تحرك أوروبا ضد حرية التنقل

هارولد جيمس*

برينستون – ما تزال القضية الأكبر التي لم تحلّ بعد في الاتحاد الأوروبي هي قضية حرية التنقل. وكان الهدف من عملية التكامل الأوروبي هو تسهيل عملية التنقل بين بلد وآخر بالنسبة للأوروبيين، وجعلها أكثر جذباً. وطبقاً لهذه الرؤية، فإن سكان الاتحاد الأوروبي سوف يخسرون الدولة ويكسبون القارة. ولكن بعض نتائج الانتخابات الأخيرة توحي بأن الأوروبيين هم أكثر قلقاً إزاء خسارة الدولة.اضافة اعلان
منذ أن أزال القانون الأوروبي الموحد لسنة 1986 القيود على العمل في الدول الأعضاء الأخرى، أصبح في القارة سوق عمل واحد –نظرياً على الاقل. وكانت هذه سياسة تتلائم مع أجزاء أخرى من أجندة التكامل. وكانت قدرة اليورو على العمل كعملة موحدة تتطلب سوق عمل مرن يستطيع العمال فيه التأقلم مع الصدمات الإقليمية، عن طريق بالتنقل.
لكن الهجرة الأوروبية تمكنت من الانطلاق فقط بعد الأزمة المالية العالمية. وكانت النتيجة ردة فعل عكسية ضدها، أولا في البلدان المستهدفة، والآن في بلدان المنشأ، كما توحي بذلك الانتخابات الرئاسية البولندية التي انتهت مؤخراً. وبينما يتصاعد الجدل حول الهجرة، فقد انتهى المطاف بأولئك الذين هاجروا وأولئك الذين بقوا في أوطانهم إلى أن يصبحوا قوميين بدلاً من أن يكونوا أوروبيين.
يبدو من الوهلة الأولى أن نتائج الانتخابات الأخيرة في فرنسا وإنجلترا تعطي الانطباع بأن موضوع الهجرة الأوروبية لم يعد من القضايا الساخنة. فالجبهة الوطنية الفرنسية حققت نتائج سيئة في الانتخابات الاقليمية مقارنة باليمين المؤيد لأوروبا. وبعد ذلك انغمس الحزب بفضائح واقتتال حاد بين رئيسة الحزب مارين لوبين ووالدها المؤسس جان ماري لوبين (والذي تم طرده في نهاية المطاف).
في الوقت نفسه، كان أداء حزب الاستقلال البريطاني المعادي لأوروبا سيئاً في الانتخابات العامة التي جرت مؤخراً، كما أن الحزب اليميني الشعبوي الألماني البديل "من أجل ألمانيا" هو الآن في حالة انقسام وتفكك، كما أن حركة "النجمة الخامسة" الإيطالية لم تعد فاعله كذلك.
جعل تسلسل حالات الفشل تلك البعض يتوقعون نهاية السياسة القائمة على الاحتجاج. وهذه النظرة ليست صحيحه تماماً، وليس الأمر فقط أن الأحزاب السياسية التي تنتمي إلى أقصى اليمين، والتي بدا أنها المستفيده الرئيسة من أزمة اليورو قد تعثرت، ولكن قضية حرية تنقل العمالة ما تزال حاضرة.
تجرى المناقشات المتعلقة بالهجرة الأوروبية لغاية الآن في غالبيتها ضمن الدول الغنية المستهدفة بالهجرة مثل فرنسا وبريطانيا، ولم تلق تأثيراتها في بلدان المنشأ الكثير من الاهتمام. ولكن القضية كانت مركزية في الانتخابات الرئاسية البولندية، حيث كان لها صدى كبير بين الناخبين، وساهمت في فوز أندريه دودا، رئيس حزب القانون والعدالة اليميني. كما أن هذه القضية كانت عنوان حملة باول كوكيز، وهو موسيقي متخصص بموسيقى الروك والذي حل ثالثاً في الجولة الأولى من الانتخابات.
اشتكى دودا وكوكيز من أن العديد من الشباب البولندي يغادرون البلاد، وأن بلادهم أصبحت أرضاً خالية تقتصر على العجائز -وهي حقيقة تظهر بجلاء لأي شخص يسير في شارع بولندي. وتشكل أوروبا موطن مجتمعات بولندية ديناميكية شابة، ولكن هذه المجتمعات موجوده في لندن ودبلن وباريس وأوسلو وستكهولم، وليس في وارسو أو كاركو أو لودز. ومن المؤكد تكون تلك المجتمعات غير موجودة في المناطق الريفية الفقيرة في شرق وجنوب البلاد، والتي فرغت من سكانها بشكل غير متناسب بسبب الهجرة.
تصاعد الجدل حول الضرر الذي سببته الهجرة كذلك في البلدان التي تأثرت بشكل أكبر بالأزمة الاقتصادية، أي دول منطقة اليورو مثل اليونان وأسبانيا والبرتغال، بالإضافة إلى بلدان خارج منطقة العملة الموحدة، مثل بلغاريا ورومانيا. وعلى الرغم من أن القضية تثير أسئلة واضحة تتعلق بالعدالة والفعالية -البلدان الفقيرة التي استثمرت مبالغ ضخمة في التعليم تقوم الآن بإعداد الخريجين من أجل أن يحصلوا على وظائف ويدفعوا ضرائب في الخارج- فإن أوروبا لم تقدم الكثير من أجل العثور على استجابة فعالة.
صحيح أن المهاجرين سوف يعودون إلى بلدانهم في نهاية المطاف، وسوف يحضرون رؤوس الأموال معهم. ولكن، وحتى يحين ذلك الوقت، فإنهم يتركون خلفهم شعوباً أكبر سناً وأكثر فقراً وضعفاً. ويمكن أن تشمل الحلول الأوروبية لتلك المشكلة نقل التمويل عندما يفيد التعليم المحلي سوق العمل على نطاق القارة، أو المساعدة في معالجة المشاكل التي تؤثر على المناطق المعرضة لفقدان السكان في سن العمل.
إن المفارقة واضحة؛ حيث أدى التكامل الأوروبي إلى زيادة حرية التنقل، وخاصة في أعقاب أزمة اليورو. ولكن هذا التكامل فشل لغاية الآن في إيجاد الإطار المؤسساتي لجعل حرية التنقل مقبولة لسكان الاتحاد الأوروبي.
*أستاذ التاريخ والشؤون الدولية في جامعة برنستون. أستاذ التاريخ في معهد الجامعة الأوروبية، فلورنسا. وزميل رفيع في مركز الابتكار في الحكم الدولي.

*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2015.