ترامب يتحرك لوقف عائدات النفط الإيرانية، فما هي نهاية اللعبة؟

Untitled-1
Untitled-1

سوزان مالوني* - (معهد بروكينغز) 22/4/2019

ها هي أقصى حدود الضغط تقابلها أدنى حدود الصبر. فقد اتّخذت إدارة ترامب خطوة مثيرة أخرى نحو الإخلال بالوضع الراهن في إيران وحول إيران، مع إلغائها المفاجئ لجميع الاستثناءات من العقوبات الأميركية على صادرات النفط الإيرانية. ويضع هذا القرار واشنطن في موقف صِدام مع الصين والهند وتركيا، التي ستخضع وارداتها المستمرّة من النفط الخام الإيراني لعقوبات أميركية بعد 2 أيار (مايو). ويبدو أنّ هذا القرار قد اتُّخذ بهدف الدفع بالقيادة الإيرانية إلى الحافة.
ولكن، إلى حافة ماذا تحديداً؟ ما تزال النتيجة المنشودة من حملة الإدارة الأميركية ضدّ إيران غامضة وتشكّل موضوعاً قابلاً للجدل. وقد شدّد وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو من جديد يوم تاريخ كتابة هذه السطور على أنّ الغاية من زيادة الضغط الاقتصادي على طهران تبقى الوصول إلى عملية تفاوض جديدة تهدف إلى وقف مجموعةٍ من السياسات الإيرانية المُزعزِعة للاستقرار. ويتوافق ذلك مع موقف الرئيس دونالد ترامب الثابت، المُرتكِز على قناعته بأنّ خلفيّته في التفاوض على اتفاقيات عقارية ستتيح له أن ينتزع صفقةً من الجمهورية الإسلامية، والتي تفوق ما تمكّن أكثر من عقد من الدبلوماسية والأعمال القسرية التي اعتمدها أسلافه الجهوريون والديمقراطيون من الحصول عليه.
قد تبدو اعتقادات ترامب الواهمة في غير مكانها، ولكنّ المنطق القاضي بأنّ الضغط الحادّ يستطيع أن يجبر طهران المتمرّدة على الخضوع قد لا يكون بحدّ ذاته غيرَ واقعي بالكامل. فلطالما كره القادة الإيرانيون التفاوض مع واشنطن، غير أنّ التدابير غير المسبوقة في ذلك الوقت التي اعتمدتها إدارة أوباما بين العامَين 2010 و2013 ساعدت على توليد حاجة جديدة وملحّة في طهران لإيجاد حلٍّ للأزمة وزخمٍ لعملية تفاوض جدّية ثنائية ومتعددة الأطراف. لذلك، وبالنظر إلى مراحل أخرى من تاريخ إيران من بعد الثورة، يبدو واضحاً أنّ الضغط الوجودي عجّل سابقاً الموافقة على تنازلات غير متوقّعة من جانب القيادة الإيرانية.
مع ذلك، فيما تُطلق إدارة ترامب خطاباً معيّناً في العلن، يبدو أنّ تفكيراً مختلفاً يجول في خاطرها. إذ يشكّل تغيير النظام، أو انهيار النظام على الأقلّ، الخيارَ الصالح الوحيد للتعامل مع طهران، بحسب ما قاله مستشار الأمن القومي للرئيس ترامب، جون بولتون. وبالاستناد إلى الجدول الزمني الذي تحدّث عنه بولتون، فإن واشنطن متأخّرة في تنفيذ هذه المهمة. فمنذ عامَين فقط، وعد بولتون جمهوراً جمعته مجموعةٌ مهمّشة من المنفيين الإيرانيين بأنّهم سيحتفلون معاً بالإطاحة بالجمهورية الإسلامية "قبل العام 2019" في طهران. وفي هذا السياق، تماماً مثل سائر السياقات الكثيرة التي تحدّث فيها بولتون عن إيران، سخر من فكرة أنّ الجمهورية الإسلامية قادرة على تغيير سياساتها، حتّى تحت الضغط.
بالتالي، قد يفسّر هذا الشعورُ بفشل توقّعات بولتون السابقة والإقرارُ المتأخّر بأنّ مهارات الجمهورية الإسلامية في الصمود هي أعظم بكثير ممّا كان متوقعاً قبل تصعيدَ الإدارة المفاجئ في الضغط على إيران. فسبق أن كبّدت إعادة فرض العقوبات الأميركية أعباء كبيرة على إيران؛ إذ خفّضت العقوبات قيمة عملتها المحلّية وأدّت إلى رحيل أهمّ المستثمرين الأجانب وعقّدت جميع التبادلات التجارية الدولية بشكل حادّ، مع توقّع صندوق النقد الدولي بانكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة ستة في المائة على مدى هذا العام. وباتت البلاد تعاني نقصاً في الكثير من السلع الأساسية وعاد الإيرانيون من جديد إلى طوابير توزيع الحصص الغذائية التي تذكّرهم بالحرب التي خاضوها لمدّة ثماني سنوات مع العراق.
لكن حتّى الآن، يبدو أنّ طهران تتدبّر أمرها مع تداعيات محدودة على استقرارها السياسي أو قدرتها على بسط نفوذها. وتبرز إشارات بلا شكّ بتقلّصٍ في مساعدتها الاقتصادية لجهات وكيلة مثل حزب الله وبشّار الأسد في سورية، لكن ما من دليل كافٍ يشير إلى أنّ الجمهورية الإسلامية تقارب حافة الانهيار أو الاستسلام. ولم تقع طهران في الفخّ المغري الذي نصبه ترامب عبر نبذه للملف النووي؛ إذ لم تنكث بموجباتها المفروضة عليها بحسب الاتفاقية أو تتّخذ تدابير انتقامية بحقّ المصالح الأميركية في المنطقة، الأمر الذي كان من الممكن أن يسهّل حصول حملة واشنطن القسرية على دعم دولي أوسع.
ولو كانت الدبلوماسية فعلاً هدف ترامب، لشكّل هذا الوضع المضطرب لحظةً مناسبة لانفتاح حذر على طهران. بدلاً من ذلك، يولّد احتمال تكيُّف طهران ببساطة مع ضغط مستدام طويل الأمد مخاطر جديدة للإدارة. فكما كتبتُ في بداية حملة الضغط الأقصى، بالنسبة إلى القادة الإيرانيين "الصمود يعادل النجاح". ومع قلق إدارة ترامب بأنّ طهران بإمكانها أن تحقّق فوزاً على ضربة موجعة أميركية عن طريق الصمود فحسب، باتت تهدف الآن إلى أن تضرب ضربة قاضية.
فهل ستنجح؟ على غرار جميع الأعمال الثورية، ما يزال من المبكر معرفة الجواب. فقد أظهر العقد الماضي بشكل قاطع أنّ واشنطن تستطيع أن تقضي على الاقتصاد الإيراني وأنّ المجتمع الدولي ليس بيده الحيلة أو الحافز لوقف هذه النتيجة بالكامل. غير أنّه ببساطة لم يحصل في السابق أن أدى انهيار اقتصادي سببه خارجي إلى البدء بعملية ابتعاد ناجحة عن نظام سلطوي مترسّخ للغاية نحو ديمقراطية مستدامة أو استقرار إقليمي محسّن.
وما من أسباب كافية تدفع للاعتقاد بأنّ المجموعة الحالية من صانعي القرارات الأميركيين تنظر بعين حذرة إلى التداعيات من المستويَين الثاني والثالث التي قد تشهدها مصالح الولايات المتحدة وحلفاؤها جرّاء تصعيدها للحرب الاقتصادية ضدّ إيران. فقد شدّد اليوم الجنرال علي رضا تنكسيري، قائد البحرية لحرس الثورة الإسلامية في إيران، على معادلة أمن الطاقة التي التزمت بها طهران خلال الأعوام الثلاثين الماضية، محذّراً من أنّه إذا تمّ منع إيران من تصدير النفط، فستواجه الدول المجاورة لها العقبات نفسها. فلطهران مجموعة متنوّعة من الأدوات المجرّبة خير تجربة، من الألغام تحت البحر إلى الوكلاء الإرهابيين إلى الحرب السيبرانية، التي تتيح لها أن تنفّذ تهديدها، بالإضافة إلى حافز جديد للقيام بذلك، نظراً إلى التنسيق الصريح مع دول عربية نفطية مع إعلان اليوم. ولعلّه يجدر بترامب، الذي يغرّد بانتظام معرباً عن استيائه لارتفاع أسعار الوقود، أن يفكّر كيف تمكّن الرئيس الأميركي الأخير من إدارة أزمة نفطية مستعرة في الخليج العربي اندلعت في خضمّ حملة إعادة انتخابه.

اضافة اعلان

*نائب مدير الدراسات الخارجية، وزميلة رفيعة في مركز دراسات الشرق الأوسط.