بيت منقسم: هل يستطيع إقليم كردستان الحفاظ على استقلاليته؟

الخلاف بين أربيل والسليمانية يهدد استقلال إقليم كردستان العراق - (أرشيفية)
الخلاف بين أربيل والسليمانية يهدد استقلال إقليم كردستان العراق - (أرشيفية)

رويدا مصطفى* (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 27/3/2024 


أصبح الحكم الذاتي الذي تتمتع به حكومة إقليم كردستان على المحك، عالقًا بين الخلاف السياسي الداخلي وسجل من القيود المفروضة من الخارج.

اضافة اعلان

 

وليست الأحكام التي صدرت مؤخرًا عن المحكمة الاتحادية العراقية إلا ضربة جديدة زادت من تقييد قدرة الحكومة على حكم ذاتها.
*   *   *
يمر الحكم الذاتي في إقليم كردستان العراق بمرحلة حرجة فاقمها حُكمان رئيسيان أصدرتهما المحكمة الاتحادية العراقية العليا في شباط (فبراير وشكلا تحولًا كبيرًا في التوترات المالية بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية في بغداد.


في الحكم الأول، أمرت المحكمة حكومة إقليم كردستان بتسليم مسؤولية دفع رواتب الموظفين الحكوميين إلى الحكومة الاتحادية بعد أن كانت من مسؤوليات أربيل.

 

وسيتم خصم الأموال من مخصصات ميزانية حكومة إقليم كردستان، ما سيؤدي بالتالي إلى إحكام سيطرة بغداد على الموارد المالية الإقليمية والحد من الاستقلالية المالية لحكومة إقليم كردستان.

 


كما ألزمت المحكمة أيضًا حكومة إقليم كردستان بتقديم تقارير شهرية إلى بغداد تتضمن تفاصيل صرف الرواتب ومصادر الإيرادات كافة أيضًا، بما في ذلك المصادر النفطية وغير النفطية.

 

وتهدف هذه المطالبة بزيادة الشفافية إلى معالجة مخاوف بغداد بشأن الإدارة المالية لحكومة إقليم كردستان، ولكنها تسهم أيضًا في الحد من سلطة حكومة الإقليم في إدارة شؤونها المالية وفي التدخل في شؤون المنطقة.


وكان هذان الحكمان هما الأحدث في سلسلة تطورات تعيد تشكيل العلاقة بين أربيل وبغداد منذ أن سجل الاستفتاء حول استقلال كردستان في العام 2017 نقطة تحول في ما يتعلق بالحكم الذاتي لحكومة إقليم كردستان.

 

ومنذ تلك المحاولة الفاشلة للاستقلال كليًا عن بغداد، يشهد الحكم الذاتي في إقليم كردستان العراق تراجعًا تدريجيًا بخطا ثابتة يُعزى جزئيًا إلى مجموعة أحكام مثيرة للخلاف أصدرتها المحكمة الاتحادية العراقية. ولم يكن الحكمان الصادران في شباط (فبراير) سوى أحدثها.

 

وقد أدت هذه الأحكام إلى تقويض سلطة حكومة إقليم كردستان في مجالات رئيسية، علمًا بأن الكثيرين في حكومة إقليم كردستان يعتبرونها مسيسة.


غير أن الحُكمين الأخيرين يمسان بصميم الحكم الذاتي لحكومة إقليم كردستان، حيث لا يعدّ توزيع رواتب موظفي الخدمة المدنية في حكومة إقليم كردستان مجرد معاملة مالية.

 

وفي حين تدير الحكومات المحلية عادة في أجزاء أخرى من العالم رواتب موظفي الخدمة المدنية في مناطق الحكم الذاتي، لما في ذلك من دلالة على التحكّم في جانب أساسي من جوانب الحكم، فإن الحكم الأخير الصادر عن المحكمة الاتحادية العراقية يقوض بشكل مباشر استقلالية حكومة إقليم كردستان نظرًا لأنه يكلف المصارف الخاضعة لسيطرة بغداد بصرف هذه المدفوعات.

 

ولعل الغضب الشعبي من هذا التحول أقل حدة مما كان عليه قبل عشر سنوات، أي في الفترة التي شهدت قدرًا أكبر من الاستقرار، إلا أن المخاوف بشأن النظام الجديد تنتشر.

 

ومن ناحية أخرى، تعود الاستجابة الخجولة إلى حد ما إلى التصور السائد بأن الأحزاب الحاكمة في حكومة إقليم كردستان فشلت في إرساء نظام ثابت وموثوق لدفع الرواتب.

 

وبالإضافة إلى ذلك، قلّما يؤثر احتمال تأخر بغداد أو تدخلها في دفع الرواتب بالأكراد، إذ واجه عامة الناس إجراءات تقشف وتأخيرًا في دفع الرواتب لسنوات.


كما أن الحكم الآخر الذي أصدرته المحكمة الاتحادية العراقية، والذي جاء نتيجة دعوى قضائية رفعها "الاتحاد الوطني الكردستاني"، شكل نقطة تحول أيضًا.

 

وقد تخطت المحكمة موضوع الدعوى الأساسي وذهبت إلى حد اعتبار حصص الأقليات في برلمان حكومة إقليم كردستان غير دستورية وعمدت إلى إلغائها. وتؤدي هذه العملية المتمثلة في إعادة الهيكلة إلى أربع مناطق متجانسة إلى تغيير كبير في المشهد السياسي في المنطقة.

 

ويكتسب هذا الحكم أهمية خاصة مع الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في 10 حزيران (يونيو) هذا العام، وقد تنجم عنه عواقب وخمية على "الحزب الديمقراطي الكردستاني" بعد أن تمكن لسنوات من ضمان مقاعد الكوتا لصالحه. ويهدد هذا القرار هيمنة الحزب الذي يبلغ من العمر 77 عامًا داخل البرلمان.


إلا أن التراجع المستمر في الحكم الذاتي الكردي لا يعود في الأساس إلى تدخل المحكمة الاتحادية فحسب، بل يعود أيضًا إلى الافتقار طويل الأمد إلى التماسك والتواصل بين "الاتحاد الوطني الكردستاني" و"الحزب الديمقراطي الكردستاني".

 

يسيطر هذان الحزبان المهيمنان عمليًا على مصادر إيرادات حكومة إقليم كردستان وقواتها العسكرية. ولذلك، عندما تغيب الأرضية المشتركة بينهما تكون التداعيات وخيمة. وخير مثال على ذلك هو التأجيل المتكرر للانتخابات البرلمانية التي كان من المقرر إجراؤها في الأول من تشرين الأول (أكتوبر) 2022.

 

ويقوم الخلاف السياسي المستمر بين "الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني الكردستاني" إلى الحيلولة دون اتباع نهج موحد في الحكم، الأمر الذي يعيق إحراز تقدم في القضايا المهمة ويضعف في نهاية المطاف الموقف الكردي في المفاوضات مع الحكومة الاتحادية العراقية.


لقد رأينا حالات تعاون فيها "الاتحاد الوطني الكردستاني" و"الحزب الديمقراطي الكردستاني"، خدما فيها المصلحة العامة الكبرى وتمكنا من التغلّب على الشدائد. عندما ظهر تنظيم "داعش" في العراق مثلًا، وضع الطرفان خلافاتهما جانباً وعملا معًا بشكل استراتيجي وتعاوني، بما في ذلك في مجال تبادل المعلومات الاستخبارية، لضمان سلامة الناس داخل إقليم كردستان.


تتطلب استدامة حق الأكراد في تقرير مصيرهم في المستقبل اتباع نهج ذي شقين، أولهما حل الانقسامات السياسية الداخلية، وثانيهما التصدي الاستباقي للقيود الفيدرالية الجائرة. وعلى الرغم من الجهود الجديرة بالثناء التي تبذلها البعثات الدبلوماسية المحلية لتيسير الحوار بين "الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني الكردستاني"، يتوقف التقدم المستدام على حسن النية الحقيقية وتقديم التنازلات من كلا الحزبين. ويشكل ظهور أحزاب جديدة تسعى إلى إخراج السياسة الكردية من نظام الحزبين بارقة أمل.

 

ولكن يبدو أن قبضة "الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني الكردستاني" على السلطة قد تبقى مُحكمة في المستقبل المنظور. وتؤدي هذه الدينامية إلى الحد من نفوذ الأحزاب الأخرى، بغض النظر عن أي مكاسب انتخابية.


تحتاج حكومة إقليم كردستان بشدة إلى إجراء انتخابات لاستعادة الشرعية على الجبهتين المحلية والدولية. ومن دون تفويض عام، سوف تضعف سلطتها. ومن شأن المزيد من التأخير في إجراء الانتخابات أن يبدد أي أمل بوجود نظام برلماني فعال.

 

لن تؤدي مقاطعة "الحزب الديمقراطي الكردستاني" الأخيرة للانتخابات البرلمانية بعد الحكم الصادر عن المحكمة الاتحادية بحل حصة مقاعد الأقليات الأحد عشر إلا إلى عرقلة مسار حكومة إقليم كردستان للحصول على التفويض السياسي الذي تشتد الحاجة إليه.


الآن، يجد "الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني الكردستاني" نفسيهما أمام خيار صعب، إذ عليهما إما استئناف مشاحناتهما التي تخدم مصالحهما الذاتية -وبالتالي إقحام بغداد في عمق السياسة الكردية؛ أو إعطاء الأولوية لشعب كردستان. ويستحق أهل المنطقة إيجاد حلول للقضايا الملحة، مثل دفع الرواتب في أوانها، والحد من عدم المساواة؛ والسياسات الزراعية المستدامة؛ والنمو الاقتصادي؛ والتعليم. لقد انتهى وقت المناورات السياسية، لأن أي خسارة أخرى تتكبدها سلطة حكومة إقليم كردستان سيكون من شأنها أن تؤدي ببساطة إلى إنهاء استقلاليتها.


*رويدا مصطفى: ناشطة بريطانية-كردية بارزة، ومؤسسة "مجلس السياسة الكردي"، وهي حركة شعبية ترمي إلى زيادة التمثيل السياسي البريطاني-الكردي في المملكة المتحدة. ومصطفى هي أحد المساهمين في منتدى فكرة الذي يغطي السياسة العربية.

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

 

نفط كردستان وتبدد حلم الاستقلالية المالية