الهروب الفلسطيني الكبير في 2021: تأملات من مشهد التحرر الأميركي

رسم للفنان الفلسطيني محمد سباعنة - (المصدر)
رسم للفنان الفلسطيني محمد سباعنة - (المصدر)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ديانا بلوك* - (كاونتربنش) 24/12/2021

مع اقتراب العام 2021 من نهايته، يسلط الهروب الفلسطيني الكبير الضوء على إمكانية الفوز بالحرية في ظل أكثر الظروف استحالة. ويتردد صداه مع كلمات راسل مارون شواتز: "إن التاريخ يسجل قصص الجموع الذين خاطروا بحياتهم للحصول على حريتهم أو استردادها".
* * *
في 6 أيلول (سبتمبر) 2021، هرب ستة سجناء سياسيين فلسطينيين من سجن جلبوع، أحد أكثر السجون حراسة في دولة الفصل العنصري الإسرائيلية. وقد هربوا عبر نفق كانوا عاكفين على حفره لمدة عام تقريبًا.

اضافة اعلان

وقاموا بحفر مدخل النفق بشق الأنفس في الأرضية الخرسانية تحت الحوض في زنزانتهم في السجن.

وتم إنجاز الخطة باستخدام أكثر الأدوات بساطة -ملاعق، وأطباق، ومقابض مقلاة- بينما تم تطبيق قواعد السرية والتنسيق الأكثر تعقيدًا في العملية.

ويمثل هذا الهروب إخفاقا أمنيا واستخباراتيا كبيرا للدولة الإسرائيلية التي تحاول تقديم نفسها على أنها عصية على الاختراق.

وتمت الإشادة بالهروب باعتباره انتصارًا بطوليًا في جميع أنحاء فلسطين، وارتقى على الفور إلى مرتبة أسطورية باسم "الهروب الكبير".

ونزل الفلسطينيون في كل أنحاء الضفة الغربية وغزة والقدس وداخل حدود إسرائيل الـ48 إلى الشوارع للاحتفال بشجاعة الأسرى وقوتهم. وفي جنين، موطن جميع السجناء الستة، أقيمت احتفالات ضخمة في الساحة الرئيسية بالمدينة، والتي تخللتها مسيرة وترديد الأغاني والأناشيد والهتافات للحرية والتحرير.

 اقرأ المزيد من ترجمات

وأكدت آلاف المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي شجاعة وبراعة السجناء: "لا تعط الأسرى الفلسطينيين أكثر من ملعقة وسوف يشقون طريقهم إلى الحرية"؛ "سوف نقوم بحفر حفرة جديدة كل يوم، حتى يتم إطلاق سراح بقية السجناء".

وتم تمجيد الملعقة ذات النفع الكبير لتصبح "الملعقة المعجزة" و"ملعقة الحرية".

وابتكر فنانون فلسطينيون رسومات تصور الملعقة، وفي واشنطن العاصمة، نثر نشطاء فلسطينيون 465 ملعقة أمام السفارة الإسرائيلية -في بادرة تضامن مع 4.650 فلسطينيًا تسجنهم الدولة الصهيونية الإسرائيلية.

جسد "الهروب الكبير" في فلسطين الدور القيادي الذي يلعبه الأسرى الفلسطينيون في إلهام تماسك حركة التحرير الفلسطينية.

وكان رد فعل الشعب الفلسطيني دليلاً على التزامه الراسخ بدعم أسراه طوال 73 عامًا من مقاومة المشروع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي.

للأسف، لم يتمكن الأسرى الفلسطينون الهاربون من الاستمتاع بحريتهم لأكثر من فترة وجيزة. فقد تم القبض عليهم مرة أخرى في أقل من أسبوعين.

في منطقة جغرافية صغيرة، يلفها جهاز المراقبة والجهاز العسكري الأكثر تطوراً في العالم، حوّل الاحتلال الوطن الفلسطيني إلى سجن كبير، مع خيارات قليلة للعثور على ملاذ آمن.

ولكن، حتى بعد إعادة القبض عليه واستجوابه بقسوة وتعذيبه، قال يعقوب قادري، أحد الأسرى الستة: "سوف أحاول الهروب مرة أخرى لأنه لا يوجد شيء مثل الحرية".

إن أحلام الحرية موجودة في الحمض النووي لكل الناس المسجونين، في الولايات المتحدة كما في فلسطين.

في الآونة الأخيرة، طلب "تحالف كاليفورنيا للسجينات" من النزيلات في سجون النساء التعليق على سؤال: ماذا تعني الحرية بالنسبة لك؟

وقد نشرنا بعض الإجابات في النشرة الإخبارية لتحالفنا "فاير إنسايد".

وأجابت إحدى النساء: "وقت السجن يشبه استيقاظك كل صباح لتقاتل تنينًا بملعقة شاي صغيرة، لكنك تستمر في القتال، وفي يوم من الأيام ترى التنين يسقط".

وقالت سجينة أخرى إن "الحرية تتعلق بالخلاص والعودة إلى المنزل مع أحبائي. إن فكرة التحرر والشعور به هي في حد ذاتها مُبهجة ومحرِّرة".

 تاريخ في عمليات الهروب 

تاريخيًا، كانت هناك أيضًا حالات هروب كبيرة وتحررية من السجون في الولايات المتحدة، التي حدثت في سياق حركة السجناء الراديكالية المناهضة للاستعمار في سبعينيات القرن الماضي.

والتي عرّت وتحدت غايات التفوقية البيضاء من نظام السجون.

والآن، ما يزال روتشيل سينك ماغي هو العضو الوحيد الباقي على قيد الحياة من تمرد "قاعة محكمة مارين" في 7 آب (أغسطس) 1970 الذي بدأه جوناثان جاكسون، شقيق جورج جاكسون.

وأثناء التمرد، حاول روتشيل تحرير نفسه والسجناء الآخرين. وفي أعقاب ذلك، دافع ماغي عن نفسه ضد تهم عدة بقول إن للسجناء المستعبدين حق وواجب محاولة الهرب.

واليوم، يبلغ ماغي من العمر 82 عامًا، وهو صاحب أطول فترة سجن يقضيها سجين سياسي في الولايات المتحدة، حيث أمضى 58 عامًا في السجن في كاليفورنيا.
هرب راسل مارون شواتز، عضو حركة "الفهود السود" و"جيش التحرير الأسود"، من سجون ولاية بنسلفانيا مرتين.

في العام 1977 وفي العام 1980، وأعيد القبض عليه في المرتين.

وكان لقبه "مارون"، في إشارة إلى المجتمعات التاريخية للعبيد الهاربين في أميركا الشمالية والجنوبية. كما انتزعت مارلين باك، المناضلة البيضاء المناهضة للإمبريالية، حريتها عندما لم تعد من إجازة السجن في العام 1977.

وذهبت إلى الاختفاء لمدة ثمانية أعوام تالية قبل أن يتم اعتقالها مرة أخرى في العام 1985.

وهرب المناضل البورتوريكي من أجل الحرية، ويليام موراليس، من جناح سجن في مستشفى بلفيو في أيار (مايو) 1979.

واستخدم موراليس حبلًا مرتجلاً للنزول من نافذة ارتفاعها 40 قدمًا.

وهو إنجاز مثير للإعجاب بشكل خاص لأنه كان قد فقد معظم يديه في انفجار قبل بضعة أشهر.

وحصل موراليس على حق اللجوء السياسي في كوبا في العام 1988.


في 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1979، تم تحرير الثائرة السوداء، أساتا شاكور، من إصلاحية كلينتون في نيوجيرسي على يد أعضاء من "جيش التحرير الأسود" خلال زيارة للسجن.

وبعد خمس سنوات حصلت على حق اللجوء السياسي في كوبا حيث تعيش منذ ذلك الحين.

وقد ترددت أصداء هروب أساتا الرائع في صفوف الحركة لعقود، وأصبحت منارة ملهمة للأجيال الجديدة من السود وغيرهم من نشطاء التحرير.

ترنيمة أساتا

وغالبًا ما تُستخدم كلماتها اليوم لاختتام التجمعات السياسية باقتباس تأكيد من سيرتها الذاتية.

ويُطلق عليه عادةً اسم "ترنيمة أساتا": "من واجبنا أن نقاتل، ومن واجبنا أن نفوز. ليس لدينا ما نخسره سوى قيودنا".

في العقود التي أعقبت عمليات الهروب الكبير من السجون، صعَّدت الحكومة الأميركية رد الفعل العقابي ضد الحركات من الحرية.

وكان الهدف من التجريم والحبس الجماعي للسود والملونين، وقوانين مكافحة الإرهاب التي تستهدف العرب والمسلمين، والقمع المتزايد ضد أولئك الذين يقاومون، هو منع عودة ظهور النضال الراديكالي من أجل الحرية.

وتم تطوير أسلحة السجون الأميركية القاتلة بالتنسيق الوثيق مع الدولة الإسرائيلية، حيث تعمل الدولتان معًا للقضاء على التوجه نحو التحرر على نطاق عالمي.

على مدى العقدين الماضيين، كانت حركة إلغاء الاستعباد النامية في السجون جزءًا من تجدد النضال من أجل الحرية داخل الولايات المتحدة.

ويتحدى دعاة التخلص من العبودية داخل وخارج السجون المجمع الصناعي للسجون من خلال مجموعة متنوعة من التكتيكات.

نحن نطالب بإغلاق جماعي للسجون، وقطع تمويل السجون والشرطة، وإعادة توجيه الأموال والموارد نحو احتياجات المجتمع والحلول التي يقررها بنفسه.

ونحن ننظم أنشطة من أجل حرية السجناء السياسيين وجميع السجناء من خلال تحدي المعتقدات العنصرية والقائمة على النوع الاجتماعي.

وعن طريق تغيير القوانين الوحشية التي تم وضعها لإيقاع الملايين من الناس في الشراك.

ونحن ندعم جهود السجناء لنزع الشرعية عن الدولة التي تضطهد السجناء والتي لا تقهر من خلال الإضراب عن الطعام، والتوقف عن العمل، والإبداعات الفنية والتضامن الجماعي.

مع اقتراب العام 2021 من نهايته، يسلط الهروب الفلسطيني الكبير الضوء على إمكانية الفوز بالحرية في ظل أكثر الظروف استحالة.

ويتردد صداه مع كلمات راسل مارون شواتز: "إن التاريخ يسجل قصص الجموع الذين خاطروا بحياتهم للحصول على حريتهم أو استردادها".

وقد مات مارون، للأسف، بسبب مرض السرطان في 17 كانون الأول (ديسمبر) 2021، بعد أن أمضى خمسين يومًا فقط في الحرية.

وكان قد حصل أخيرًا على إطلاق سراح رحيم في 26 تشرين الأول (أكتوبر) بعد 49 عامًا قضاها في السجن.

يذكرنا الهروب الفلسطيني الكبير بأن "ترنيمة أساتا" هي في الواقع دعوة إلى العمل يتردد صداها مع كفاح المسجونين والمضطهدين في جميع أنحاء العالم: "من واجبنا أن نقاتل ومن واجبنا أن نفوز. ليس لدينا ما نخسره سوى قيودنا".


هذا المقال مكرس لحياة وأعمال وكتابات راسل مارون شواتز، (23 آب/ أغسطس 1943-17 كانون الأول/ ديسمبر 2021).

*Diana Block: كانت جزءًا من "كتائب فينسيريموس"، الحركة العالمية للتضامن مع كوبا. عملت لسنوات عديدة للفوز بحرية السجناء السياسيين الكوبيين الخمسة.

وهي مؤلفة كتاب المذكرات، "سلِّح الروح: رحلة امرأة في العمل السري والعودة"، ورواية "انشغالات سرية: تاريخ متخيل".

وهي عضو مؤسس وفاعل في تحالف كاليفورنيا للسجينات، وهي منظمة مناصرة لإلغاء السجون والتي احتفلت بعيد تأسيسها الخامس والعشرين في العام 2020.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:

The Great Palestinian Escape of 2021: Reflections from the U.S. Abolitionist Landscape
هامش:
راسل شواتز (23 آب/ أغسطس 1943-17 كانون الأول/ ديسمبر 2021)، المعروف غالبًا باسم مارون، كان ناشطًا سياسيًا وكاتبًا أميركيًا.

كان عضوًا مؤسسًا في "مجلس الوحدة السوداء"، وكذلك عضوًا في "حزب الفهد الأسود"، وجندياً في "جيش التحرير الأسود".

في العام 1970، أدين بقتل ضابط شرطة في ولاية بنسلفانيا وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة من دون إمكانية الإفراج المشروط.

في 20 شباط (فبراير) أُعيد إلى عموم نزلاء السجن بعد أن ظل محتجزًا في الحبس الانفرادي لأكثر من 22 عامًا متتالية.

تم إطلاق سراح شواتز في 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2021، بعد إصابته بسرطان القولون والمستقيم المتقدم.

توفي بعد أقل من شهرين، في 17 كانون الأول (ديسمبر)، عن عمر ناهز 78 عامًا.

السجين الأميركي الأسود راسل مارون شواتز - (أرشيفية)