النضال من أجل السودان‏ (2-1)

‏سودانية تهتف في مظاهرة تطالب بهيئة مدنية تقود عملية الانتقال إلى الديمقراطية، الخرطوم، 12 نيسان (أبريل) 2019 - (المصدر)
‏سودانية تهتف في مظاهرة تطالب بهيئة مدنية تقود عملية الانتقال إلى الديمقراطية، الخرطوم، 12 نيسان (أبريل) 2019 - (المصدر)

خالد مصطفى مدني*‏‏ - (مشروع الشرق الأوسط للأبحاث والمعلومات) العدد ‏‏310 (ربيع 2024)‏

 
‏في 15 نيسان (أبريل) 2023، انهار التحالف الذي كان قائمًا بين الجنرال عبد الفتاح البرهان من القوات المسلحة السودانية، ومحمد حمدان دقلو (حميدتي)، قائد قوات الدعم السريع، مما دفع البلاد إلى حرب شرسة غير مسبوقة.‏
*   *   *
‏في البداية، اندلعت الحرب حول العاصمة الخرطوم، لكنها سرعان ما امتدت إلى أجزاء أخرى من السودان، بما في ذلك دارفور وبورتسودان.

اضافة اعلان

 

وبحلول شهر كانون الأول (ديسمبر) من العام 2023، وصلت الحرب إلى ولاية "الجزيرة" التي كانت هادئة قبل ذلك، وهي تشكل القلب الزراعي للبلد، وتقع عند نقطة التقاء نهري النيل الأزرق والنيل الأبيض.‏


‏أدت طبيعة القتال -الذي أصبح متنشرًا الآن في المناطق الريفية والحضرية على حد سواء- ونطاقه، إلى ظهور أزمة إنسانية حادة. فقد فرّ ما يصل إلى 9 ملايين سوداني من منازلهم، أكثر من مليون منهم عبر الحدود إلى خارج البلاد.

 

وأفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش" ‏‏بوقوع‏‏ عمليات تطهير عرقي في الخرطوم ودارفور، واستهداف آلاف المدنيين والقرى.

 

وتفاقمت الأزمة بسبب انعدام الأمن الغذائي الذي أثر على حوالي 60 في المائة من السكان، حيث أدى القتال إلى تعطيل الإنتاج الزراعي في معظم أنحاء البلاد. كما حذر "‏‏برنامج الأغذية العالمي"،‏‏ مؤخرًا، من أن البلد يواجه "أكبر أزمة جوع في العالم". ‏‏[1]‏


‏على الأرض، تتعطل جهود إيصال المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين إليها بسبب العوائق البيروقراطية، بما في ذلك رفض منح تصاريح السفر للعاملين في منظمات الإغاثة، وعدم قدرة هذه المنظمات على دخول المناطق المحتاجة بسبب القتال الدائر.

 

وفي الوقت نفسه، تبقى المساعدات التي يتم إيصالها عرضة لخطر استيلاء كل من الجيش وقوات الدعم السريع عليها أو قيامهما بإعادة توجيهها كجزء من المجهود الحربي ومعاقبة المعارضة المدنية للحرب. وقد استهدف كلا الطرفين المتحاربَين المرافق الطبية.

 

ولم تعد ‏‏70 في المائة‏‏ من المستشفيات والمرافق الطبية في البلاد تعمل، وأصبح الناس يموتون بسبب انتشار الأمراض القابلة للشفاء بخلاف ذلك والإصابات القابلة للعلاج.‏


‏الآن، يشكل حاضر البلاد النقيض الكامل لفترة أواخر 2018-2019، والنتيجة المباشرة لها، عندما راقب العالم في ذلك الحين السودان بإعجاب بينما أطاحت انتفاضة شعبية بنظام الرئيس الإسلامي المتشدد عمر البشير.

 

وقد وعدت الثورة بدخول البلد حقبة جديدة من الديمقراطية، وإن كانت هشة، بعد ثلاثة عقود من الحكم الاستبدادي. ولكن، بدلاً من ذلك، يهدد الصراع المستعر الآن والذي طال أمده في السودان أساس الدولة السودانية نفسه، وبالتالي استقرار كامل منطقة الساحل والقرن الأفريقي.‏

‏الأزمة

الاقتصادية وجذور الاحتجاجات الشعبية‏

 


‏كانت الحرب الجارية الآن في السودان، وإلى حد كبير، نتيجة مباشرة للقوة والحجم الكبيرين، عبر كامل طيف القسمة الاجتماعية والإقليمية والعرقية، لما يسميه السودانيون "الثورة المجيدة" التي حدثت في العام 2018.‏


‏وكان أحد العوامل الرئيسية وراء اندلاع الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت في نهاية المطاف بنظام عمر البشير الاستبدادي هو انفصال جنوب السودان عن البلد الأم في 9 تموز (يوليو) 2011.

 

في ذلك الحين، وبعد أكثر من عقد من النمو الاقتصادي النسبي، أدى انفصال جنوب السودان إلى قطع الكثير من عائدات النفط في الولاية (تقع ثلثا مصادر النفط السوداني في الجنوب)، مما أدى إلى اندلاع أزمة اقتصادية متفاقمة. وكان النفط يشكل بين العامين 2000 و2009 نحو 86 في المائة من عائدات التصدير السودانية. ‏‏[2]‏‏ وأدى انفصال الجنوب إلى فقدان الخرطوم 75 في المائة من العائدات التي يجلبها النفط. ‏‏[3]‏


‏أدى انخفاض عائدات النفط إلى تآكل شبكات المحسوبية التي كان قد أنشأها النظام السابق، مما عزز المنافسات بين قيادة "حزب المؤتمر الوطني" الحاكم بزعامة البشير.

 

كما أدى إلى تفاقم المظالم الاجتماعية والاقتصادية عبر طيف واسع من المجتمع السوداني في كل من المناطق الحضرية والريفية على حد سواء، وهو ما وضع الأساس لاندلاع الانتفاضة الشعبية في كانون الأول (ديسمبر) 2018.‏


‏بدأت الاحتجاجات في مدينة عطبرة، مدينة الطبقة العاملة الواقع في ولاية نهر النيل، على بعد حوالي 200 ميل إلى الشمال من الخرطوم. وبدأ الحراك بقيادة طلبة المدارس الثانوية، الذين سرعان ما انضم إليهم الآلاف من سكان المدينة.

 

وكانت الشرارة الأولى التي أشعلت الاحتجاجات هي زيادة سعر الخبز بمقدار ثلاثة أضعاف. لكنّ المظالم الاقتصادية في الأطراف التي بدأت فيها الانتفاضة، كانت سابقة على خسارة الدولة لعائدات النفط. خلال فترة الطفرة النفطية، وعلى الرغم من توسع الاقتصاد الرسمي في السودان، كانت الفوائد توزع بشكل غير متساو. وظل تخصيص الخدمات والعمالة ومشاريع الهياكل الأساسية متركزًا في ولاية الخرطوم، وكان الغرض منه هو استرضاء الدوائر الحضرية.

 

وكما أشارت إحدى الدراسات، فإنه خلال العقدين السابقين للثورة، استأثرت خمسة مشاريع رئيسية تقريبًا أُسست في المثلث المركزي في الشمال بنحو 60 في المائة من الإنفاق على التنمية. ‏‏[4]‏


‏اعتبارًا من العام 2009 (قبل عقد من اندلاع الانتفاضة)، بلغ معدل الفقر بين سكان الريف 58 في المائة، مقارنة بـ26 في المائة بين سكان المناطق الحضرية.

 

وبالإضافة إلى ذلك، تظهر الأرقام في هذه الفترة أن مستويات الفقر كانت أعلى بكثير في دارفور وفي الشرق منها في الخرطوم والولايات المركزية. ‏‏[5]‏‏ ويفسِّر انعدام المساواة عبر المناطق وبين مركز البلاد وأطرافها جزئيا سببَ اندلاع الاحتجاجات الأولية التي أدت إلى اندلاع الانتفاضة الشعبية في العام 2018، لأول مرة في تاريخ السودان، في أطراف البلد وليس في العاصمة.‏


‏ولكن، في غضون أيام، انتشرت المظاهرات المناهضة للحكومة لتصل إلى مجموعة واسعة من المدن والبلدات في جميع أنحاء المنطقة الشمالية وفي العاصمة الخرطوم. وردد المتظاهرون شعارات، مثل الهتاف المعروف من الانتفاضات ‏‏العربية:‏‏ "الشعب يريد إسقاط النظام".‏


‏شبكات جديدة للتعبئة الشعبية‏

 


‏على خطى المدن في الأطراف، بدأت المظاهرات في الخرطوم أيضا كاحتجاجات ضد الأزمة الاقتصادية العميقة المرتبطة بارتفاع أسعار الخبز والوقود والأزمة الحادة في السيولة. لكن مطالب المحتجين سرعان ما تطورت إلى دعوات إلى الإطاحة بالبشير.‏


‏في الفترة التي سبقت الثورة، كان قادة الشباب السوداني قد انضموا إلى نقابات الأطباء والصيادلة والمحامين ومعلمي المدارس الثانوية. وأخذ "تجمع المهنيين السودانيين" (SPA) -وهو شبكة من النقابات العمالية والمهنية الموازية (أو غير الرسمية) المؤلفة من أطباء ومهندسين ومحامين وآخرين- زمام المبادرة في تنظيم الاحتجاجات وجدولتها.

 

وفي أواخر كانون الأول (ديسمبر) 2018، دعوا إلى مسيرة تتجه إلى البرلمان في الخرطوم، مطالبين الحكومة برفع أجور القطاع العام وإضفاء الشرعية على النقابات المهنية والعمالية غير الرسمية.

 

وبعد أن استخدمت قوات الأمن العنف ضد الاحتجاجات السلمية، تصاعدت مطالب المحتجين حتى تبنت الدعوة إلى إسقاط "حزب المؤتمر الوطني" الحاكم، وإحداث تحول هيكلي للحكم في السودان والانتقال إلى الديمقراطية.‏


‏رددت مطالب المحتجين صدى مطالب الاحتجاجات الشعبية السابقة، بما في ذلك في السنوات 2011 و2012 و2013. لكن احتجاجات 2018-2019 كانت غير مسبوقة من حيث استمراريتها واتساع نطاقها الجغرافي.

 

كما أنها اتبعت عملية جديدة ومبتكرة ومستدامة بشكل ملحوظ. فقد تعلم المتظاهرون من أخطاء الاحتجاجات السابقة التي كانت بالغة المركزية واقتصرت في معظمها على الطبقة الوسطى السودانية، وكانت تفتقر إلى استراتيجيات لمواجهة قوات الأمن في كل مكان في أنحاء البلد.‏


‏بقيادة "تجمع المهنيين السودانيين"، والتنظيم على مستوى الشارع الذي تولته "لجان مقاومة الأحياء" التي يقودها الشباب، تمت جدولة الاحتجاجات وتصميمها وتنسيقها بشكل أساسي للتأكيد على الاستدامة أكثر من التركيز على الأعداد. كما تم نشر الاحتجاجات في جميع أنحاء الطبقة الوسطى، والطبقة العاملة، والأحياء الفقيرة، وتم التنسيق مع المتظاهرين في مناطق بعيدة عن الخرطوم، بما في ذلك الولايات الواقعة على البحر الأحمر، إلى الشرق، ودارفور، إلى أقصى غرب البلاد.‏


وبالإضافة إلى النطاق الإقليمي الواصع، تميزت الاحتجاجات أيضًا بمستويات لم يسبق لها مثيل من التضامن عبر الخطوط الطبقية والعرقية.

 

ولم يقتصر عمل الناشطين الشباب وأعضاء النقابات المهنية على تحدي الخطاب السياسي للدولة الإسلامية فحسب، وإنما لعبوا دورًا مهمًا أيضًا في هندسة تحالفات عابرة للطبقات في سياق هذه المظاهرات. وتم تصميم الشعارات التي استخدموها بحيث تجد صدى وتحشد الدعم عبر خطوط القسمة العرقية والإثنية والإقليمية.‏


‏‏وعلى مدار فترة الاحتجاجات الطويلة التي استمرت ستة أشهر، تم تنظيم الإضرابات والتوقفات عن العمل والاعتصامات -ليس في حرم الجامعات والمدارس الثانوية فسحب، ولكن أيضًا بين العاملين في القطاع الخاص والقطاع العام. ومن أهم الأمثلة على ذلك إضرابات عمال بورتسودان على البحر الأحمر، الذين طالبوا بإلغاء بيع الميناء الجنوبي لشركة أجنبية، وكذلك العديد من الإضرابات والاحتجاجات التي قادها موظفو بعض أهم البنوك ومقدمي خدمات الاتصالات والشركات الخاصة الأخرى في البلاد.‏


‏في حين يتم وضع الكثير من التركيز، عن حق، على الدور المركزي للمتظاهرين في الشوارع و"لجان المقاومة" و"تجمع المهنيين السودانيين"، لعبت أحزاب المعارضة السودانية دورًا مهمًا أيضًا: وليس في تنظيم الاحتجاجات فقط، وإنما أيضًا من خلال توفير الدعم الفكري لمطالب الاحتجاجات. وقد أخذت الأحزاب السياسية زمام المبادرة في صياغة "إعلان الحرية والتغيير" الذي صدر في ذروة الاحتجاجات في كانون الثاني (يناير) 2019.

 

وجنبًا إلى جنب مع "تجمع المهنيين السودانيين"، قادت تحالفات الأحزاب السياسية الرئيسية في السودان، وأبرزها "قوى الإجماع الوطني" ‏‏و"نداء‏‏ السودان"، تشكيل شبكة واسعة من قوى المعارضة التي توحدت تحت راية "قوى إعلان الحرية والتغيير". وكانت قوى إعلان الحرية والتغيير مسؤولة في المقام الأول عن التنسيق عبر أطياف الطبقات الاجتماعية، بما في ذلك أولئك الذين يعملون في القطاع غير الرسمي.‏


‏في الواقع، كان العامل الأهم من كل شيء هو أن قوى "إعلان الحرية والتغيير" لم تقتصر على إشراك جمعيات ومجموعات شباب الطبقة الوسطى فحسب، بل نظمت بشكل غير رسمي لجان مقاومة في الأحياء -التي مثلت بعضها الأحياء الحضرية الأكثر فقرًا.

 

وتعود جذور هذه اللجان التنظيمية النووية إلى العصيان المدني ضد البشير في العام 2013، حيث عملت كطليعة وجنود مشاة للاحتجاجات، وأخذت زمام المبادرة في توجيه المتظاهرين بعيدًا عن قوات الأمن، ولعبت دورًا مركزيًا في الحفاظ على استمرارية الاحتجاجات على الرغم من العنف الكبير الذي استخدمته قوات الأمن والميليشيات لقمع الانتفاضة‏‏.‏


‏لعبت القوة النسبية والشرعية الأساسية لأحزاب المعارضة الرئيسية، وتنسيقها مع المتظاهرين في الشوارع والنقابات غير الرسمية، الدور الأكثر أهمية في الحفاظ على الاحتجاجات التي أطاحت بالبشير. وبعد الثورة، سوف تضطلع لجان المقاومة بدور سياسي أكثر مباشرة، وتعمل على بناء إجماع شعبي حول مخطط لانتقال شرعي وشعبي ومعلن إلى الديمقراطية المدنية، بما يتفق مع أهداف الثورة.‏


العنف المضاد للثورة‏‏

 


‏لكنّ السودان بقي في جوهره، بعد سقوط نظام عمر البشير في نيسان (أبريل) 2019، نظامًا استبداديًا هجينًا.‏
‏في البداية، تم استبدال البشير بمجلس عسكري في شكل "المجلس العسكري الانتقالي". وترأس "المجلس العسكري الانتقالي" اللواء البرهان من الجيش السوداني. وكان نائب الرئيس هو دقلو، قائد قوات الدعم السريع.

 

وردًا على تولي الجيش زمام السلطة، تواصلت الاعتصامات والاحتجاجات التي طالبت بالانتقال إلى الحكم المدني الكامل. وفي 3 حزيران (يونيو) 2019، قامت قوات الأمن التابعة لـ"المجلس العسكري الانتقالي"، بما فيها ميليشيا قوات الدعم السريع، بتفريق أحد هذه الاعتصامات بالعنف، مما أسفر عن مقتل المئات وإصابة الآلاف من المعتصمين في ما أصبح يُعرف باسم "مذبحة الاعتصام" في الخرطوم.‏


‏وفي نهاية المطاف، توصلت القيادة المدنية، ممثلة بقوى "إعلان الحرية والتغيير"، إلى اتفاق مع الجيش في تموز (يوليو). وبحلول شهر آب (أغسطس) 2019، وقّع الطرفان اتفاقًا يهدف، ظاهريًا، إلى تقاسم السلطة من خلال ميثاق دستوري، ورشّحت قوى "إعلان الحرية والتغيير" عبد الله حمدوك ليكون رئيسًا للوزراء. ثم تم تعديل هذا الميثاق بـ"اتفاق جوبا" في العام 2020، الموقع بين الحكومة الانتقالية والعديد من جماعات المعارضة.‏


‏مع ذلك، لم تؤسس الحكومة الانتقالية في أي وقت فصلاً واضحًا بين صلاحيات فروع السلطة: من خلال الميثاق الدستوري، احتفظ الجيش بالحق في رفض أي بنود يطرحها القادة المدنيون في الائتلاف. وعلاوة على ذلك، مُنح أعضاء المجلس الحصانة من التحقيق في الجرائم السابقة (بما فيها "مذبحة الاعتصام") ومارسوا حق النقض على التعيينات الوزارية المدنية، مثل رئيس المحكمة العليا والنائب العام. وهكذا، عملت الحكومة الانتقالية في ظل اختلال ملحوظ في التوازن بين سلطة القيادة العسكرية والقيادة المدنية.‏


‏من جانبها، واصلت "لجان مقاومة الأحياء" في السودان وحركة الاحتجاج العامة الضغط (وما تزال تفعل حتى الآن) من أجل تحقيق خمس أولويات مهمة. الأولى هي الانتقال إلى حكم مدني كامل يقوم على رفض عقد شراكة أخرى مع القادة العسكريين (يجسدها ‏‏شعار "اللاءات الثلاث‏‏": لا مفاوضات، لا شراكة، ولا شرعية للجيش). ثانيًا، الدعوة إلى إعادة صياغة "اتفاق جوبًا" لجعله أكثر شمولاً بحيث يضم المتأثرين مباشرة بالحرب على المستوى الشعبي.

 

ثالثًا، المطالبة بإجراء مناقشات بشأن الإصلاح الدستوري للتحضير لعقد مؤتمر دستوري يأخذ في الاعتبار الكامل أوجه اللامساواة الهيكلية والعرقية التي كانت سائدة في الماضي، ويشرف في نهاية المطاف على إجراء انتخابات وطنية حرة ونزيهة. رابعًا، المطالبة بمساءلة الجهات الفاعلة الحكومية المتورطة في العنف ضد المدنيين، بما في ذلك "مذبحة الاعتصام". وأخيرًا، السعي إلى تأسيس مجلس تشريعي على وجه السرعة مباشرة بعد وقف الأعمال العدائية.‏


‏ثمة من بين هذه الشبكة من منظمات المجتمع المدني مجموعات كانت قد ألقت بدعمها وراء الحكومة المدنية، بما فيها "تجمع المهنيين السودانيين" والمنظمتين الشبابيتين الرئيسيتين ("قرفنا" و"غيروا السودان الآن").

 

ولكن، في نهاية المطاف، أدى فشل حمدوك والذراع المدني للحكومة الانتقالية في دمج المطالب الرئيسية ومشاركة لجان المقاومة إلى تقويض أي تقدم ملموس عندما يتعلق الأمر بالمطالب الشعبية بالمساءلة والعدالة، وحد من القاعدة الاجتماعية والدعم للقيادة المدنية.

 

وأدى التأخير في تشكيل مجلس تشريعي للتحضير للانتخابات إلى تقويض شعبية وشرعية حمدوك والأحزاب السياسية السودانية بشكل عام. واستغلت القيادة العسكرية، في ظل ما كان في ذلك الحين شراكة قوية بين البرهان ودقلو، هذه الانقسامات ببراعة، بطريقة عبّدت الطريق لانقلاب تشرين الأول (أكتوبر).‏


‏في 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2021، قام الجنرال البرهان من القوات المسلحة السودانية، وقائد قوات الدعم السريع، دقلو، بالتحريض معًا على الانقلاب ضد حمدوك. وتبعت ذلك على الفور احتجاجات مستمرة واسعة النطاق، دعت للعودة إلى الحكم المدني. وتمكنت هذه الاحتجاجات، التي قادتها "لجان المقاومة الشعبية"، من إجبار القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع على الموافقة على إجراء مفاوضات مع المعارضة المدنية.

 

ومهدت تلك المفاوضات الطريق للاتفاق الإطاري الذي تم إلغاؤه الآن، والذي أجج منافسة شرسة بين البرهان ودقلو. وبشكل أكثر تحديدًا، اختلفت القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بشدة حول مسألة دمج الميليشيا الأخيرة في الجيش الوطني النظامي القائم. وبالإضافة إلى ذلك، رفضت كلتا القوتين محاولات تفكيك ثرواتهما الاقتصادية الهائلة، وهو ما كان هدفًا رئيسيًا للثورة.‏


كان الخلاف بين الجنرالين حول إصلاح قطاع الأمن، وطموحهما المشترك إلى الاحتفاظ بالسيطرة على حصص كبيرة من ثروة البلاد، من بين أهم العوامل التي دفعت السودان إلى دوامة الحرب.‏


‏أصول قوات الدعم السريع‏

 


إذا كان التنافس بين ضباط الجيش السوداني المدعومين من الإسلاميين وميليشيا قوات الدعم السريع يهدد الآن بتدمير الدولة، فإنه تاريخهم الطويل من الشراكة هو الذي صنع الشبكة التحتية الداعمة للحرب الحالية.‏


‏يعود ظهور قوات الدعم السريع إلى حرب دارفور في أوائل العام 2000. في رده على التمرد الذي بدأ في دارفور في العام 2003، شن نظام البشير حرب أرض محروقة لمكافحة التمرد، أسفرت عن مقتل أكثر من 200.000 مدني. وشنّت الحرب في المقام الأول ما تسمى بـ"ميليشيات الجنجويد"، التي أسسها النظام في الخرطوم ومولها واحتفظ بالسيطرة عليها. وكان القائد الحالي لقوات الدعم السريع، دقلو، قد خدم هو نفسه كقائد للجنجويد خلال تلك السنوات.

 

(كان البرهان، أيضًا، متمركزًا في دارفور حتى تتمكن القوات المسلحة السودانية من تنسيق جهود مكافحة التمرد نيابة عن الخرطوم).‏


في العام 2013، بعد قيام النظام الإسلامي بإعادة هيكلة الجيش، تم تحويل ميليشيات الجنجويد إلى "قوات الدعم السريع" تحت قيادة دقلو. وبسبب قلقه من التهديد الذي يشكله المتمردون في دارفور، وكذلك الدورات المتكررة من احتجاجات المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية في الخرطوم، قام البشير بإضفاء الطابع المؤسسي على "قوات الدعم السريع" كذراع لمكافحة التمرد في الجيش السوداني.

 

وبالإضافة إلى نشر الميليشيا ضد التمرد والاحتجاجات الشعبية، كان الهدف الثالث هو إضعاف الجيش الوطني النظامي لمنع أي محاولات قد يقوم بها ضباط من الرتب المتوسطة للإطاحة بحزب البشير (نظام حزب المؤتمر الوطني) من خلال القيام بانقلاب عسكري. وكان البشير هو الذي أطلق على دقلو لقبه، حميدتي، "حاميَّ".

 

وفي العام 2017، أضفى الحاكم الشرعية على قوات الدعم السريع من خلال مرسوم رئاسي تنفيذي، وأسس الميليشيا رسميًا كقوة أمنية مستقلة، وبعد ذلك، تم تصنيفها بشكل أكثر دقة كميليشيا شبه عسكرية تابعة للدولة.‏

 

 

في أعقاب ثورة العام 2019، سمح البرهان بتوسيع انتشار قوات الدعم السريع في جميع أنحاء المناطق السكنية في الخرطوم الكبرى وشجعها، وهو ما مهد الطريق لأن تصبح العاصمة بؤرة اندلاع العنف في بداية الحرب الحالية.‏

 


‏سودانية تحمل ابنتها خارج مأواها في مخيم للنازحين داخليًا في روترياك، جنوب السودان، تشرين الثاني (نوفمبر) 2023 - (أرشيفية)

‏لعل من المفارقات القاتلة في التاريخ السوداني حقيقة أن قوات الدعم السريع -ذراع الميليشيات الموالية ظاهريًا لنظام "حزب المؤتمر الوطني" الإسلامي السابق- هي التي ستحمل السلاح في نيسان (أبريل) 2023 ضد راعيها السابق. وكانت أسبابها الرئيسية للقيام بذلك ذات شقين: إصرارها على استقلالية القيادة والسيطرة، وتحقيق طموح حميدتي المتزايد إلى كسب الهيمنة الاقتصادية والسياسية في البلاد.‏

*خالد مصطفى مدني‏‏ Khalid Mustafa Medani: أستاذ مشارك في العلوم السياسية في جامعة ماكغيل. 
*نشرت هذه المادة تحت عنوان: The Struggle for Sudan، في موقع Middle East Research and Information Project
‏ 

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

بعد عام من الحرب السودان دولة فاشلة ‏


Endnotes
[1] “Sudan crisis sends shockwaves around the region as displacement, hunger, and malnutrition soar,” WFP, February 19, 2024.
[2] The National Population Council, Ministry of Social Welfare and Security, “Sudan Millennium Development Goals Progress Report, 2010,” July 23, 2012, p. 67.
[3] IMF Country Report No. 13/318: “Sudan: Interim Poverty Reduction Strategy Paper,” (October 2013), p. 6.
[4] “Sudan: Public Expenditure Review, Synthesis Report,” World Bank, Report no. 41840-SD. Washington DC. December 2007.
[5] World Bank: “The Sudan Interim Poverty Reduction Strategy Paper Status Report,” (October 2016), p. 1.