العولمة: التحدي الكبير

الحفاظ على العالم يحتاج تضافر جهود جميع قاطنيه - (أرشيفية)
الحفاظ على العالم يحتاج تضافر جهود جميع قاطنيه - (أرشيفية)

مجموعة من الاختصاصيين - (ليبراسيون)

ترجمة: مدني قصري
تنطوي العولمة على قوة هائلة لتغيير المجتمعات: التغيير عن طريق الاقتصاد، والتغيير عن طريق فتح التبادلات، والتغيير الثقافي، لأن هذه التبادلات هي التي تتيح تداول الأفكار، وتقوم بتحويل الممارسات الثقافية والعادات، ثم التغيير السياسي، ما دام ظهور الاهتمام المشترك يستدعي خلق إرادة مشتركة لمواجهة كل الصعوبات.اضافة اعلان
 ومع ذلك، فإن العولمة، على نحو ما يجري تطبيقها في الوقت الحالي، هي أبعد ما تكون عن تلبية التوقعات المشروعة التي ما فتئت تعِد بها. فقد صارت الأزمة الاقتصادية العالمية تُفاقم التنافس بين الدول والمجتمعات. وهي تضرب أكثر الناس ضعفا ووهنا، ولا سيما العمال والشباب. وهي تؤثر على جميع البلدان بلا استثناء، سواء من حيث حالة الركود أو حالة النمو. وأكثر من ذلك، فهي تدفع الحكومات إلى تأجيل القرارات للوقاية من تقلبات المناخ، في حين يهدد استنزاف الموارد الطبيعية وتدهورها بالوصول إلى نقطة اللاعودة، في غياب اتخاذ إجراءات توافقية سريعة.
فلنقلْ ذلك بوضوح أكثر: إن العولمة، اليوم، صارت تُقسّم، أكثر مما توحد وتجمع. وقد أظهرت سياسات التقشف وحدها حدودَها الضيقة في الخروج من الأزمة. إن الانتعاش ما يزال بعيد المنال، في حين أصبحت جميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية مهددة بالخطر في كل مكان. ولذلك، لا بد من تنفيذ سياسات النمو في أقرب الآجال الممكنة. وبتحقيق هذا الشرط وحده تستطيع العولمة أن تضمن احترام التماسك الاجتماعي، واحترام البيئة.
لقد بات تطبيق شكل جديد من الحكم أمراً ضروريا وملحاً من أجل تنظيم الصراعات ما بين الدول والأمم، ومن أجل ضمان السلام من جهة، والسماح لكل دولة بتحقيق نموذج المجتمع الذي تختاره هي، من جهة أخرى. ولذلك يتعين على الحكومات توفير بيئة مناسبة تكفل لكل فرد الحصول على الفرص المواتية لتحقيق قدراته الفردية. كما أن عليها أيضاً أن تسعى للحفاظ على هذه البيئة للأجيال المقبلة.
هناك عالم جديد في طور المخاض الآن لكي يواجه تحديات العولمة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والسياسية. وقد أصبح المجتمع المدني العالمي حقيقة واقعة. وهناك سياسات مجدِّدة، وهناك أشكال أخرى للحكم تنشأ اليوم في كل قارة، ولا سيما في البلدان الصاعدة والنامية. كما يعاد تشكيل الهيئات المتعددة الأطراف أيضاً. ولا شك أن ظهور مجموعة البلدان العشرين يعكس التوازن العالمي المتغير، إلا أن تأثير هذه المجموعة الذي ما يزال محدودا، ويوضح صعوبة وصول الحكومات إلى اتفاق، والوصول إلى العمل معا.
إن الإجابات عن الأسئلة التي تطرحها العولمة لا تفرض نفسها بنفسها، وإنما تُبنَى من خلال الحوار، ومواجهة وجهات نظر الخبراء بعضها بالبعض الآخر، كما تُبنى أيضا بحشد الفاعلين والشعوب، حشدا واسعا.
لهذا السبب، وبعد نجاح منتدى التقدم الاجتماعي الذي انعقد في باريس في يومي 11 و12 كانون الأول (ديسمبر)، فإننا نوجّه إلى المؤسسات السياسية التقدمية الأخرى، وإلى المعاهد في جميع أنحاء العالم، هذا النداء: علينا أن نحفز ونعزز مبادرة "مؤسسات التقدم الاجتماعي" لأنه، بدافع وفائنا لقدراتنا ولرسالتنا، يجب أن نجتمع معا وبانتظام، لكي نناقش ونستمع ونقترح، وعلينا أن نبرز ونفعّل التقارب والتوافق، وأن نجتمع لكي نؤثّر على سير العالم. إنّ المخاطر التي باتت تثقل كاهل الإنسانية جسيمة جداً، بل هي أضخم من أن نكتفي بإدارة مشاكلنا على المدى القصير وحده.
إننا نعوّل على الثقة في قدرة الإنسان على تجديد نفسه، وعلى الطاقة الإبداعية التي يحملها مجتمعُ العالم، من أجل الخروج من الأزمة المستدامة، ومن أجل وضْع أسس مستقبلٍ مشترك ومتناغم.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:  Mondialisation : L’immense défi