها الأحزاب الأربعاء في 21 فبراير (شباط) خلال مناقشة مجلس العموم البريطاني الأخيرة للحرب في غزة، حيث من الممكن تلخيص مواقفها بناء على ما تقدم".
قد يتساءل البعض كيف يمكن لهذه الاختلافات الطفيفة في العبارة والمعنى أن تؤدي في نهاية المطاف إلى تداعي جلسة النقاش في مجلس العموم وسط حالة من الفوضى الكاملة. وكان الفشل الذريع في التصويت مبهماً ومأساوياً.
لقد خالف السير ليندسي هويل، وهو رئيس مجلس العموم، التقاليد وحاول إجراء عملية تصويت على مقترحات كل من الأحزاب الثلاثة، الأمر الذي سمح لكل الأطراف بالتعبير عن آرائهم المختلفة بشأن مسألة ذات أهمية وطنية. وكان ذلك يعني أيضاً، في بعض الحالات، أن في وسع الأعضاء أن يصوتوا بطريقة تتوافق مع وجهة نظرهم بشكل أدق، وتحميهم من الضغوط الخارجية من الناخبين بشأن موقفهم.
وكان كاتب مجلس النواب قد حذر رئيس المجلس علناً من أن قراره ينطوي على خطر حرمان الحزب القومي الاسكتلندي من فرصة تصويت جميع النواب على مذكرته الجوهرية المطروحة في يوم المعارضة البرلماني.
لقد جازف السير ليندسي، ومن ثم خذلته الحكومة بتغيير تكتيكاتها. وكانت النتيجة التي تمخضت عنها الجلسة هي حصول أزمة ثقة في رئيس البرلمان وتصرف أعضاء مجلس العموم بشكل جماعي على نحو سخيف يفتقر إلى الحكمة أمام عامة الناس.
أدت المزاعم القائلة إن حزب العمال هدد رئيس مجلس النواب بإقالته بعد الانتخابات إلى تأجيج الخلاف. وكانت هذه أهم مسألة تفتق عنها الوضع المعقد. وعلى الأغلب سينقذ السير ليندسي اعتذاره المذل من أن يكون الرئيس الثالث على التوالي لمجلس العموم الذي يطيح به النواب عملياً في مدة تزيد قليلاً على عقد من الزمن، بيد أن سلطته عانت من ضربة موجعة.
ليس من المفترض أن تنتهي جلسات المناقشة في يوم المعارضة على هذا النحو. وعادة ما لا يحدث ذلك عندما يتركز النقاش على قضايا سياسية دنيوية. لكن جذور المشاهد الهزلية في المجلس لا يمكن العثور عليها لدى إرسكين ماي (الذي وثق قواعد الإجراءات البرلمانية في كتاب شهير قبل نحو قرنين)، وإنما في غبار غزة وركامها. وهي تسلط الضوء، بشكل مؤلم، على مدى عجز البرلمان البريطاني عن التحدث بصوت واحد بشأن القضية المطروحة بشكل أكثر إلحاحاً وحيث الخلافات محدودة نسبياً.
على الرغم من أن ذلك سيكون أشبه بابتكار دستوري جديد يشكل نسخة معكوسة للاتفاقيات المعتادة، ربما كان يتوجب على السياسيين أن يأخذوا بنصيحة الأمير ويليام وأن يدعوا ببساطة إلى "إنهاء القتال".
وقد يبدو من غير الواقعي، بعد الخلافات المريرة والانسحابات من قاعة البرلمان، أن نتوقع إجماعاً على أي جانب من جوانب السياسة الخاصة بالشرق الأوسط. ولكن في واقع الأمر، تتفق الأطراف الرئيسة كافة فعلياً على وجوب تحقيق هدف "حل الدولتين". وفي تطور أحدث لهذه الصيغة القائمة منذ فترة طويلة، سيعترَف رسمياً بالدولة الفلسطينية عاجلاً وليس آجلاً، وفي أقرب وقت ممكن في بداية عملية السلام، وليس في نهايتها البعيدة.
إن التناقضات مع الحرب في أوكرانيا مفيدة أيضاً. فمنذ اليوم الأول للغزو الروسي، ومنذ الوقت الذي لاح فيه هذا الاحتمال الكئيب في الأفق للمرة الأولى، كان هناك اتفاق واسع النطاق بين الأطراف كلها على أن هذا العدوان الروسي لم يحصل رداً على استفزاز ما، ولم يكن هناك مبرر له كما أنه غير قانوني. وأقرّ الجميع أنه ينبغي إرسال كل أشكال المساعدة إلى الأوكرانيين في أسرع وقت ممكن. وقد صمد هذا الإجماع في المملكة المتحدة، وتم وضع الخلافات الطفيفة حول السياسة جانباً.
أما الحرب في غزة فهي تسمم السياسة البريطانية، إذ يجري تصوير اليسار، بمعناه الواسع، بشكل مشوّه على أنه مؤيد لفلسطين من دون قيد أو شرط (أو حتى مؤيد لـ"حماس" ومؤيد للإرهاب)، فيما يتم تصوير اليمين على أنه مؤيد لإسرائيل (أو حتى مؤيد للإبادة الجماعية). وتمثل بعض الحجج في البرلمان، وعلى الإنترنت، وفي التظاهرات نسخة محرّفة على نحو صادم لدوافع المعارضين وسياساتهم.
هذا وضع خطير، ولا يعكس التوافق الفعلي الذي يمكن أن يوجد حول الوضع إذا سعى الناس إلى أرضية مشتركة. ومن دون هذه الجهود، سوف تستمر معاناة بريطانيا من تنامي نزعتي معاداة السامية وكراهية الإسلام، وسوف يعاني كل مجتمع فيها نتيجة لذلك. ولا ينبغي أن تكون الأمور على هذه الشاكلة. كما أن العادات العدائية المتبعة في البرلمان ليست ملائمة لتخفيف هذه التوترات. وقد أدت في هذه المناسبة بالفعل إلى تفاقم التوترات.
إن وجود درجة أكبر من الإجماع حول الرغبة في إنهاء القتال في غزة قد يساعد أيضاً اللورد كاميرون في جهوده الرامية إلى ثني بنيامين نتنياهو عن شن هجوم بري على رفح يؤازره قصف جوي على حوالي مليون ونصف المليون شخص ممن يحتمون بالخيام والركام هناك. ويتفق الجميع على أنه سيكون هجوماً كارثياً، خاصة وأنه سيستهدف أناس نصفهم تقريبًا من الأطفال الذين بينهم العديد من الأيتام.
وحتى بعد مقتل 29 ألف شخص وكل الأهوال التي وقعت من قبل، بما في ذلك الفظائع التي ارتكبتها "حماس" في 7 تشرين الأول (أكتوبر)، يبدو من المرجح أن تكون هناك المزيد من الأهوال في المستقبل. وسوف تقع المزيد من الخسائر في الأرواح، وستشوه الحرب المزيد من الأبرياء، وسيُحرم شطر أكبر من الأطفال من عائلاتهم.
في بعض الحروب، التي يصفها البعض بـ"العادلة"، هناك معنى لخسارة الأرواح، والتي تكون متكافئة ومتوافقة مع المعايير الإنسانية الدولية، ومن أجل تحقيق أهداف معقولة للحرب. لكن الحملة الإسرائيلية، إذا كانت عادلة من الأساس، لن تستوفي أياً من معايير إدارة الحرب العادلة إذا ما تم قصف رفح لتدميرها عن بكرة أبيها.
إن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها لا يمنحها الحق في تحدي القانون الدولي. لكن الأكثر أهمية، عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، هو أن مثل هذا الهجوم لن يجعلها أكثر أمناً. إن تسوية رفح -أو أي مكان آخر- بالأرض لن تضع حداً للإرهاب، ولن تساعد إسرائيل على تطبيع علاقاتها مع جيرانها.
ينبغي أن نكون على يقين من أن المعركة المقبلة من أجل رفح ستدفع "محكمة العدل الدولية" إلى الاقتراب من إصدار حكم يدين إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية. وما ستفعله تلك المعركة أيضاً هو تكثيف المعاناة، والمجازفة بتصعيد الصراع ونشره، وإحداث شرخ في علاقات إسرائيل مع أميركا والآخرين الذين وقفوا إلى جانب تل أبيب في تشرين الأول (أكتوبر).
وكما قال أمير ويلز: "في بعض الأحيان، لا تتجلى أهمية السلام الدائم إلا عندما ندرك الحجم الهائل من المعاناة الإنسانية".
لقد حان ذلك الوقت للسلام بالتأكيد. ولعل قادتنا السياسيين يجمعون على ذلك.