تأملات في الرمادي

طفل في ملابس عسكرية يوم إحياء ذكرى الجنود الأميركيين الذين قتلوا في الحروب - (أرشيفية)
طفل في ملابس عسكرية يوم إحياء ذكرى الجنود الأميركيين الذين قتلوا في الحروب - (أرشيفية)

باول فلويد* – (ستراتفور)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

26/5/2015
سقطت مدينة الرمادي العراقية مرة أخرى في أيدي تنظيم "الدولة الإسلامية"، المجموعة التي ولدت من رحم تنظيم القاعدة في العراق. وأن تستعيد هذه المنظمة الإرهابية التي لا تحتاج وحشيتها إلى وصف، مدينة كان الجنود الأميركيون قد قاتلوا من أجلها ذات يوم، فذلك يصيبني بالقلق. وقد خدمت دورتين في الرمادي، في القتال ضد تنظيم القاعدة. ومات الرفاق في ذلك القتال. وأصبت أنا نفسي بالرصاص في الرمادي. كان رد فعلي في البداية، مثل الكثيرين من المحاربين القدامى، هو السؤال: ما الذي كان كل ذلك لأجله بحق الله، عندما لا يبدو أن شيئاً قد تغير؟ كانت المسألة كلها مجرد سفك دماء مكلف، ويبدو أن الثمن الذي دفعناه لم يعد بأي مردود حقيقي. ومع ذلك، يبقى "يوم الذكرى"، الذي يُستذكر فيه الجنود الأميركيون القتلى، يوماً للتأمل بقدر ما هو يوم للتذكار والاحتفال. وفي إطار التأمل، جلست محاولاً أن أجد تعريفاً لماهية ما نقوم بإحياء ذكراه في هذا اليوم بالضبط.
يتعلق "يوم الذكرى" بتكريم أولئك الذين قضوا وهم يقاتلون من أجل بلدنا. وفي كثير من الأحيان، ترتكز تلك الذكريات –والشرف الذي نسنده إليها- إلى مكان مخصوص. وذلك منطقي: إن الجنود يقاتلون ويموتون في بيئة مادية محسوسة. وعادة ما يكون ذلك مكاناً بعيداً عن الوطن. وتجعلنا الطبيعة البشرية نتمسك بذلك العنصر المحسوس من أجل الذاكرة. وتشكل أوكيناوا، وأونتينام، وشوسين، ودرانغ، وغابة بيلياو، مجرد حفنة فقط من أسماء الأماكن التي صنعت وزناً للمعارك منذ أمد طويل. وأنا أجلُّ هذه الأسماء، وتلك الأماكن. وكلنا نفعل ذلك من أجل غاية: إننا نضفي على تلك الأماكن إجلالاً بطريقة غير واعية، نسبة إلى على عدد الناس الذين ماتوا هناك. وبقدر ما يظل هذا شأناً بعيداً عن الكمال، كما هو حاله، فإن هذه هي الطريقة التي نقيّم بها أي قتال مخصوص. وبعض الأماكن المعينة تصبح رمزية، عادة حيث كان القتال قد دار بأشرس حالاته. وكثيراً ما أُسأل عن المكان الذي جُرحت فيه. ودائماً أجيب: في الرمادي، على الرغم من أن ذلك حدث، من الناحية الفنية، في وسط أرض زراعية بين الرمادي والفلوجة. لكن الإجابة الفنية، مع ذلك، تجعل شيئاً ما يضيع في الترجمة. إن ذكر "الرمادي" يصنع شيئاً من الأهمية في عقول الناس. وكانت مهمتنا في ذلك اليوم جزءً مما كان قد بدأ في المدينة، لكنه انساب وامتد إلى خارجها، إلى الأطراف.
إن تذكر مكان بسبب الثقل المرتبط به هو شأن إشكالي على جبهتين: إنه يشكل مغالطة جزئية، بينما يتجاهل ما أعتقد أنه مكون آخر عادة ما يتم القفز عنه: الزمان.
تتمثل المغالطة الجزئية بالكيفية التي نربط بها أهمية آخر عمل باسل قام به جندي بالمكان الذي حدث فيه ذلك العمل. ربما يموت الجندي أثناء أخذ -أو الدفاع عن- تلة حاسمة، على سبيل المثال. لكن الجنود لا يقدمون حياتهم من أجل تلك التلة فقط. لا أحد ينضم إلى الجيش لكي يقاتل من أجل قطعة معينة من الأرض، أو من أجل مدينة أو شيء حميم. إننا ننضم إلى الجيش لكي نخدم بلادنا، وهو ما يتحقق باستكمال المهمة التي نكون قد دعينا للاضطلاع بتنفيذها. وبالنظر إلى أعمال الحرب كامتداد للدبلوماسية بوسائل أخرى، فإن الجنود هم المنفّذون النهائيون للإرادة السياسة الوطنية. ويحتمل كثيراً أن تتضمن إحدى المهمات الاستيلاء على تلة معينة، لكن الجندي لا يكون موجوداً هناك من أجل تلك القطعة المخصوصة من الأرض. إن الجنود يكونون هناك لأن المهمة تطلبت منهم ذلك.
العنصر الثاني الذي عادة ما نتجاهله هو الزمان. بمجرد ربط الموت بمكان وتكريس أهميته في أذهاننا، فإنه يصبح ذا معنى منذئذٍ فصاعداً. وفي المقابل، سيكون من الصعب التفكير في مكان مادي دائم بمجرد إقامة صلة مؤقتة بالزمن الذي انسفح فيه الدم هناك. وهناك سبب جعل لميادين معارك الحرب العالمية الأولى قبل قرن من الآن مثل هذه الأهمية الخاصة. إن المشكلة هي أن الاحتفاظ بعاطفة دائمة لا تنضب لمكان ما، يمكن أن يرجح على الحكم بطريقة أكثر رشاداً.
إنني أستحضر كل هذا عندما أسمع دعوات إلى إعادة القوات المقاتلة الأميركية إلى العراق بسبب الأحداث الأخيرة في الرمادي. ولا تتأسس الكثير من التبريرات لمثل هذا العمل في الاستراتيجية العسكرية، أو السياسة الخارجية الأميركية، أو بما الذي سيكون أفضل للعراق. بدلاً من ذلك، تنجم هذه التبريرات من حقيقة أن هناك أرواحاً أميركية فُقدت من أجل الفوز بالرمادي في الماضي. ويبقى السؤال: إذا عادت الرمادي لتصبح في أيدي المتشددين، فما الذي مات الجنود الأميركيون من أجله في المقام الأول؟
لقد تأثرت أفكاري بداية بذلك المنطق بالتحديد. ومع ذلك، سرعان ما نبعت المزيد من الأسئلة في ذهني على الفور. واستقر بي المقام على سوالين: هل يتسبب أخذ العدو لمكان مات الناس وهم يقاتلون من أجله بالحط من قدر ذكراهم، وهل ينبغي أن نجعل ذلك يؤثر على أفعالنا؟ بخصوص السؤال الأول، خلصت إلى الإجابة بـ"لا"، ولو أن ذلك مؤلم. إن الجنود الذين يضحون بأرواحهم وهم ينجزون مهمة، يكونون قد أحدثوا أثراً بالتأكيد. ولا تقتصر تلك الآثار على مكان واحد مُفرد. إن الحروب تشن على منطقة كاملة، وتتأثر بكل الأعمال اللانهائية التي تحدث في ذلك الحيز في ذلك الوقت من التاريخ. ولا يستطيع نجاح عدو ما في الحاضر، حتى لو أنه حدث في نفس ذلك المكان، أن يسلب التأثير الذي أحدثه الجندي في الماضي. وفي ضوء ذلك، أجد من الصعب تبرير إرسال المزيد من الجنود للقتال، حيث سيموت البعض حتماً، فقط في إطار جهد يرمي إلى حماية ذكريات أولئك الذين ماتوا مُسبقاً.
إن تلك الذكريات ليست في حاجة إلى حماية مادية. وهذا هو السبب في أن لدينا يوم مثل هذا اليوم. إن يوم الذكرى هو اعترافنا الرسمي بتضحية رفاقنا. ونحن نتذكر مآثرهم ورغبتهم في تقديم كل شيء من أجل إنجاز المهمة. ولا شك أن هذه الذكريات ترتبط بمكان بطبيعة الحال، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون هو سمتها المميزة. وما يحدث الآن في موقع مثل الرمادي لا يقوض أو يقلل من قيمة الأعمال السابقة لأولئك الذين سقطوا هناك. لقد وضع أولئك الناس أنفسهم خارج المكان، في خدمة بلدهم. وهذا ما أود شخصياً أن أحيي ذكراه.

*كبير محللي مركز ستراتفور. خدم في وحدة الجوالة 75 في الجيش الأميركي، التي تشكل جزءا مهماً من قيادة الجيش الأميركي للعمليات الخاصة. وقد تواجد عدة مرات في العراق وأفغانستان في مهمات عسكرية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Reflections on Ramadi

اضافة اعلان

[email protected]