العراقيون المشردون.. مَن يتذكرهم

لاجئات عراقيات يبعن السجائر على الرصيف في دولة مجاورة - (أرشيفية)
لاجئات عراقيات يبعن السجائر على الرصيف في دولة مجاورة - (أرشيفية)

إليزابيت فيريس* – (فورين بوليسي) 18/3/2013

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

 

بالنظر إلى الأعوام العشرة الماضية من تاريخ العراق من خلال عدسة التشريد، يتكشف للمرء واقع معقد -لكنه مفهوم. فقبل الغزو الأميركي للعراق في آذار (مارس) من العام 2003، أعدت الوكالات الإنسانية العدة للتعامل مع تدفق جماهيري ضخم إلى الخارج من اللاجئين العراقيين. لكن هذا الأمر لم يحدث. بل كان ما حدث شكلاً أكثر دينامية وتعقيداً من التشريد. أولاً، عاد نحو 500.000 لاجئ عراقي ومشرد في الداخل ممن كان قد شردهم نظام الرئيس الراحل صدام حسين إلى أماكنهم الأصلية. ثم في الفترة من العام 2003 وحتى العام 2006، أعيد تشريد أكثر من مليون عراقي فيما كانت المليشيات الطائفية تخوض المعارك للسيطرة على ضواح بعينها. وفي شباط (فبراير) من العام 2006، رفع تفجير مقام الإمامين العسكريين وما تبعه من عنف أعداد المشردين العراقيين إلى رقم بلغ حوالي 2.7 مليون شخص. وفي فترة قاربت العام تقريباً هجرت نسبة قوامها 5 % من إجمالي المواطنين بيوتها واستقرت في أمكنة أخرى في العراق، بينما هرب نحو 2 مليون مواطن عراقي آخرين أو نحو ذلك من البلد برمته. ومن المهم التشديد على القول إن هذا التشريد لم يكن إفرازاً ثانوياً للصراع، وإنما جاء نتيجة لسياسات متعمدة من التطهير العرقي التي مارستها المليشيات المسلحة.
وكان المشردون في الداخل هم الشريحة المجتمعية الأكثر هشاشة -وربما أوضح علامة على نجاح التطهير العرقي، نظراً لأنه تم تفريغ العديد من الضواحي عن بكرة أبيها. وانتقل السنة والشيعة على حد سواء من مجتمعات مختلطة إلى مجتمعات حيث تشكل طائفتهم الغالبية. وبينما كان تشريد السنة والشيعة كبيراً، فإن تشريد الأقليات الدينية كان كاسحاً أكثر من ذلك بالمقارنة النسبية.
بالنسبة لأولئك الذين لم يستطيعوا العثور على مأوى مع عائلات أو أصدقاء أو عدموا الموارد لاستئجار مسكن، فقد عمدوا إلى احتلال البنايات العامة وبنوا مستوطنات (أكواخ) في أطراف بغداد وفي عموم البلاد. وعاش مئات الآلاف من العراقيين المشردين داخل البلاد —وما يزالون— في هذه المستوطنات غير الرسمية، حيث الظروف المعيشية قاسية وحيث يطاردهم شبح الإجلاء بلا توقف. وزاد هذا التشريد الواسع النطاق من وتيرة الضغط على الحكومة العراقية لتقديم الخدمات الأساسية، مثل الصحة والتعليم والتصريف الصحي والكهرباء والغذاء والمأوى.
واعتباراً من أيلول (سبتمبر) من العام 2012، ذكرت وزارة المشردين والمهجرين العراقية أنه ما يزال ثمة 1.3 مليون مشرد. (ومع ذلك، وإذا كانت الأرقام السابقة التي تحدثت عن 2.7 مليون صحيحة، فإن المرء يتساءل ماذا حدث مع ما يبلغ عددهم 1.4 مليون مشرد. هل اندمجوا في مجتمعاتهم الجديدة أم أنهم انتقلوا إلى أماكن أخرى في البلاد، أم أنهم انزلقوا أبعد – ببساطة- أسفل شاشة الرادار؟). أوردت واحدة من الوكالات الدولية التي ما تزال تراقب التشرد في العراق، المنظمة الدولية للهجرة، أنه يتوقع عودة القليلين من المشردين العراقيين الحاليين إلى منازلهم. وفي الحقيقة، فإن نسبة أولئك الذين يعربون عن الرغبة في العودة إلى منازلهم قد انخفضت من 45 % في العام 2006 إلى 6 % في العام 2012، غالباً بسبب الافتقار للأمن.
وفي الأثناء، يظل البعد الطائفي حياً وقوياً. وينظر القادة السياسيون المناطقيون إلى العودة المحتملة للمشردين المحليين العراقيين من خلال عدسات طائفية، ناظرين إلى عودة مجموعات معينة من منظور تأثيرها على التشكيلة المجتمعية لمنطقتهم وميزان القوة بين المجتمعات المختلفة.
وبالنسبة لأولئك الذين لا يريدون العودة إلى منازلهم، فإن التعقيدات والبيروقراطية الهائلة المتعلقة باستعادة ممتلكاتهم ما تزال مركبة، وستستغرق سنوات في أفضل الحالات. وتريد وزارة المشردين المحليين والمهجرين أن تغلق "ملف التشرد" عبر التوصل إلى حلول لأولئك المشردين، وقد عرضت محفزات نقدية لتشجيع الناس على العودة إلى مجتمعاتهم. لكن التوصل إلى حلول دائمة للمشردين المحليين في العراق ليس مسألة سهلة جداً، على ضوء الظروف الاقتصادية الصعبة بشكل خاص. وكما قال الممثل السابق للأمين العام حول حقوق الإنسان الخاص بالمشردين المحليين في العراق وولتر كايلين، قبل عامين، فإن حل مسألة التشرد في العراق هو حتمية تاريخية وتحد تنموي وموضوع حيوي من أجل تحقيق المصالحة وبناء السلام.
بينما يواجه المشردون المحليون في العراق ظروفاً صعبة يعوزها اليقين في داخل العراق، فقد واجه اللاجئون العراقيون الذين سعوا إلى السلامة والأمان في البلدان المجاورة نقاط ضعفهم الخاصة. وباستثناء العراقيين الفلسطينيين، فإن العراقيين الذين هربوا إلى البلدان المجاورة لا يعيشون في مخيمات، لكنهم موزعون في داخل مجتمعات. وقد جعل ذلك من الصعوبة بمكان تقدير أعدادهم بدقة وتقويم احتياجاتهم وتقديم المساعدات لهم. وقدرت الحكومة السورية عدد العراقيين الذين كانوا قد دخلوا إلى سورية بنحو مليون شخص، فيما قدر الأردن عددهم عند نصف مليون عراقي. ومع ذلك، فإن العدد الذي سجل لدى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين وتلقى مساعدات كان أقل من ذلك بكثير. وقد بقيت الحكومات المضيفة كريمة في سماحها للعراقيين بدخول بلدانها، لكن تلك السياسات ما تزال تتسم بالغموض في الوقت الذي لم يتلق فيه العراقيون صفة اللاجئين أبداً. (لم توقع أي حكومة من الحكومات التي تستضيف أعداداً ضخمة من العراقيين على معاهدة اللاجئين للأمم المتحدة للعام 1951)، ويُعتبر بعض العراقيين مقيمين بشكل شرعي. ومع أنه يتم تسجيلهم في بعض البلدان، فإنه لا يسمح لهم بالعمل. ويدرج العديد من العراقيين على العودة إلى العراق والسفر منه في أنماط هجرة مكوكية –مثلاً: لتفقد الممتلكات أو لتحصيل الرواتب التقاعدية.
تقول أحدث الأرقام المستندة إلى تقديرات حكومية، أن هناك نحو 1.428.308 من اللاجئين العراقيين في الأردن وسورية، يتلقى منهم 135.000 فقط مساعدات من المفوضية العليا لشؤون اللاجئين. ومنذ أن بلغت الأرقام أوجها في العام 2009 عاد بعض العراقيين إلى العراق. ووفق المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، فإن ما يصل إلى 250.000 عراقي عادوا إلى العراق بين العامين 2008 و2011، لكن معظمهم لم يستطيعوا العودة إلى منازلهم، وانضموا بدلاً من ذلك إلى صفوف العراقيين المشردين محلياً. وقد أعيد توطين بعض العراقيين خارج المنطقة: أكثر من 85.000 لاجئ عراقي على مدار العقد الماضي؛ 72 % منهم توجهوا إلى الولايات المتحدة. ومن المفاجئ أنه تمت إعادة توطين أكثر من 3000 عراقي خارج سورية في العام الماضي، بشهادة من موظفي المفوضية العليا لشؤون اللاجئين الشجعان في دمشق عن سوء طالع العراقيين الذين يريدون الهروب من الصراع في سورية. وقد آتت إعادة توطين اللاجئين أكلها، لكنها ما تزال عملية مطولة وبيروقراطية: في بعض الحالات، تفضي الإجراءات الأمنية المعززة إلى حالات تأخير تمتد لسنوات.
اليوم، يواجه اللاجئون العراقيون في كل المنطقة دعماً مذبذباً من الجهات المانحة، خاصة مع تزايد متطلبات اللاجئين السوريين. وبالنسبة لمئات الآلاف من العراقيين الذين مكثوا في داخل سورية، أصبحت الأوضاع خطيرة. وقد تشرد البعض منهم في داخل سورية، وانتقل بعض العراقيين إلى بلدان أخرى في المنطقة (مع أنهم واجهوا ترحيباً غير أكيد من بعض الحكومات التي تواجه تدفقات جديدة من السوريين).
وقد اختار الكثيرون -ربما 100.000— من العراقيين العودة إلى العراق في العام الماضي (وعلى ضوء العنف الدائر في سورية، تصعب رؤية ذلك على أنه كان قراراً طوعياً). وبالنسبة لأولئك الذين عادوا إلى العراق، فإنهم إما جمعوا في مخيم تمت إقامته على عجل على طول الحدود العراقية السورية (التي تقفل في الغالب)، أو أنهم أصبحوا ببساطة عراقيين مشردين محليين.
وكان معظم الذين هربوا من منازلهم في العراق —سواء بسبب الأعمال العدائية لنظام صدام حسين أو عنف الصراع الطائفي— قد غادروا على جناح السرعة. واستغرقت الرحلات لبلدات عراقية أخرى أو عبر الحدود مع البلدان المجاورة ساعات أو أياماً، أو في بعض الحالات بضعة أسابيع. وقد اعتقد العديدون بأن التشريد كان مؤقتاً وأنهم سيعودون عندما تستقر الأمور في بلدهم. لكن هذا الوضع مضى عليه حتى الآن عشرة أعوام —ستة أعوام منذ تفجيرات شباط (فبراير) من العام2006 التي تسببت بعملية تشريد جماعي —فيما تبدو الحلول الأمنية والدائمة بعيدة المنال كما كان حالها دائما.
الآن، لم يعد هناك سوى النزر اليسير من الضغط أو الاهتمام باللاجئين كما والمشردين العراقيين المحليين. وما يزال هناك نحو 3 ملايين شخص —10 % من المواطنين العراقيين— هم مشردون ومنسيون.

اضافة اعلان


* زميلة رفيعة في "السياسة الخارجية" ومديرة مشاركة في مشروع بروكينغز (إل اس إي) الخاص بالتشرد المحلي.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
 Remembering Iraq’s displaced

[email protected]