المستوطنات وكتلة "حزب الصهيونية الدينية" في الكنيست

وحدات استيطانية غير شرعية في الضفة الغربية المحتلة - (أرشيفية)
وحدات استيطانية غير شرعية في الضفة الغربية المحتلة - (أرشيفية)
(معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 22/11/2022 أليكس هاريس؛ وساندر آيزن* يشير تحليل الانتخابات الخمسة الأخيرة للكنسيت الإسرائيلي إلى أن التركيبة السكانية للمستوطنات لعبت دورًا كبيرًا في صعود كتلة قومية متشددة من اليمين المتطرف في إسرائيل. * * * اعتبر الجمهور الإسرائيلي والمجتمع الدولي أن الدورات الخمس المتتالية لانتخابات الكنيست التي عقدت ما بين العامين 2019 و2022 كانت بمثابة استفتاء على قيادة بنيامين نتنياهو. ومع ذلك، يوفر الوضع غير المسبوق في إسرائيل والمتمثل في إجراء خمس دورات انتخابية متتالية لمحةً فريدةً عن الطرق التي تغيرت بها وجهات النظر السياسية في هذا البلد على مدى فترة زمنية قصيرة. وتُظهر نتائج التصويت في تلك الفترة الانقسامات المتعمقة داخل المجتمع الإسرائيلي. ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو النجاحات الملحوظة التي حققتها كتلة دينية قومية متطرفة من اليمين المتطرف تمكنت من إيصال صوتها. وفي حين أن هذه الكتلة فشلت في تجاوز العتبة الانتخابية في نيسان (أبريل) 2019 وأيلول (سبتمبر) 2019 وآذار (مارس) 2020، إلا أنها تمكنت من اقتناص ستة مقاعد في آذار (مارس) 2021، وحصلت مؤخرًا على أربعة عشر مقعدًا في الانتخابات التي أجريت في تشرين الثاني (نوفمبر) من هذا العام، لتصبح ثالث أكبر حزب في الكنيست. الصعود الأخير للتيار المحافظ المتشدد في إسرائيل بشكل عام، عززت حركة المحافظين الإسرائيلية وضعها ببطء منذ أكثر من قرن، بدءًا من الزعيم اليميني التعديلي، فلاديمير جابوتنسكي، أثناء فترة الانتداب البريطاني، إلى النجاح غير المتوقع لمناحيم بيغن كأول رئيس للوزراء من خارج حزب العمل، وشغل خليفته، نتنياهو، منصب رئيس الوزراء لأطول فترة زمنية في إسرائيل. كما تشير الاتجاهات إلى أن النزعة المحافظة في إسرائيل آخذة في الازدياد؛ حيث يُظهر الآن "مؤشر الديمقراطية الإسرائيلية" للعام 2021 -وهو دراسة سنوية يجريها "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" غير الحزبي- أن ما يقرب من 75.9 في المائة من اليهود الإسرائيليين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا يعرّفون عن أنفسهم على أنهم ينتمون إلى اليمين المعتدل (34.9 في المائة) أو إلى اليمين (41.0 في المائة)، وذلك مقابل (56.6 في المائة) من الإسرائيليين اليهود الذين تبلغ أعمارهم أكثر من 55 عامًا. ولكن، مع ترسيخ "حزب الليكود" لنفسه كحزب محافظ في مؤسسة البلاد السياسية، فقد استضاف اليمين الإسرائيلي أيضًا مجموعة من الأصوات السياسية الأكثر تعصبًا من أصحاب النزعة القومية المتطرفة. وقد شهدت نتائج انتخابات الكنيست التي أجريت في آذار (مارس) 2021 شهدت بروز "حزب الصهيونية الدينية" -بما في ذلك حزب "عوتسما يهوديت" الكاهاني و"حزب نعوم" الذي يركز على مناهضة مجتمع الميم- فوز هذا الحزب بستة مقاعد و5 في المائة من الأصوات الوطنية، وصار معارضًا لحكومة الوحدة التي قادها لبيد-بينيت. ومع ذلك، طغت نتائج انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) 2022 التي فاز فيها "حزب الصهيونية الدينية" بأربعة عشر مقعدًا وحوالي 11 في المائة من الأصوات الوطنية على هذه النتائج. في آذار (مارس) 2021، ترأس بتسلئيل سموتريش "حزب الصهيونية الدينية"، وهو معروف بتعليقاته المعادية للعرب، كما روج أعضاء الحزب في الكنيست لتشريعات مناهضة لمجتمع الميم ووُجهت إليهم تهمة التحريض. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2022، انضم إيتمار بن غفير إلى الحزب كرئيس مشارك، وهو يعد أكثر تطرفًا من سموتريش وسبق أن تورط في العديد من الحوادث التي لا تنسى. وقد وقع أحد هذه الحوادث في العام 1995، عندما كان بن غفير مراهقًا وسرق رمز ماركة السيارة الخاصة برئيس الوزراء إسحاق رابين الذي تم اغتياله بعد ذلك بوقت قصير، على اعتبار أن المتطرفين "إذا تمكنوا من الوصول إلى سيارته، فيمكنهم الوصول إليه". وبن غفير هو أيضًا زعيم حزب "عوتسما يهوديت" (أو "العظمة اليهودية") -وهو حزب كاهاني يتمتع الآن بتمثيل كبير في الكنيست الخامس والعشرين. وقد أخذ الكاهانيون اسمهم من مؤسسهم الأيديولوجي، مائير كاهانا، وهو يهودي أميركي وُلِد في بروكلين. وبعد انتقاله إلى إسرائيل وانتخابه في الكنيست، أيد علنًا طرد المواطنين العرب في إسرائيل وإقامة دولة إسرائيل كدولة دينية يهودية. فشل حزب "عوتسما" في تجاوز عتبة الدخول إلى الكنيست كحزب مستقل في انتخابات العامَين 2013 و2015، ولم يحتل مرتبة عالية بما يكفي على القائمة المشتركة مع "اتحاد الأحزاب اليمينية" عندما فازت الكتلة بخمسة مقاعد في انتخابات نيسان (أبريل) 2019. وفي الدورتين الانتخابيتين التاليتين، ترشح حزب "عوتسما" بشكل مستقل وفشل مجددًا في تجاوز العتبة. وتم منع العديد من أعضاء عوتسما من الترشح في انتخابات الكنيست بسبب تصريحاتهم وأنشطتهم العنصرية. وبذلك، يمثل وصول الحزب إلى الكنيست في آذار (مارس) 2021 وانبعاثه في تشرين الثاني (نوفمبر) 2022 جانبًا مثيرًا للقلق بشكل خاص من كتلة "حزب الصهيونية الدينية". الشعبية في المستوطنات يمكن أن يُعزى جزء على الأقل من النجاح الذي حققه "حزب الصهيونية الدينية" إلى الدعم القوي الذي حظيت به القائمة المشتركة بين "حزب الصهيونية الدينية" و"حزب عوتسما" و"حزب نعوم" من المستوطنين -سواء كانوا يقيمون شرق الحاجز الأمني أو غربه. في المستوطنات، حصل "حزب الصهيونية الدينية" على 22 في المائة من الأصوات، أي أكثر من ضعف الإجمالي الوطني. في نيسان (أبريل) 2019، حصل التحالف الانتخابي الديني، بنسبة 18 في المائة، على دعم يقارب ضعف الدعم الذي حصل عليه "حزب اليمين الجديد"، (11 في المائة)، وهو حزب مفتوح أمام الإسرائيليين العلمانيين. ثم تكرر هذا الاتجاه في آذار (مارس) 2021، عندما حصل "حزب الصهيونية الدينية" على 22 في المائة من أصوات الناخبين في المستوطنات، في حين حصل "حزب يمينا" -المسمى الجديد لليمين الجديد- على 14 في المائة. وفي المقابل، عندما خاض الأعضاء الأساسيون في "حزب الصهيونية الدينية" الانتخابات تحت قائمة "يمينا" في أيلول (سبتمبر) 2019، ثم مرة أخرى في آذار (مارس) 2020، حصلوا على إجمالي قدره 25 في المائة، و23 في المائة على التوالي. وفي أيلول (سبتمبر) 2019، حصل حزب عوتسما المستقل على 7 في المائة من الأصوات. ومع ذلك، كان الوضع مختلفًا في تشرين الثاني (نوفمبر) 2022، فبعد استقالة نفتالي بينيت من منصب رئيس الوزراء وتنازله عن السلطة لرئيس الوزراء البديل يائير لابيد، تراجع الدعم لحزبه (يمينا/ البيت اليهودي) بشكل كبير. وفي ظل قيادة أييليت شاكيد، فشل حزب "البيت اليهودي" في تجاوز العتبة الانتخابية. وفي غضون ذلك، حقق "حزب الصهيونية الدينية" تقدمًا بالغًا؛ حيث حصل على 22 في المائة من مجموع الأصوات الوطنية. ومع ذلك، يبدو أن هذه الإحصائيات غير دقيقة بسبب العدد الكبير من السكان الحريديم في كل من مستوطنة بيتار عيليت (62 ألفًا)، ومستوطنة موديعين عيليت (80 ألفًا) اللتين تقعان بعد الخط الأخضر، غرب الجدار. ومع ذلك، إذا أزيلت مستوطنتا بيتار عيليت وموديعين عيليت من مجموعة البيانات، فإن ذلك قد يؤدى أيضًا إلى انخفاض الدعم لأحزاب اليسار والوسط. يصح هذا الاتجاه المذكور أعلاه بشكل خاص في شرق الحاجز على طول الخط الأخضر؛ حيث كانت نسبة الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب اليمينية الدينية القومية المتشددة أعلى بحوالي 25 في المائة من غرب الحاجز. وفي حين كانت النسبة التي حصدها اليمين الجديد في نيسان (أبريل) 2019، وتلك التي حققها حزب "يمنيا" في العام 2021 متساوية نسبيًا على جانبي الجدار (مع استبعاد حزب بيتار عيليت وموديعين عيليت)، فقد سيطرت الأحزاب الدينية القومية المتطرفة على شرق الجدار بهامش أكثر من 1:2. وبالمثل، كان الدعم الذي حصل عليه حزب الوسط حزب "أزرق أبيض"/ "يش عتيد" أقل بنسبة 5 في المائة وأقل بنسبة 2 في المائة بالنسبة لحزب الليكود شرق الجدار. في الانتخابات كافة التي أجريت في الفترة بين نيسان (أبريل) 2019 وتشرين الثاني (نوفمبر) 2022، لم تتغير نسبة التصويت المرتبطة بالكتلة القومية الدينية بشكل كبير؛ حيث تراوحت بين 17.9 في المائة و27.0 في المائة غرب الحاجز، ومن 46.2 في المائة إلى 63.7 في المائة شرق الحاجز. ومع ذلك، كان الاختلاف الحاسم الذي حدث في آذار (مارس) 2021 والذي تضاعف في تشرين الثاني (نوفمبر) 2022، هو توحيد الكتلة الدينية القومية المتشددة (حزب الصهيونية الدينية/ عوتسما). وعلى الرغم من أن الكتلة القومية الدينية ظلت على حالها نسبيًا منذ آذار (مارس) 2021 إلى تشرين الثاني (نوفمبر) 2022، فقد زاد حزب الصهيونية الدينية حصته غرب الحاجز بنسبة 8.2 في المائة وشرقه بنسبة 13 في المائة. توزعت الأصوات المتبقية بين الحزبين الدينيين الحريديين ("شاس" و"يهدوت هتوراة")، والحزب العلماني الروسي "إسرائيل بيتنا"، وشملت في آذار (مارس) 2021 حزب "الأمل الجديد" الذي يتزعمه جدعون ساعر والمناهض لنتنياهو. وفي المجتمعين الحريديين في موديعين عيليت وبيتار عيليت، كان الدعم للحزبين الدينيين الحريديين أكبر بمرتين إلى ثلاث مرات من الدعم في المستوطنات الأخرى غرب الحاجز. وفي المقابل، صوتت المستوطنات الواقعة شرق الحاجز وغربه بأعداد متساوية نسبيًا لصالح حزبَي "الأمل الجديد" و"إسرائيل بيتنا". ومع ذلك، فإن سكان المستوطنات غير موحدين سياسيًا بأي حالٍ من الأحوال، سواء بين المستوطنات أو حتى داخلها. وعلى سبيل المثال، في كرني شومرون (وهي مستوطنة إسرائيلية تقع على بعد 15 كيلومترًا جنوب غرب نابلس)، حصل حزب الصهيونية الدينية على 37 في المائة من الأصوات، وحصل حزب "يش عتيد" الوسطي على 3.129 صوت (3 في المائة من الأصوات). لا يشكل استمرار الاتجاهات الانتخابية الحالية نتيجة حتمية. فأحدثت الفترة التي تتالت فيها الدورات الانتخابية الأربع تأثيرًا استقطابيًا على الناخبين، ما يشير إلى أن هذا الاتجاه يمكن أن ينعكس إذا عادت الانتخابات إلى اتباع جدول زمني أكثر نموذجية. إلا أن وصول "حزب الصهيونية الدينية" و"حزب عوتسما" إلى الكنيست، أولًا في المعارضة، وربما الآن في الائتلاف الحاكم -بمساعدة كبيرة من دعم ناخبي المستوطنات، يشير إلى احتمال نمو هذه القوة الجديدة في الكنيست إذا استمرت في الحفاظ على هذا الدعم بناءً على الاتجاهات الديمغرافية في المستوطنات. فمنذ العام 2017، شهد عدد سكان المستوطنات نموًا بنسبة 13 في المائة مقارنةً بالنمو السكاني البالغ 8 في المائة بشكل عام. وبالتالي، مع نمو عدد سكان المستوطنات، سيتوسع أيضًا على الأرجح تمثيل الأحزاب اليمينية والقومية المتطرفة والدينية في المجالين السياسي والعام في إسرائيل. ونظرًا إلى تعدد الأحزاب وتعقيد عملية بناء الائتلافات في إسرائيل، باستطاعة الأحزاب الصغيرة في الكنيست أيضًا أن تُحدِث أثرًا كبيرًا في عملية صنع السياسات، كما تبين من خلال إدراج نتنياهو لأحزاب حريدية صغيرة عدة في ائتلافاته، أو مؤخرًا الصعود السريع الخاص بـ"حزب يمينا" الذي تحوّل إلى أحد بناة الائتلافات، أيضًا بواسطة سبعة مقاعد فحسب. ومن ناحية أخرى، لا يُترجَم تحقيق النصر الانتخابي بالضرورة إلى إنشاء قوة سياسية -فكانت السياسات المتطرفة التي اتبعها "حزب الصهيونية الدينية" أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى عجز نتنياهو عن تشكيل ائتلاف. في كلتا الحالتين، لا بد من أن يتمهل الإسرائيليون في ظل حقيقة وجود 14 مقعدًا من أصل 120 مقعدًا في الكنيست تخص القوميين المتطرفين. وتثير النزاعات الأخيرة بين العرب واليهود داخل إسرائيل والعداوة المستمرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين في الضفة الغربية تساؤلات جدية حول العلاقات الطويلة الأمد بين هاتين المجموعتين القوميتين. ولا يؤدي بروز أحزاب مثل "حزب الصهيونية الدينية"، كانعكاس محتمل للاستخفاف الناتج عن إجهاض مفاوضات السلام وصدمة "الانتفاضة الثانية"، سوى إلى تسليط المزيد من الضوء على هذه الانقسامات. وعلى هذا النحو، قد يكون نجاح مشروع "حزب الصهيونية الدينية" ليس أحد أعراض تدهور العلاقات بين الإسرائيليين والفلسطينيين فقط، ولكن أيضًا دليلًا على ضرورة تغيير هذا الاتجاه. *أليكس هاريس: مدير مشروع في المركز الإسرائيلي للتعليم. حصل مؤخرًا على درجة الماجستير في التربية التجريبية والتنمية البشرية من جامعة جورج واشنطن. وهو أيضًا متدرب سابق في معهد واشنطن ويقيم حاليا في واشنطن العاصمة. ساندر آيزن: مديرة الأبحاث في شركة Purple Strategies، وهي شركة لإدارة الماركات التجارية والسمعة في مدينة الإسكندرية، في ولاية فيرجينيا. قبل انضمامها إلى شركة بيربل، عملت آيزن كمديرة للبحوث في شركة Echelon Insights، وهي شركة متخصصة في استطلاعات الرأي وتحليل البيانات في الإسكندرية.اضافة اعلان