الشرق الأوسط لم يعد معجباً بأميركا

Untitled-1
Untitled-1
ترجمة: علاء الدين أبو زينة ستيفن أ. كوك* - (فورين بوليسي) 5/2/2019 ربما كانت النظرة القديمة إلى الولايات المتحدة غير واقعية ومشوهة بفعل النظارات الوردية التي تصنعها المسافة، لكنها كانت قوية مع ذلك. وقد منحت تلك النظرة الولايات المتحدة النفوذ والمكانة بفعل أشياء تتجاوز المعايير القياسية للقوة. ومن الواضح أن الناس في غواتيمالا، وهندوراس، والأماكن الأخرى في أميركا اللاتينية يستمرون في الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ملاذ آمن، لكن آخرين لم يعودوا واثقين إلى هذا الحد، بالنظر إلى القتامة والرياء والوحشية التي استولت على السياسة الأميركية في السنوات الأخيرة. * * * لعل من إحدى مزايا عملي هي أنني أقضي، بين الحين والآخر، بعض الوقت في الحديث عن مستقبل الشرق الأوسط في مكان مثل إيطاليا، كما فعلت في أوائل كانون الثاني (يناير) الماضي. وفي الليلة التي سبقت المؤتمر، بعد تقاسم بضع زجاجات من النبيذ الأحمر مع بعض الأصدقاء، أتيحت لي الفرصة للتأكيد -في مكان صغير بالقرب من بيازا ديل بوبولو، والذي لم يكن له اسم واضح يمكن تمييزه، وإنما عليه بدلاً من ذلك شاخصة من النيون المضيء، والتي تقول ببساطة "بيتزا/ جيلاتو"- أن جودة البيتزا في روما تقع في مكان قريب، في المرتبة الثانية، بعد وجبة الشرائح في مسقط رأسي، لونغ آيلاند. لكنني لم أحصل على وجبة لذيذة في تلك الليلة. كما أنني تلقيت تعليماً حول الطريقة التي تمكنت بها الولايات المتحدة مؤخراً من تقويض أعظم أصولها في السياسة الخارجية: القواعد والأعراف والمبادئ والمؤسسات التي تحرك وتنظم المجتمع الأميركي. بمجرد أن طلبتُ شيئاً من شرائح السوشيني، أدركت أن الرجال وراء طاولة الخدمة لم يكونوا إيطاليين. وبرد فعل انعكاسي تقريباً، سألت بالعربية، "من أين أنتم"؟ فابتسم الرجل الذي يتعامل مع طلبي وأعلن أنه مصري، كما تبين أن زميله وراء الطاولة، الرجل الذي استقبلني عندما دخلت الباب -متحمساً لمأدبة حقيقية من البيتزا- تونسي. كنت أنوي في البداية أن أتناول عشائي بسرعة وأعود إلى فندقي؛ كان ذلك يوماً طويلاً من السفر، كما أن النبيذ شرع في إصابتي بالاسترخاء. وحتى مع البداية المتأخرة نسبياً لبدء المؤتمر في صباح اليوم التالي (المؤتمرات الأوروبية تختلف عن المؤتمرات الأميركية)، كنت أتطلع بشغف إلى النوم. لكن فضولي تمكن مني، ووجدت في نفسي طاقة جديدة. وعلى مدار ساعة أو نحو ذلك، استمتعنا، أنا وأصدقائي الجدد، بخوض محادثة صاخبة، والتي غطت كل قضية في الشرق الأوسط، من النضالات السياسية الداخلية في تونس إلى مقتل جمال خاشقجي، والعودة. قرار إدارة ترامب نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس؟ لم يكونوا معجبين. والسعوديون؟ ليس هناك الكثير من الحب. وإيران؟ بالنظر إلى المسافة التي تفصلها، سواء بالأميال أو بالاهتمامات الأساسية للناس في بلدانهم الأصلية، بدوا مترددين أو متناقضين. واليمن وسورية؟ مروع. والصدع في داخل مجلس التعاون الخليجي؟ لا يهتمون. وباستثناء الحروب في اليمن وسورية، وكذلك الخلافات بين العائلات الحاكمة في الخليج، والتي صنعت الشقاق في دول مجلس التعاون الخليجي، كان الحديث التالي هو أجرة السفر القياسية -الموضوع لما يجب أن يكون آلاف الأحاديث التي أجريتها مع أشخاص من الشرق الأوسط منذ أول مرة أضع فيها قدماً في مصر في العام 1993. عندما سألت لماذا لم تصبح مصر ديمقراطية بعد انتفاضة كانون الثاني (يناير) من العام 2011، اتخذ النقاش انعطافة أكثر إثارة للاهتمام. لم أحصل على أي تعليق حول قمع عبد الفتاح السيسي. لقد أحب المصريون في مطعم البيتزا السيسي، لكنهم أيضاً لم يقدموا تفسيراً لشرور جماعة الإخوان المسلمين أو حتى شيئاً عن عيوب ذلك التكتل غامض التعريف من الناس المعروف باسم "الثورة". وبدلاً من ذلك، نظر إلي أحدهم مباشرة في العين وأعلن: "لا تحدثنا عن الديمقراطية". قبل أن أسأل عن السبب، طلب الرجل معرفة ما إذا كانت أميركا نفسها ديمقراطية حقاً. كان أصدقائي ومحاوريَّ في الشرق الأوسط يتسببون لي بوقت صعب عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة منذ سنوات. وفي نيسان (أبريل) 2014، قضيت نصف ليلة وأنا أواجه اتهامات من مجموعة من المصريين الذين أرادوا أن يعرفوا لماذا دعمت الولايات المتحدة جماعة الإخوان المسلمين. وجاء هذا بعد وقت قضيته في إسطنبول في الرحلة نفسها وأنا أبذل قصارى جهدي لأشرح للناس أن الولايات المتحدة لم تدعم فعلياً انقلاب تموز (يوليو) 2013 في مصر. وقبل بضع سنوات، كانت لدي تجربة مزعجة، حين تلقيت الكثير من التوبيخ على الملأ بسبب انتهاكات حقوق الإنسان الأميركية في العراق، والذي كاله لي ممثل لنظام زين العابدين بن علي القمعي في تونس. وكانت لهذه الشكاوى بشكل موحد صلة بسلوك الولايات المتحدة في العالم، لكن ما كان يشير إليه رجل البيتزا المصري كان جديداً تماماً (بالنسبة لي على الأقل). بينما كانوا يعبِّرون لي عن غضبهم من غزو واشنطن للعراق، ودعمها للحلفاء الاستبداديين الإقليميين، أو علاقة أميركا الخاصة بإسرائيل، عبر العرب في كثير من الأحيان عن إعاجبهم بطريقة الحياة الأميركية في الوطن. وهم يحبون الأفلام الأميركية، والهيب هوب، وموسيقى الميتال، ودوري السلة الأميركية، وماكدونالد، ويمتلك العديد من العرب وصولاً سهلاً إلى هذه العناصر الجوهرية من الثقافة الأميركية. ومع ذلك، كانت الأشياء التي لا يمتلكونها هي التي أعجِب بها العرب أكثر ما يكون في الولايات المتحدة: الحرية، المساواة، التسامح، وحكم القانون. كان مما أدهشني أن أصدقائي الجدد على دراية جيدة بحوادث إطلاق عناصر من الشرطة الأميركية النار مؤخراً على رجال غير مسلحين من الأميركيين-الأفارقة. وهم يعرفون أيضاً أن الأتراك والأردنيين واللبنانيين والأكراد العراقيين تحملوا عبء أزمة اللاجئين السوريين؛ حيث قبلوا الملايين من اللاجئين، في حين قامت الحكومة الأميركية بفصل الأولاد عن آبائهم وأمهاتهم عند حدود البلد الجنوبية. وكرروا على مسمعي إعلان الرئيس دونالد ترامب أن الصحافة هي "عدو الشعب". بالنسبة للشرق أوسطيين مثل هؤلاء الرجال في مطعم البيتزا، لم تعد الولايات المتحدة بعد الآن تلك المدينة المتلألئة فوق التلة. وهم يدركون أن وعد أميركا لم يعد يتطابق مع الواقع، وأن الفجوة بينهما في اتساع مطرد. ولا شك في أن البعض، بل وحتى الكثير، من هذه النظرة المستهجِنة تجاه الولايات المتحدة لها علاقة بإدارة ترامب. فقد عمل حظر الرئيس لدخول المسلمين، وإيماءاته الخفية -وإنما غير الخفية تماماً- إلى القومية البيضاء، ورغبته في التشهير بالإسلام، عملت كلها على إقناع الناس بأن أميركا ليست ما زعمت أنها تمثله منذ فترة طويلة: الحرية، والمساواة، والتسامح. ومع ذلك، لست مقتنعاً بأن صورة أميركا الكئيبة على هذا النحو هي كلها انعكاس لتصرفات الإدارة الحالية. يبدو أن الاحتجاجات التي جرت في فيرغسون وميسوري في آب (أغسطس) 2014 على مقتل مايكل براون كانت نقطة تحول. وقد شاهد الناس في كل أنحاء العالم بعضاً من أسوأ ما في أميركا، في الزمن الحقيقي، عن طريق تغذيات وسائل الإعلام الاجتماعية وأخبار التلفزيون التقليدية. وبالنسبة للعرب والأتراك، لم تكن قنابل الغاز المسيل للدموع التي سقطت على الشوارع في فيرغسون تختلف عن قنابل الغاز التي سقطت على دوار اللؤلؤة في البحرين، أو شارع محمد محمود في مصر، أو ميدان الاستقلال في تركيا. وكان عدد كبير منهم أكثر من راغبين في اللجوء إلى "تويتر" لعرض وجهة نظرهم حول هذه النقطة. لا شك في أن النقاد سيجادلون بأنني أقيم تناظراً زائفاً بين الولايات المتحدة والحكومات الاستبدادية في الشرق الأوسط. لكن هذا ليس ما أقصده. إن الفروقات هائلة، وفي هذا العنصر المهم بشكل خاص: لم تكن أميركا في أي يوم متسمة بالكمال، لكن الأميركيين دائماً ما كانت لديهم أساطير إيجابية عن المساواة والديمقراطية، والتي يمكن أن يتطلعوا إليها ويستلهمونها على الدوام. ومن خلال تلك المثُل العيا، والأعراف والمبادئ، والمؤسسات، استطاعت الولايات المتحدة -مع مرور الوقت- تحقيق هذه التطلعات. ويبدو أن عدداً يتناقص باطراد من الناس في الخارج ما يزالون يصدقون ذلك الآن. ربما كانت النظرة القديمة إلى الولايات المتحدة غير واقعية ومشوهة بفعل النظارات الوردية التي تصنعها المسافة، لكنها كانت قوية مع ذلك. وقد منحت تلك النظرة الولايات المتحدة النفوذ والمكانة بفعل أشياء تتجاوز المعايير القياسية للقوة. ومن الواضح أن الناس في غواتيمالا، وهندوراس، والأماكن الأخرى في أميركا اللاتينية يستمرون في الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ملاذ آمن، لكن آخرين لم يعودوا واثقين إلى هذا الحد، بالنظر إلى القتامة والرياء والوحشية التي استولت على السياسة الأميركية في السنوات الأخيرة. لطالما كانت القوة الناعمة فكرة تنطوي على منحدرات زلقة، حتى لو أن ذلك لأن من الصعب قياسها. ومع ذلك، ساهم المزيج من المثل العليا التأسيسية للمؤسسة الأميركية، والمبادئ التوجيهية، وهزيمة الفاشية -وكذلك الشيوعية- في تكوين الفكرة بأن الولايات المتحدة استثنائية. وأصبح من البديهيات في الخطاب السياسي الأميركي القول إن البلد لا غنى عنه لضمان حرية العالَم وأمنه. وبدا أن الملايين من الناس من كل أنحاء الكوكب، من الذين سعوا إلى التعليم، أو الملاذ من الطغيان، إو تحقيق أحلامهم على الشواطئ الأميركية، يشكلون دليلاً دامغاً على هذا الزعم. مع ذلك، أصبحتُ ممزقاً بسبب شيوع هذه الفكرة عن الاستثنائية الأميركية. وتتسبب حقيقة أن الأجانب ربما لم يعودوا ينظرون إلى الولايات المتحدة كمنارة للديقراطية لي شخصياً بالضيق وتصيبني بالإحباط. وكشخص نشأ وبلغ سن الرشد في الثمانينيات وأوائل التسعينيات، أفهم أن هذا البلد كان بعيداً عن الاكتمال، لكنني اعتقدت دائماً بأن الولايات المتحدة، مع كل مشكلاتها، امتلكت القدرة على أن تبلي حسناً فيما يتعلق بمثلها العليا. وأنا أعرف أنها ما تزال تمتلك هذه القدرة. مع ذلك، أتساءل في الوقت نفسه عما إذا كانت هذه الاستثنائية الأميركية إيجابية في عيون الأجانب. ربما يكون من الأفضل لهم أن يروا الولايات المتحدة كمجتمع حي، مركب، ويتنفس، والذي يستطيع -على الرغم من عقيدته الفريدة، أن يكون -وقد كان- غير عادل في الوطن بقدر ما هو في الخارج. لا يبدو صحياً لأي أحد أن يؤمن بفكرة العناية الإلهية المقدسة التي تتمتع بها الولايات المتحدة. ذلك شيء يجعل الأميركيين راضين عن نوعية سياستهم ويعرض لغير الأميركيين مشهداً مشوهاً للبلد، حتى مع أن هذا بالضبط هو ما كان محبطاً ومثبطاً للهمة بالنسبة لأصدقائي في محل البيتزا الذي لا اسم له في روما. *كبير زملاء إني إنريكو ماتي لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في مجلس العلاقات الخارجية. آخر كتبه هو "الفجر الكاذب: الاحتجاج، الديمقراطية، والعنف في الشرق الأوسط". *نشر هذا المقال تحت عنوان: The Middle East Doesn’t Admire America Anymoreاضافة اعلان