المحافظون البريطانيون منقسمون بشدة حول الحرب في غزة وإسرائيل

النائب السابق آلن دانكن من حزب "المحافظين"، قد يطرد بسبب معارضته "المتطرفين" المؤيدين لإسرائيل في الحزب - (المصدر)
النائب السابق آلن دانكن من حزب "المحافظين"، قد يطرد بسبب معارضته "المتطرفين" المؤيدين لإسرائيل في الحزب - (المصدر)

أندرو غرايس* - (الإندنبدنت) 2024/5/12



في حين تدرس المملكة المتحدة فرض حظر على مبيعات الأسلحة لإسرائيل، يشكل الصراع الداخلي في حزب "المحافظين" تهديداً للنهج الذي تتبعه الحكومة البريطانية في التعامل مع صراع حقيقي في الشرق الأوسط.
*   *   *    
منذ أشهر عديدة، توحد "المحافظون" في المملكة المتحدة، المنقسمون عادة على قضايا كثيرة، بشكل غير عادي، بشأن الصراع القائم بين إسرائيل و"حماس". وفي المقابل، وجد حزب "العمال" المعارض نفسه عاجزاً عن إخفاء انقساماته الداخلية، بحيث مارس عدد من نوابه ضغوطاً على زعيم الحزب، كير ستارمر، لاتخاذ موقف أكثر صرامة ضد إسرائيل، وسط الأحداث المروعة التي تدور في قطاع غزة.

اضافة اعلان


لكن الأدوار انقلبت مؤخرًا. في أعقاب مقتل سبعة من عاملي الإغاثة في غزة، يقف حزب "العمال" متراص الصفوف إلى حد كبير في مطالبة الحكومة البريطانية بوقف صادرات الأسلحة إلى إسرائيل إذا ما خلصت استشارة قانونية إلى تأكيد حدوث انتهاكات لـ"القانون الإنساني الدولي".

 

يشار هنا إلى أنه حتى في الوقت الراهن، يظل موقف حزب "العمال" أكثر حذراً من موقف "الحزب القومي الاسكتلندي"، وحزب "الديمقراطيين الأحرار"، و"حزب الخضر"، وهي القوى السياسية التي طالبت بفرض حظر غير مشروط على صادرات السلاح إلى إسرائيل.


تجدر هنا ملاحظة أن الدعم التاريخي من جانب حزب "العمال" البريطاني للقضية الفلسطينية لطالما شكل مصدر قلق لزعيمه كير ستارمر. وفيما ظل الجناح المؤيد للعرب داخل حزب "المحافظين" -الذي كان صاخباً في الماضي- صامتاً نسبياً، يمكن القول إن "المحافظين" في غالبيتهم الساحقة يؤيدون إسرائيل، بحيث يشكل "أصدقاء إسرائيل المحافظون" مجموعة ضغط شديدة التأثير داخل الحزب.


إلا أن "المحافظين" أظهروا في الوقن الراهن انقساماً في شأن بيع الأسلحة لإسرائيل. ويتعرض ريشي سوناك لضغوط من جانب بعض أعضاء البرلمان "المحافظين" في "مجلس العموم" و"مجلس اللوردات"، لفرض هذا الحظر، على الرغم من أنهم يمثلون أقلية.

 

وأشعل آلن دانكن وزير الدولة السابق في وزارة الخارجية، نزاعاً حامياً داخل حزب "المحافظين"، من خلال دعوته عبر صحيفة "اندبندنت" إلى فرض حظر على مبيعات الأسلحة. وقد تتسبب مقابلات إذاعية لاحقة -دعا فيها إلى اتخاذ إجراءات ضد الذين وصفهم بأنهم "متطرفون" يؤيدون إسرائيل داخل حزب "المحافظين"، بمن فيها أعضاء في الحكومة- بطرده من الحزب.


وسرعان ما اتهم دانكن باستخدام "مضامين نمطية معادية للسامية"، عندما أشار إلى أن بعض البرلمانيين البريطانيين "ينفذون أوامر" بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي.
وعلى الرغم من الموقف الثابت الذي يتخذه دانكن حيال إسرائيل، فقد اختار توقيتاً محدداً لتدخله عبر صحيفة "اندبندنت"، تزامن مع فورة غضب عالمية على مقتل عاملي الإغاثة. ومن شأن طرده من الحزب أن يبعث بإشارة مقلقة للغاية إلى الرأي العام البريطاني.


تسللت الانقسامات داخل حزب "المحافظين" على موضوع بيع الأسلحة لإسرائيل إلى مجلس الوزراء نفسه، وفيما يتأنى رئيس الحكومة ريشي سوناك في تنفيذ حظر الأسلحة، يبدو أن وزير خارجيته ديفيد كاميرون يميل إلى هذا الاتجاه.

 

وفي الوقت نفسه يحض وزراء آخرون في الحكومة رئيسهم على التدخل ومنع وزير الخارجية من المضي في اتخاذ مثل هذه الإجراءات. وعلى الرغم من المؤشرات التي تدل على أن موقف وزارة الخارجية البريطانية تجاه إسرائيل أصبح أكثر صرامة من الناحية القانونية، إلا أن كاميرون التزم الصمت بشكل ملحوظ حيال هذه المسألة، مما يؤكد وجود مزيد من الخلافات داخل الحزب. إلا أنه أكد لصحيفة "ديلي ميل" الجمعة أنه وسوناك "متفقان تماماً" ويتشاركان وجهة النظر نفسها "من الموضوع".


يشار إلى أن رئيس الوزراء البريطاني عادة ما يسمح لديفيد كاميرون بممارسة مقدار كبير من الاستقلالية. ولعل أحد أسباب التي حدت بسوناك إلى إعادة كاميرون إلى الحكومة، هو تخفيف عبء مسؤوليات الشؤون الخارجية عنه، خصوصاً في سنة انتخابات عامة في البلاد. وينظر دبلوماسيون بريطانيون إلى كاميرون باحترام كبير، ويعتبرون أن نفوذه السابق عندما كان رئيساً للوزراء، يمكن أن يساعد المملكة المتحدة في تحقيق هدفها المتمثل في أن يكون لها حضور عالمي كبير يفوق وزنها. وقال لي أحد المسؤولين إنه "يتمتع بالثقة، ويبدو مصمماً على ترك بصمته قبل انتهاء فترة ولايته في منصبه".


ولعله ليس من قبيل المصادفة أن تلمح مجموعة من كبار المسؤولين السابقين في وزارة الخارجية علناً إلى ما يحتمل أن يفكر فيه كاميرون سراً -وهو فرض حظر على مبيعات الأسلحة لإسرائيل.


وكان وزير الخارجية سباقاً في انتقاد التكتيكات الإسرائيلية في قطاع غزة، متقدماً على الاتجاهات الدولية والمحلية في هذا الإطار. وأثار موقفه إحباطاً لدى كل من أعضاء البرلمان من حزب "العمال" الذين يطالبون زعيمهم كير ستارمر باتخاذ إجراءات أقوى، و"المحافظين" الذين يعتبرون أن موقف كاميرون هو متطرف للغاية.


يشار هنا إلى أن ريشي سوناك قد يتأثر لجهة تعاون إسرائيل في تبادل معلومات استخبارية مهمة مع بريطانيا، تتعلق بدول أخرى في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يعتبره أعضاء البرلمان من "المحافظين" المؤيدين لإسرائيل أمراً حيوياً لأمن المملكة المتحدة في مواجهة التهديدات الإرهابية. إلا أن المطلعين على ما يجري داخل دوائر وايتهول الحكومية، يرون أن تشارك المعلومات الاستخبارية هو أمر فيه مصلحة متبادلة، وبالتالي فإن إسرائيل لن تقطع بالضرورة تلك العلاقات رداً على حظر الأسلحة عنها.


على المستوى الرسمي، ما تزال الحكومة البريطانية تنتظر نتائج استشارة قانونية طلبتها، وتتعلق بما إذا كانت إسرائيل تنتهك فعلاً "القانون الإنساني الدولي". وفيما تعتبر الحكومة أن مثل هذه النصائح يجب أن تظل سرية، إلا أنه كانت هناك استثناءات، كما حدث خلال حرب العراق في العام 2003 ومع "بريكست" في العام 2018. وبغض النظر عن الاعتبارات القانونية والسياسية، فإنه يمكن للحكومة -لا بل يجب عليها- أن تتخذ موقفاً أخلاقياً على الفور. إن لم يكن الآن فمتى؟


وعلى الرغم من أن حظر المملكة المتحدة مبيعات الأسلحة لإسرائيل سيكون بمثابة خطوة رمزية إلى حد كبير، نظراً إلى الكمية الصغيرة من الأسلحة التي تبيعها المملكة المتحدة لإسرائيل، إلا أنه سيكون لها وزن بسبب وضع بريطانيا حليفاً رئيساً لدولة إسرائيل.

 

من هنا يتعين على الحكومة التعاون مع دول الاتحاد الأوروبي لتنفيذ الحظر على مستوى أوروبا. ويفترض أن يمنح القرار الرائد الذي اتخذه رئيس الولايات المتحدة جو بايدن -القاضي بربط الدعم الأميركي لإسرائيل باتخاذها إجراءات "لمعالجة الأضرار التي لحقت بالمدنيين" في غزة، و"المعاناة الإنسانية" التي تسببت بها- رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك هامشاً أكبر للتحرك.


ويرجع إحجام رئيس الوزراء البريطاني عن اتخاذ هذا الإجراء بشكل جزئي إلى ضغوط نواب حزبه المؤيدين لإسرائيل. وكما هو متوقع، فإن منتقديه في جناح اليمين -بمن فيهم زميله في حزب "المحافظين" ديفيد فروست- يصورون الدعم الثابت لإسرائيل باعتباره اختباراً حقيقياً لقيادته، خصوصاً أنهم يستعدون للقيام بمحاولة انقلاب أخرى عليه بعد الانتخابات المحلية في البلاد المقررة في الثاني من أيار (مايو) المقبل.

 

وفي حين أن نتائج الانتخابات ستكون عاملاً مهماً في هذا الإطار، فإن احتمال حظر الأسلحة قد يدفع ببعض "المحافظين" إلى الضغط من أجل التصويت على الثقة في ريشي سوناك كزعيم للحزب. وعلى الرغم من أن ضعفه داخل حزبه ينبغي ألا يملي السياسة الخارجية للمملكة المتحدة، إلا أنه يؤثر عليها بلا شك.


وستكون مسألة دعم إسرائيل أيضاً بمثابة اختبار حاسم في المنافسة المقبلة على زعامة حزب "المحافظين" البريطاني، سواء حدثت قبل الانتخابات العامة أو بعدها. وسبق لوزيرة الداخلية السابقة سويلا برافرمان (التي تنوي المنافسة على قيادة الحزب) أن حددت موقفها من هذه القضية.


يبقى القول أخيراً إن "المحافظين" الذين يعانون انقساماً عميقاً بالفعل في ما يتعلق بالشؤون الداخلية، أضافوا نقطة خلاف أخرى على أجندتهم. فالمواجهة أو "الحرب الأهلية" داخل الحزب، تمتد الآن إلى حرب حقيقية تدور في الخارج.

*أندرو غرايس: كاتب سياسي.

 

اقرأ المزيد في ترجمات :

  إلى أي مدى يجب أن تقلق بريطانيا من عودة "داعش"؟