النساء السودانيات بين معاناة النزاع والتهميش السياسي

عائلة سودانية نزحت بسبب الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في مورني في منطقة دارفور بالسودان. (رويترز)
عائلة سودانية نزحت بسبب الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في مورني في منطقة دارفور بالسودان. (رويترز)
أريج الحاج* - (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 2024/3/26

أصبح من الضروري الآن، أكثر من أي وقت مضى، العمل على تضمين قضايا النساء السودانيات بشكل فعال في محادثات السلام والمفاوضات الانتقالية، وضمان تمثيلهن بنسب تتناسب مع واقعهن ومساهماتهن في المجتمع.اضافة اعلان
*   *   *
في ظل الحرب الجارية التي تشهدها السودان، تبرز مأساة غير مروية بالقدر الكافي، هي مأساة النساء اللاتي يدفعن ثمناً باهظًا جراء هذه الحرب ويتم إقصاؤهن في الوقت نفسه من المشاركة في الحوار حول كيفية إنهاء هذه الحرب. ويتزامن شهر المرأة العالمي مع فترة عصيبة يعيشها السودان، حيث تتعرض نساؤه لمختلف أشكال العنف والانتهاكات، من الاغتصاب والاعتداءات الجنسية إلى الخطف وفقدان المعيل، في سياق يتسم بالفقر المدقع ونقص المرافق الطبية، خاصة تلك المتعلقة بالصحة الجنسية والوقائية.
خلفت الحرب التي اشتعلت في 15 نيسان (أبريل) من العام 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع أزمة إنسانية تعد الأكبر عالميا، حسب تقارير الأمم المتحدة، التي تقول إن هناك أكثر من 8 ملايين نازح جراء الحرب، 88 في المائة منهم من النساء والأطفال. وهناك أكثر من 4 ملايين امرأة وطفلة يواجهن خطر الاعتداءات الجنسية. وهناك تقارير مقلقة عن وجود أسواق لبيع النساء في السودان.
تكمن المفارقة المؤلمة في أن النساء اللاتي كن في الصفوف الأولى خلال الثورة السودانية التي أسقطت حكومة عمر البشير في 11 كانون الثاني (يناير) 2019، وجدن أنفسهن مهمشات ومستبعدات من مراكز صنع القرار في الحكومة الانتقالية. يحدث ذلك على الرغم من حجم مساهماتهن وتضحياتهن. وقد ظلت الوعود بتخصيص 40 في المائة للتمثيل النسائي لتلبية تطلعات النساء السودانيات حبراً على ورق، وكانت النسبة أقل بكثير مما وعدن به، مما يعكس إخفاقاً في تلبية تطلعات النساء السودانيات وفشلاً في الاعتراف بدورهن الحيوي في المجتمع والعملية السياسية.
يتمثل أحد أكبر العوائق التي تقف حائلاً أمام تحقيق السلام وحماية النساء والفئات الضعيفة في أن للبلد تاريخا طويلا من الإفلات من العقاب. ولا يشكل عدم محاسبة مرتكبي الفظائع عائقًا أمام العدالة الانتقالية فحسب، بل يؤدي أيضًا إلى استمرار دائرة العنف هذه، حيث صارت العديد من الانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان التي وقعت في إقليم دارفور منذ سنوات تتكرر في الخرطوم والجزيرة وأماكن أخرى. وبذلك، يعكس الافتقار التام للعدالة فشل الدولة السودانية والمجتمع الدولي، ويرسل رسالة للضحايا مفادها بأنهم لا يستحقون العدالة، وأن الجناة يمكنهم مواصلة أفعالهم بلا خوف من العواقب.
على الرغم من أنه من المبكر الحديث عن دور سياسي محدد في حكومة تتشكل بعد السلام، فإن الاعتراف بمعاناة النساء من داخل الكواليس السياسية السودانية أصبح مطلبا ملحا، حيث تجري حالياً مفاوضات وجهود لعدد من المبادرات لتحقيق انتقال سلمي في السودان. ومع ذلك، يبدو أن السياسيين لم يستفيدوا من تجارب الماضي، فقضايا النساء لم تحظ بالأولوية المستحقة ضمن جدول أعمال المفاوضات، وهو ما يشير إلى استمرارية التهميش والإقصاء التي تتمثل في وعود جديدة بتقليل حصة النساء في البرلمان عن سابقاتها، والتي أصبحت الآن 30 في المائة، على الرغم من حجم التضرر البالغ جراء الحرب، والذي انعكس أثره على نساء السودان. ويعكس هذا الواقع نقصًا في الإرادة السياسية لضمان تمثيل عادل وفعال للنساء في المستقبل السياسي والاجتماعي للسودان.
ومن الجدير بالذكر أن جذور هذا الإخفاق المتمثل في تحديد أولوية دور المرأة في الحياة السياسية تعود إلى المعتقدات الشخصية لبعض الجهات الفاعلة الرئيسية المعنية. وكنت قد مررت شخصيا بنقاش بين بعض القادة السياسيين السودانيين، تم فيها التشكيك في صحة ودقة الأرقام المتعلقة بحوادث الاعتداءات الجنسية، وهو ما يمثل تجاهلا للأدلة والشهادات المقدمة، ويسهم في تعزيز صمت النساء وخوفهن من عدم الاعتراف بما يعانين، ومن وصم المجتمع لهن بالعار. وهذا التشكيك سيترتب عليه ضياع التوثيق، وبالتالي المحاسبة للمتورطين. وهناك ضرورة لمعالجة هذا الوضع -حتى قبل التوصل إلى سلام في السودان.
في السياق نفسه، وصلت شهادات النساء اللواتي تعرضن لاعتداءات جنسية في السودان، حسب التقارير التي قامت بتوثيقها لجنة الأطباء، إلى 417 حالة. وبطبيعة الحال، لا تعبر هذه الأرقام غالبًا عن الأرقام الحقيقية التي تكون في أكثر الأوقات مضاعفة، وذلك بسبب صعوبة الوصول إلى الجهات التي ترصد البلاغات في ظل انقطاع وسائل الاتصالات والوضع الأمني الخطير. وفي السياق نفسه، صرح الخبير الأممي المعني بحالة حقوق الإنسان في السودان، رضوان نويصر، في بيان له أنه "استمع إلى روايات مقلقة للغاية عن عنف جنسي يرتكب ضد النساء والفتيات، ويزعم أن عناصر قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها ارتكبوا معظمها". وتشير التقارير إلى أن 70 في المائة من الانتهاكات تحدث في أغلب الأوقات بشكل جماعي وأمام أسر الضحايا كنوع ممنهج من الإذلال، واعتبار أن انتهاك أجساد النساء هو وسيلة عقاب وسلاح قوي لإضعاف الآخر من خلال هذه الممارسات التي يبقى أثرها النفسي لأجيال. والمقلق أيضًا زيادة نسب الانتحار التي ارتفعت في السودان بسبب عدم توفر العلاج النفسي والطبي، حيث لا توجد جهات تعمل على الدعم والعلاج بعد حدوث هذه الانتهاكات.
وكانت الكتل النسائية السودانية التي دأبت على الحديث عن حقوق النساء في السودان ومعاناتهن تتعرض في أغلب الأوقات لهجوم المجتمع -نسائه ورجاله- الذي يخلط بين حقوق النساء المشروعة وبين العادات والتقاليد السودانية. وفي مجتمع ذكوري مثل السودان يحاول فيه الرجال السيطرة على النساء، لا تخلو المنابر السياسية من هذه السردية التي تحجم وتتحدث علانية عن "إزعاج" تسببه النساء المطالبات بدور أكبر في الحياة السياسية. وتقول هاجر الشيخ، وهي محللة متخصصة في الوضع السياسي والحقوقي في السودان: "إننا نشاهد العديد من الناشطات والحقوقيات المدافعات عن حقوق النساء في أغلب الأوقات حديث الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي بطريقة متنمرة عليها هي ورفيقاتها، بطريقة تزيد من صعوبة العمل مقارنة بزملائهن من الرجال".
يفرض الواقع السوداني الحالي دورًا جديدًا للمرأة. من غير المعقول أن تختفي المطالبات المشروعة ضمن مباحثات التفاوض التي جرت بين المكونات العسكرية والمدنية، وتم فيها تجاهل بنود حقوق النساء ومنع الانتهاكات في الحرب. ونحن نعتقد أن السلام يمكن أن يتحقق. وهنا يبرز السؤال: لماذا لم يتم وضع بند يمنع حدوث اعتداءات جنسية على النساء؟ ولماذا لا يكون هناك اتفاق واضح بالتجريم لأن الاغتصاب يحدث كجريمة ممنهجة يعاقب عليها القانون الدولي؟ على الرغم من المبادرات والوساطات التي ترعاها الولايات المتحدة ودول أوروبية واعتبار تحقيق السلام أولوية قصوى، إلا أن تلك الرعاية تفتقر إلى أجندات الحقوق الأساسية.
وهنا تبرز إرادة المجتمع الدولي الحقيقية ورغبته -إما في حل حرب السودان وضمان سلام مستدام، أو تحقيق سلام مؤقت يفشل في معالجة القضايا الأساسية التي تواجه السودان. وبذلك، فإن السلام المرجو لا يمكن أن يتحقق من دون تحقيق العدالة للجميع. ومن الواضح أن كلاً من النخب السياسية السودانية والوسطاء الإقليميين يسهمون في خلق حالة التجاهل التي تواجه أوضاع النساء في السودان. ولذلك، تتطلب التحديات التي تواجه النساء في السودان بالتحديد اهتماما دوليا وتحركا ملموسا، حيث يسهم الصمت الدولي وعدم كفاية التغطية الإعلامية لمعاناة النساء في السودان في بقاء الأزمة من دون حل. كما أن المجتمع الدولي ووسائل الإعلام مطالبون بلعب دور أكثر فاعلية في تسليط الضوء على هذه القضايا ودعم جهود النساء والمنظمات الحقوقية في السودان لضمان حقوقهن وحمايتهن من الانتهاكات.
على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤوليته تجاه السودان. وهو مطالب أيضًا بوضع ملف المرأة السودانية خلال هذه الحرب ضمن أولويات المفاوضات الجارية والمستقبلية، وضمان أنها تحظى بالحماية الكاملة، وأن أطراف النزاع لا تعتبر النساء من ساحات الحرب المشروعة التي يمكنها خوضها والإفلات بعد ذلك من العقاب كما جرت العادة. كما ينبغي تعزيز المساواة وتطبيق قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مثل القرار 1325 حول النساء والسلام والأمن، والتي تدعو إلى زيادة مشاركة النساء في جميع جهود الوقاية من النزاعات وحلها.
من الضروري الآن، أكثر من أي وقت مضى، العمل على تضمين قضايا النساء بشكل فعال في محادثات السلام والمفاوضات الانتقالية، وضمان تمثيلهن بنسب تتناسب مع واقعهن ومساهماتهن في المجتمع. وليست النساء في السودان مجرد ضحايا، إنهن أيضا قائدات ومحركات رئيسية للتغيير والسلام، ويجب اعتبارهن شريكات في عملية بناء مستقبل السودان. ويجب أن نتذكر أن تحقيق السلام والاستقرار في السودان لن يكون ممكنًا من دون معالجة جذور المشاكل التي تعاني منها النساء في السودان وضمان حقوقهن بشكل كامل. لقد حان الوقت لتغيير السردية وتركيز الجهود على بناء مستقبل يضمن للنساء المكانة التي يستحققنها في قيادة ووضع لبنات السلام للسودان الجديد.

*أريج الحاج: صحفية وباحثة في مجال العلاقات الدولية والأمن القومي، حاصلة على درجة الماجستير التنفيذي في العلاقات الدولية برعاية مشتركة من مدرسة ماكسويل ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS. كما تحمل أيضا درجتي البكالوريوس والماجستير في العلوم من جامعة السودان للعلوم.