انتهى عصر البراءة في الشرق الأوسط

باراك أوباما، جورج بوش، هيلاري كلنتون وبيل كلينتون في مناسبة في بوسطن عام 2009 – (أرشيفية)
باراك أوباما، جورج بوش، هيلاري كلنتون وبيل كلينتون في مناسبة في بوسطن عام 2009 – (أرشيفية)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

جيمس تراوب* - (فورين بوليسي) 20/3/2018

يشكل الشرق الأوسط مقبرة لمثالية السياسة الخارجية الأميركية. وعلى مدى الجيل الأخير، نشرت الولايات المتحدة كل سلاح تملكه في ترسانتها من أجل تحقيق الآمال العزيزة بإعادة تشكيل منطقة حرون وهائلة الأهمية: تغيير النظام؛ تعزيز الديمقراطية؛ مكافحة التمرد؛ التدخل الإنساني؛ خطاب حقوق الإنسان وخطاب تقرير المصير الوطني.
ولكن، ما الذي لدى الولايات المتحدة لتعرضه الآن في مقابل كل هذا الاستثمار في الأرواح، والأموال والأمل والتفكير؟ والأهم من ذلك بكثير، ما الذي لدى المواطنين العرب العاديين الذين أصبح مصيرهم أخيراً في أيديهم في مصر والبحرين وليبيا وسورية والعراق، ليعرضوه؟ الموت، السجن، والهول. وما إن طلع بالكاد فجر السلام في الشرق الأوسط -انظروا إلى سورية، أو اليمن، أو ليبيا- حتى أصبح الشعور بأن المستقبل ربما يكون أفضل من الماضي مدفوناً هو الآخر إلى جانب الكثير من الأشياء الأخرى.
وجدتُ نفسي مُجبراً على تأمل هذه المقبرة بينما أقرأ كتاب "النظام من الرماد: أسس جديدة للأمن في الشرق الأوسط"، وهو كتاب من مجموعة من المقالات نشرته "مؤسسة القرن". ويدعونا المجلد إلى التطلع إلى الأمام، لكن قراءته نفسها تجبر المرء على النظر إلى الوراء. ولنفكر في العنوان: إن "الرماد" المعني هنا هو كل ما تبقى من الحرائق التي بدت مستعدة لالتهام العالم العربي في العام 2011. وفي مجموعة مقالات صدرت في العام 2017 تحت عنوان، "السياسة العربية بعد الانتفاضات: تجارب في حقبة الاستبداد الناهض"، اعترفت مؤسسة القرن بانقراض تلك الآمال. وهي الآن تتساءل عما إذا كان ثمة شيء يستحق العناء، والذي يمكن أن يُبنى فوق بيت الموت ذاك.
هذا الشيء هو "النظام". وهو ما يمكن أن يعني ترتيباً على غرار معاهدة وستفاليا، والذي يضم عدداً من الدول التي تعمل بشكل جمعي من أجل أمن المنطقة. ومن المفارق إلى حد كبير التفكير بأن منطقة كان قد قلَبها رأساً على عقب أولاً غزو أميركي مصمم للإطاحة بمستبد مكروه والسماح للديمقراطية بأن تزدهر، أصبحت مدعوّة الآن إلى السعي نحو تحقيق سلام استبدادي. لكننا ندرك السبب: لقد عزز المستبدون حكمهم في كثير من أنحاء المنطقة. وربما يكون أسوأهم على الإطلاق، الرئيس السوري بشار الأسد، على بُعد بضعة أسابيع فقط من استعادة السيطرة على ثلثي أراضي بلده، وبذلك تأكيد شيء يشبه السيادة إلى حد كبير. ولا يبدو العالم العربي بعيداً عن العودة إلى الوضع السابق الذي ساد في أواخر القرن العشرين، ولو بتوزيع مختلف جداً للسلطة بين الفاعلين الرئيسيين. وبعبارات أخرى، فإن القضية العظيمة في المنطقة في الفترة المقبلة لن تكون حقوق الأفراد، وإنما التنافس بين الدول.
إنني أتحدث هنا كشخص مثالي مثابر، ولو أنني بالكاد الوحيد في ذلك، كما أعتقد. وكنتُ قد ذهبت إلى أفغانستان في أواخر العام 2009 لمراقبة استراتيجية "مكافحة التمرد" وهي قيد التطبيق في مقاطعة خارج قندهار. وخلصتُ إلى أن "مكافحة التمرد" كانت الفكرة الصحيحة، ولو أنها قد لا تتمتع بالوقت الكافي لتعمل. ثم رأيتُ لاحقاً أنها كانت الفكرة الصحيحة، وإنما لبلد مختلف تماماً. كانت أفغانستان كبيرة جداً، ومسامية ومفتوحة إلى حد كبير، وغير مستجيبة مطلقاً لترتيب السيطرة المركزية. وأعتقد أن الرئيس باراك أوباما يتمنى لو أنه أخذ بنصيحة جو بايدن التي أوصت بحماية المصالح الأميركية من خلال مكافحة الإرهاب، وترك أفغانستان لتدير نفسها بوسائلها وآلياتها الخاصة.
عندما هبط إعصار الربيع العربي على مصر في أواخر كانون الثاني (يناير) من العام 2011، انتظرتُ بفارغ الصبر أن يصطف أوباما إلى جانب الشعب المصري ويدعو الرئيس حسني مبارك إلى التنحي. وقد فعل ذلك في نهاية المطاف، وبدا وكأن مصر بأكملها تضج بالبهجة المكبوتة عندما وافق مبارك على المغادرة الفورية. وبدا كما لو أن الولايات المتحدة وضعت نفسها أخيراً على الجانب الصحيح من التاريخ في الشرق الأوسط. ولكن، تبين لاحقاً أن وجهة التاريخ كانت غير ذلك. ونصحت وزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون، التي أدهشها ضعف قادة الحركة الشعبية، نصحت أوباما بدعم انتقال بطيء ومنظَّم. وبالنظر إلى ما حدث هناك الآن، من الصعب تصور كيف كان ذلك سيُحدث فرقاً. لكن شكوك كلينتون كان لها ما يبررها.
هل يكون الاستنتاج الذي يجب أن نستخلصه من هذا الهدر المريع هو أنه كان من الأفضل لو دعمت الولايات المتحدة حلفاءها الاستبداديين في القرن الحادي والعشرين كما كانت قد فعلت في القرن الماضي؟ بالتأكيد، علمتنا كارثة العراق، ولو متأخراً جداً، حكمة انتهاج سياسة صبورة للاحتواء، مهما قد تكون محبطة -بل وحتى خطيرة. كما علّمتنا التداعيات الفاشلة للتدخل في لبيبا، مرة أخرى، عن العواقب غير المقصودة وغير المتوقعة للمساعي التي ربما تكون قد بدأت بنية نبيلة. ولكن، ماذا عن موقف أوباما المبدئي -كما رآه- ضد تقديم مساعدة كبيرة للثوار السوريين؟ لقد تُركت سورية لتهبط إلى كارثة أكبر حتى من نظيرتها العراقية، وأظهرت الخبرة هناك أن تداعيات التقاعس على العمل يمكن أن لا تقل فداحة عن عواقب العمل. ولا يستطيع "الواقعيون"، بعقلياتهم المتشائمة كما هو حالهم دائماً، أن يجدوا أي عزاء في الحاصل السوري.
لم يشجع التاريخ الحديث الإيمان بأن قوس التاريخ ينحني في اتجاه العدالة، كما قال أوباما في كثير من الأحيان. ومع ذلك، ما أزال أعتقد بأننا يجب أن نتصرف كما لو أنه يفعل. لست نادماً على أن أوباما دعا مبارك إلى التنحي، وأتمنى حقاً لو أنه ساعد الثوار السوريين في العام 2012. ومع ذلك، يذكرنا الرماد الآن بكم هو قليل ما نستطيع أن نفعله لتغيير أقدار الناس الذين يعيشون في الدول القاسية. لقد حاولنا الكثير، ومن غير المرجح (ربما باستثناء الحالة في سورية) أنه كان بوسعنا أن نحدث فرقاً لو أننا حاولنا بقوة أكبر.
يطلب منا "النظام من الرماد" أن نرسم خطاً تحت تلك الفترة، وأن ننظر في السلوك الخارجي للدول التي ظهرت من الفوضى. وذلك صحيح، لأن الخصومات الحالية بين القوى الإقليمية تبدو مرشحة للانتشار. وربما، عندئذٍ، سوف يكون الجانب الإيجابي لاستعادة فضاء ويستفالي في الشرق الأوسط هو إتاحة الفرصة لظهور أشكال جديدة من التعاون بين الحكومات. لكن أحد الأسباب التي تجعل الصراع مزمناً في المنطقة هو أن الدول العربية لم تتقبل ما يصفه هنري كيسنجر في كتابه "النظام العالمي" بأنه المبدأ الأساسي للنظام الويستفالي -الرغبة في جعل كل دولة أخرى تسعى إلى تحقيق نظامها الداخلي الخاص، كما اتفق الأمراء البروتستانت والكاثوليك على أن يفعلوا في نهاية حرب الثلاثين عاماً. وفي الشرق الأوسط، ثمة نظام شيعي تقوده إيران، وله نفوذ في كل من اليمن وسورية، ضد نظام سني تقوده السعودية. وإذا كان السعوديون ينظرون حقاً إلى مرشد إيران الأعلى، آية الله علي خامنئي، على أنه المكافئ الأخلاقي لأدولف هتلر، كما قال ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لبرنامج "60 دقيقة"، فإن الأسوأ لم يأتِ بعد.
لا يتوقع معظم مؤلفي مجلد "مؤسسة القرن" خلاف ذلك؛ ويبدو أن البعض منهم وافقوا على مناقشة موضوع لا يقبلون من حيث المبدأ فرضيته الآمِلة. ويصف بريان كاتوليس، الخبير في شؤون الشرق الأوسط في مركز التقدم الأميركي، آفاق ظهور نظام إقليمي جديد بأنها "خافتة، إذا كانت موجودة من الأساس". ويفصل كاتوليس الدروس المستفادة من سبعة عقود من المحاولات الفاشلة لخلق النظام في المنطقة: "المنافسات الجيوسياسية ترجح على التعاون"؛ "الخوف من الهيمنة الجيوسياسية يحبط التعاون الإقليمي"؛ "تعريفات التهديد المتقاسمة تخفي في ظلالها الأولويات والمصالح المتفارقة". ومع ذلك، ولأن مثل هذا النظام يبقى "أكثر أهمية من أن يتم التخلي عنه"، كما يعنون كاتوليس مقالته، فإنه يقترح خطوات عملية يمكن للولايات المتحدة أن تتخذها، والتي تشمل منع حلفائها من "ارتكاب أخطاء استراتيجية كارثية وليست مفروضة"، مثل الحرب السعودية-الإماراتية في اليمن.
سوف يتطلب ذلك، بطبيعة الحال، إجراء تغيير جذري في العقلية، وليس في منطقة الخليج فحسب، وإنما في واشنطن أيضاً. وفي مكان آخر من كتاب "النظام من الرماد"، يقترح عالم العلاقات الدولية، بروس جنتلسون، إعادة صياغة للسياسة الأميركية، والتي تتضمن عرضَ الدبلوماسية على إيران، وتتراجع عن دعم الأتوقراطيين الكارزميين، مثل محمد بن سلمان، وتقبل بشرعية الإسلام السياسي. ومع ذلك، منحت إدارة ترامب تفويضاً مطلقاً للسعوديين في كل من اليمن وفي حملتهم الداخل-سُنية ضد قطر، في حين يبدو دونالد ترامب نفسه مستعداً لمنح السعوديين الهدية النهائية المتمثلة في إبطال الاتفاق النووي الإيراني. وعلى مدى السنوات القليلة المقبلة، من المرجح أن تعرقل الولايات المتحدة -أكثر مما تساعد- ذلك المسعى المهتز للغاية لبناء النظام من الرماد.
مع ذلك، ثمة شيء آخر نعرفه أيضاً: إن النظام لا يستنفِد السياسة. وبمجرد أن يكون الناس قد تذوقوا طعم الحرية أو الكرامة، فإنك لا تستطيع أن تحجبها عنهم إلى الأبد. وسوف يعود الدخان إلى التصاعُد من تلك الحرائق مرة أخرى في نهاية المطاف.

*محرر مسهم في مجلة "فورين بوليسي"، وزميل في مركز التعاون الدولي، ومؤلف كتاب "جون كوينسي آدامز: روح متعصبة".
*نشر هذ المقال تحت عنوان:
The Middle East’s Age of Innocence Is Over

اضافة اعلان

[email protected]