العثور على لقاح هو الخطوة الأولى فقط

نغوزي أوكونجو-إيويالا* – (فورين أفيرز) 30/4/2020
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

اضافة اعلان

حتى في الظروف العادية، يمكن لقضايا النقل وسلسلة التوريد، والأنظمة التنظيمية، والاضطرابات المدنية، والصراعات، والكوارث الطبيعية أن تقوض جهود إيصال اللقاحات. ولكن، في خضم أزمة عالمية مثل وباء "كوفيد- 19"، من المرجح أن تكون العقبات اللوجستية أكثر صعوبة، خاصة في أكثر دول العالم فقراً.

  • * *
    أصبح من الواضح تماماً الآن أن العالم لا يمكن أن يخرج بالكامل من وضعه الحالي من الاغلاق بسبب فيروس كورونا المستجد حتى يتم العثور على لقاح ضد المرض. لم يحدث أبداً من قبل أن كان هذا القدر الكبير من الأرواح، وسبل العيش والاقتصادات، معتمدة بمثل هذا القدر على تدخل صحي واحد. ولكن، بينما يتسابق العلماء لتطوير لقاحات مرشحة محتملة، يجب على المجتمع الدولي أن يتذكر أن الهدف النهائي لا ليس مجرد إنتاج لقاح آمن وفعال فحسب، وإنما وضع حد للوباء. ولا يمكن أن يحدث ذلك إلا بعد إنتاج مليارات الجرعات بأسعار معقولة وإتاحتها للجميع، لا سيما في البلدان منخفضة الدخل.
    يتطلب مشروع على هذا النطاق منظورًا جديدًا: يجب تعريف اللقاحات على أنها منافع عامة عالمية. لا يمكن السماح للأجندات المحلية ولا للربح بأن تقود جهود أكبر عملية نشر للقاح في التاريخ. ويجب على الحكومات، وشركات الأدوية والمنظمات متعددة الأطراف، أن تعمل معًا لتطوير اللقاح وإنتاجه وإيصاله. وسيكون إنتاج وتوزيع مليارات الجرعات من لقاح جديد تحديًا في أفضل الأوقات. وسوف يتطلب القيام بذلك خلال تفشي جائحة جهداً عالمياً غير مسبوق.
    الحيلولة دون النقص
    تأمَّل فقط في النقص العالمي الأخير في معدات الحماية الشخصية ومجموعات الاختبار. ثمة حاجة إلى جهد دولي منسق لتجنب حدوث نقص في اللقاحات بشكل مماثل وللحيلولة دون بقاء أعداد كبيرة من الناس من دون تحصين. لسوء الحظ، كان التوزيع العادل للقاحات مشكلة في الماضي. وقد أدى الطلب المتزايد على لقاح فيروس الورم الحليمي البشري HPV في البلدان المتقدمة، على سبيل المثال، إلى إعاقة وصوله مؤخراً إلى الفتيات المراهقات الضعيفات في البلدان النامية.(1) وخلال جائحة إنفلونزا الخنازير،H1N1، في العام 2009، قدم عدد قليل من البلدان طلبات مسبقة كبيرة للقاح قبل أن يصبح متاحًا، حيث اشترت فعليًا معظم الإمدادات العالمية ولم تترك سوى القليل لبقية العالم.
    يجب أن يهدف العلماء بطبيعة الحال إلى تطوير أكثر من لقاح واحد. ولكن، حتى وجود العديد من اللقاحات الفعالة لن يضمن عدم الاكتناز، حيث ستكون الإمدادات محدودة في البداية. ومن واجب كل حكومة أن تضع مصلحة مواطنيها في المقام الأول، لكن هذا الواجب يتطلب أيضاً خلال هذا الوباء التفكير والعمل على الصعيد العالمي. فإذا أعاقت اتفاقيات التصنيع أو قيود التصدير نشر اللقاحات وسمحت للفيروس بالبقاء في أي مكان، فلن يكون هناك مكان آمن من الإصابة بالعدوى مرة أخرى.
    تتمثل إحدى طرق ضمان الإمداد المناسب والتوزيع العادل للقاحات في إزالة بعض الحواجز التي أوجدتها قوانين الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا، وتشجيع الشركات المصنعة والمجموعات البحثية على العمل معًا لتحقيق هدف مشترك. وبهذه الطريقة، عندما تظهر اللقاحات الآمنة والفعالة الأولى، يمكن للشركات المصنعة المتعددة البدء فوراً في إنتاجها في وقت واحد. وقد أبدى قطاع صناعة الأدوية مسبقاً بعض الاستعداد للسماح بذلك: أعلن "معهد الهند للأمصال" أنه لن يحتفظ بالملكية الفكرية لتركيبته المرشحة لتكون لقاحاً لـ"كوفيد- 19"، وأبرمت شركتا الأدوية العملاقتان GSK و Sanofi شراكة غير مسبوقة لتجميع مواردهما؛ ووافقت العديد من الشركات المصنعة على عدم التربُّح من لقاحات "كوفيد- 19". وهذا يبشر بالخير لمبادرة "مسرع أدوات الوصول إلى ‘كوفيد- 19’" (ACT) التي أطلقها قادة عالميون ومنظمة الصحة العالمية بهدف تسريع تطوير وإنتاج وتوزيع وسائل التشخيص والعلاجات واللقاحات الجديدة ضد "كوفيد- 19".
    يشكل ضمان إمكانية تصنيع لقاح بسرعة بمجرد تطويره تحديات كبيرة أيضاً. الآن، تقوم بتطوير العديد من اللقاحات المرشحة الأكثر وعداً ضد "كوفيد-19" منظمات تفتقر إلى قدرات التصنيع واسع النطاق. ونظرًا لأن بعض هذه المنظمات ستفشل حتمًا في اكتشاف لقاح قابل للعمل، فإنه يجب وضع آليات للحد من مخاطر الاستثمار في قدرات التطوير والتصنيع. ويعني القيام بذلك أن يكون بالإمكان إنتاج أفضل اللقاحات المرشحة بسرعة على نطاق واسع وجعلها متاحة لكل من يحتاج إليها، بغض النظر عن مكان وجوده على الكوكب.
    نهج جديد متطرف
    قد يبدو هذا مرتقى صعبًا، ولكن هناك سابقة بالفعل: قامت "جافي" Gavi، وهي شراكة صحية عالمية مكرسة لزيادة الوصول إلى التحصين ضد الأمراض حيث أعمل رئيسة لمجلس الإدارة، بإطلاق تجريبي لمرشد "التزام بتطور السوق" في العام 2009. وقد ساعدت آلية التمويل المبتكرة هذه مسبقاً على تسريع نشر اللقاحات. قبل ذلك، ربما كان سعر اللقاحات الجديدة، مثل لقاح مرض المكورات الرئوية الاجتياحية (PCV)، ليستغرق أكثر من عقد من الزمان حتى يهبط بما يكفي لتتمكن الدول الفقيرة من الحصول عليه. كان برنامج "التزام بتطور السوق" مغيرًا للعبة، حين جعل اللقاحات ميسورة التكلفة في هذه البلدان من خلال توفير حوافز للمصنعين الذين أنشؤوا فعلياً سوقًا حيث لم تكن هناك أي أسواق في السابق. وعمل البرنامج على مبدأ تخصيص الأموال لضمان سعر اللقاحات، بمجرد أن يتم ترخيصها، وبالتالي المساعدة في إزالة بعض المخاطر المرتبطة بالاستثمار في زيادة القدرة التصنيعية، مما يضمن بشكل أساسي وجود سوق في حال فعلت ذلك. وقد استخدمت "جافي" نهجًا مشابهًا لتسريع إنتاج لقاح الإيبولا في الوقت المناسب للمساعدة في منع موجة تفشي الوباء الأخيرة في جمهورية الكونغو الديمقراطية بحيث يصبح خارج نطاق السيطرة. وعلى الرغم من أن "كوفيد-19" هو مرض مختلف تمامًا، إلا أن آليات تمويل مماثلة يمكن أن تساعد في ضمان إتاحة اللقاحات بسرعة. ولأن مثل هذه الآليات ستتضمن اتفاقيات ملزمة قانونًا مع الشركات المصنّعة، فإنها ستساعد أيضاً على منع الاكتناز وتعزيز المساواة في الوصول إلى اللقاحات.
    ثم هناك التحدي المتمثل في تسليم اللقاحات. لن يكون ذلك شأناً واضحاً ومباشراً أيضًا. فحتى في الظروف العادية، يمكن لقضايا النقل وسلسلة التوريد، والأنظمة التنظيمية، والاضطرابات المدنية، والصراعات، والكوارث الطبيعية أن تقوض جهود إيصال اللقاحات. ولكن، في خضم أزمة عالمية، من المرجح أن تكون العقبات اللوجستية أكثر صعوبة، خاصة في أكثر دول العالم فقراً.
    كانت النظم الصحية في هذه البلدان ضعيفة مسبقاً قبل قدوم فيروس كورونا. وهي الآن تحت ضغط شديد -وليس بسبب الوباء فحسب. لقد زاد "كوفيد- 19" من خطر تفشي الأمراض الفتاكة الأخرى، مثل الحصبة وشلل الأطفال والحمى الصفراء. ذلك لأنه على الرغم من أن منظمة الصحة العالمية توصي بمواصلة برامج التحصين والتطعيم الروتينية حيثما أمكن أثناء الوباء، فقد كان عليها أن توصي أيضاً بتعليق حملات التطعيم ضد بعض الأمراض، والتي تستخدم عادة لسد فجوات التحصين، في العديد من البلدان من أجل الحد من خطر انتشار "كوفيد- 19"، وادخار الموارد الشحيحة للصحة العامة.
    هذا الواقع مقلق للغاية. ولا يقتصر الأمر على أن تعليق برامج التطعيم الروتينية الأخرى يؤدي إلى عدد لا يحصى من الوفيات التي كان بالوسع الوقاية منها؛ إن القيام بذلك يمكن أن يعيق أيضاً قدرة العالم على إنهاء جائحة فيروس كورونا نفسه. ذلك أن التفشيات الكبرى، سواء أثناء عمليات الإغلاق أو بعدها مباشرة، ستضع بشكل حتمي مزيداً من الضغط على النظم الصحية الوطنية الضعيفة.
    تسببت الانقطاعات في حملات التطعيم، والمرتبطة بفيروس كورونا، مسبقاً في بقاء نحو 13.5 مليون شخص على الأقل في البلدان التي تدعمها "جافي" من دون تطعيم. ومن الأهمية بمكان أن تستأنف البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل حملات التلقيح في أقرب وقت ممكن وأن تستمر في برامج التحصين الروتينية خلال فترة وجود الوباء. ففي نهاية المطاف، سوف تكون سلاسل التوريد، ومعدات سلسلة التبريد، والعاملون المدربون في مجال الرعاية الصحية، وأنظمة البيانات، وجهود مراقبة الأمراض التي تشكل هذه البرامج القائمة، بمثابة العمود الفقري لشبكة التوصيل التي ستوفر لقاحات "كوفيد- 19" للأشخاص الذين يحتاجون إليها.
    تحقيقاً لهذه الغاية، تعمل "جافي" مع البلدان لتعزيز أنظمتها الصحية والحفاظ على استمرار التحصين الروتيني. وقد وفرت الدفعة الأولى بقيمة 200 مليون دولار لحماية العاملين في مجال الرعاية الصحية بمعدات الحماية الشخصية، وأداء المراقبة الضرورية والتدريب، وتمويل الاختبارات التشخيصية. لكن هذا المبلغ هامشي مقارنة بمليارات الدولارات التي ستكون مطلوبة لتطوير وتسليم لقاح أو لقاحات يمكن أن تنهي الوباء الحالي. هذه لقاحات للبشرية جمعاء. وهذا يعني أن الأمر لا ينبغي أن يُقتصر على إتاحتها للجميع فحسب، وإنما يجب -من الناحية المثالية- اختبارها وتصنيعها في جميع أنحاء العالم أيضاً.
    ما يزال من غير المحتمل ترخيص لقاح قابل للاستخدام قبل مرولا 12 شهرًا أخرى على الأقل. لكن هناك حاجة إلى تحويل بعض التركيز الآن من السباق لتطوير لقاح إلى الاستعداد لوصوله (بما في ذلك محاولة العثور على علاجات إلى أن يصبح اللقاح جاهزًا). في الأعوام الأخيرة، كانت تعددية الأطراف والعولمة تحت الهجوم. وتشكل أزمة الوباء فرصة لدفع المجتمعات إلى التكيف والتحول من رأسمالية أصحاب الحصص إلى رأسمالية أصحاب المصلحة في الأداء أيضاً، وتعبئة جميع المساهمين حول هدف مشترك: عالم واحد، محمي. لأنه لن يكون أحد بأمان حتى يصبح الجميع بأمان.
  • Ngozi Okonjo-Iweala: رئيسة مجلس إدارة جافي Gavi، تحالف اللقاحات؛ والمبعوث الخاص لمنظمة الصحة العالمية للتعاون العالمي لمكافحة "كوفيد-19". شغلت سابقًا منصب وزير المالية في نيجيريا.
    *نشر هذا المقال تحت عنوان: Finding a Vaccine Is Only the First Step: No One Will Be Safe Until the Whole World Is Safe
    هامش:
    (1) فيروس الورم الحليمي البشري (بالإنجليزية: Human papillomavirus)‏ ويُدعى اختصاراً (HPV) هو مجموعة متنوعة من الفيروسات التي تضرب الحمض النووي، وتصيب الجلد والأغشية المخاطية للإنسان ومجموعة من الحيوانات. وهناك أكثر من 100 نوع من فيروس الورم الحليمي البشري. بعض تلك الأنواع يسبب دمامل جلدية حميدة، أو حليمات، وهي سبب تسمية الفيروس. وهناك مجموعة من نحو 30 نوع تنتقل تناسلياً. وفيروس الورم الحليمي البشري التناسلي شائع الانتشار، ويقدّر أن نحو 75% من النساء (بالغرب) يتعرضن للعدوى من واحد أو أكثر من أنواع هذه الفيروسات خلال حياتهن. (ويكيبيديا)