المحطة القادمة للدبلوماسية النووية

صاروخ باليستي كوري شمالي في عرض عسكري - (أرشيفية)
صاروخ باليستي كوري شمالي في عرض عسكري - (أرشيفية)

كرستوفر آر. هِل*

دنفر- بدأ الحصاد الدبلوماسي للاتفاق الذي أُبرم في الصيف الماضي، والمتعلق ببرنامج إيران النووي. فعندما انحرفت قوارب البحرية الأميركية خطأ إلى داخل المياه الإقليمية الإيرانية هذا الشهر -وهو تطور كان يمكن حتى قبل عام فقط أن يثير أزمة- تم احتجازها لفترة قصيرة فحسب. وفي الأسبوع نفسه، أفرجت إيران أيضاً عن خمسة سجناء أميركيين، وقامت بتصدير ما لديها من اليورانيوم المخصب، طبقاً لمتطلبات الصفقة النووية. كما دخل البلد مجدداً أسواق النفط العالمية.اضافة اعلان
ما يزال أمام العلاقات مع إيران طريق طويل لتقطعه، وليس فيما يخص مراقبة تقيدها بالصفقة النووية فحسب، وإنما أيضاً تشجيع قادتها على تغيير نهجهم الإقليمي، بما في ذلك تحسين علاقات بلدهم مع العرب السنة، وخاصة المملكة العربية السعودية. ولكن، مهما يكن من أمر، فإن من المؤكد أن إيران قد قدمت عرضاً جديداً واعداً على التعاون، والذي يستحق المتابعة على الرغم من المخاطر.
مع ذلك، ليست إيران هي الدولة المتقلبة الوحيدة التي لديها طموحات نووية. فمن الدول التي تتمنى أن تكون نووية أيضاً، كوريا الشمالية، التي أظهرت القليل من الاهتمام بالتفاوض على صفقة. وعلى العكس من ذلك، يبدو أن الزعيم الكوري الشمالي، كيم يونغ أون، يحث علماءه ومهندسيه على تسريع تطوير أسلحة نووية. وتروق إمكانية تهديد العالم له إلى درجة أنه لا يريد التخلي عنها -حتى لو أن ذلك يعني البقاء في عزلة غير جميلة على الإطلاق.
على الرغم من أن كوريا الشمالية لا تعد دولة مسلحة نووياً على المستوى الرسمي، فإنه يمكنها مع استمرار أبحاثها وبرامج التطوير فيها من دون انقطاع، أن تصبح كذلك في القريب العاجل. وفي الحقيقة، قامت كوريا الشمالية بتاريخ 6 كانون الثاني (يناير) بإجراء ما يبدو أنه اختبار نووي ناجح. وعلى الرغم أنه لم يكن على الأرجح قنبلة هيدروجينية كما ادعى الإعلام الكوري الشمالي، فإن لديه مهما كان -قنبلة ذرية على الأرجح- ما يكفي من القوة التفجيرية ليشكل تهديداً خطيراً.
من الواضح أنه يتوجب عمل شيء لكبح جماح الطموحات النووية لكوريا الشمالية. ولكن الصين -البلد الوحيد الذي يحتفظ بعلاقة طبيعية مع الشمال، بما في ذلك من خلال توفير المساعدات الحيوية- تعرضت لانتقادات واسعة بسبب عدم رغبتها في اتخاذ موقف حازم. وحتى دونالد ترامب -المرشح المفترض الأوفر حظاً لنيل ترشيح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة، والذي لا يتمتع بأي خبرة في السياسة الخارجية- يقر بالحاجة إلى التعبير عن موقف صيني أقوى من كوريا الشمالية، على الرغم من أن ترامب كعادته يرفق هذا التأكيد المنطقي باقتراح مريب يتعلق بضرورة قيام الولايات المتحدة الأميركية بقطع علاقاتها التجارية مع الصين.
لكن قلة من الناس هم الذين يعترفون بأن الصين لا يمكنها تحمل المسؤولية منفردة عن جعل كوريا الشمالية دولة منضبطة. وفي واقع الأمر، يجب على الولايات المتحدة الأميركية وبقية العالم أن يتبنوا سياسات تدعم التوصل إلى هذه النتيجة.
يمتلك وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، سجلاً حافلاً من الجرأة في التعامل مع القضايا الصعبة، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط. ولكن على كيري أن لا ينسى تحويل انتباهه إلى قضايا أمن الشرق الآسيوي كذلك. ومع وجود الدبلوماسية الذكية التي تساعد في حدوث توافق بين أهداف القوى ذات العلاقة، فإنه يمكن لكيري أن يحدث الفرق بهذا الخصوص.
لسوء الحظ، لجأ كيري إلى توجيه الاتهامات عوضاً عن ذلك. وقد أعلن مؤخراً للصحافة أنه أخبر وزير الخارجية الصيني، وانغ ياي، على الهاتف بأن نهج الصين الناعم تجاه كوريا الشمالية قد فشل. ولا يوجد أحد يمكن أن يستمتع بتوجيه الانتقاد إليه عبر الصحافة. كما أن الصين هي أقل اعتياداً على مثل ذلك مقارنة بالآخرين. وعليه، فإن من غير المفاجئ أن الصينيين سارعوا إلى إصدار بيان يضعون فيه اللوم على عدم إحراز تقدم مع كوريا الشمالية على عاتق الولايات المتحدة الأميركية.
والصينيون محقون، فقد نجحت سياسة الولايات المتحدة القائمة على الصبر الاستراتيجي، مثلها مثل سياسة الصين القائمة على الإقناع الودي، فقط في السماح لكوريا الشمالية بتعزيز طموحاتها النووية.
إذا كان إقناع الصين باتخاذ موقف أقوى فيما يتعلق بكوريا الشمالية هدفاً رئيسياً للسياسة الأميركية، فإنه يتوجب عليها استخدام المستوى المناسب من الجهد الدبلوماسي والعمل مع الصين على تطوير حلول جديدة. وعلى الرغم من أن العلاقات الأميركية-الصينية معقدة للغاية، وتعمل طبقاً لدينامية غالباً ما تتميز بالمنافسة -وحتى بالمواجهة وأحيانا- فإن الجانبين ليسا غريبين عن التعاون في الأمور ذات الاهتمام المشترك، من نوع الأمور التي يمكن أن تحد من البرنامج النووي لكوريا الشمالية.
أطلقت الولايات المتحدة الأميركية والصين في العام 2003 المحادثات السداسية مع كوريا الجنوبية واليابان وروسيا وكوريا الشمالية، والتي هدفت إلى التفاوض من أجل إنهاء البرنامج النووي الكوري الشمالي. وبعد ذلك بسنتين، تم الاتفاق على بيان مشترك ينص على التزامات الدول المعنية، بما في ذلك متطلب أن تقوم كوريا الشمالية بالتخلي عن جميع برامجها النووية. وللأسف، لم تتقيد كوريا الشمالية بالتزاماتها الواردة في الاتفاق، حتى بعد جولات عدة من المحادثات بحيث وصلت المبادرة الدبلوماسية إلى طريق مسدود في العام 2009.
لكن على الدول ذات العلاقة أن تستمر في العمل على المقاربات المشتركة. وبالنسبة للصين، فإن هذا يعني زيادة الحوافز الاقتصادية لكوريا الشمالية من أجل تغيير سياساتها النووية. وبالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، يعني هذا الذهاب أبعد من مجرد الاكتفاء بتشجيع الصين على عمل المزيد، وذلك عن طريق تقديم دعم حقيقي للجهود الصينية، وإجراء مناقشة صريحة، والتي يجب أن تبقى ضمن القنوات الدبلوماسية التقليدية.
تظهر تجربتنا السابقة مع إيران أن بإمكان الدبلوماسية إحراز النجاح، حتى في الحالات التي تبدو مستعصية. وقد حان الوقت لتطبيق نفس التعاون والالتزام بتحقيق اختراق بطريقة مجدية وقابلة للحياة، من أجل إحراز تقدم فيما يتعلق بإنهاء الطموحات النووية لكوريا الشمالية.

*مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون شرق آسيا. كان قد عمل سفيراً للولايات المتحدة لدى كل من العراق وكوريا الجنوبية ومقدونيا وبولندا، والمبعوث الأميركي الخاص لكوسوفو، ومفاوضاً في اتفاقات دايتون للسلام، وكبير المفاوضين الأميركيين مع كوريا الشمالية في الأعوام ما بين 2005-2009. وهو حالياً عميد كلية كوربل للدراسات الدولية في جامعة دنفر، ومؤلف كتاب "المخفر الأمامي".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".