تركيا تنضم إلى سباق القوة الناعمة خلال أزمة فيروس كورونا

ديميتار بيشيف* - (أحوال تركية) 13/4/2020

في السياسة، تتزامن التهديدات والفرص في كثير من الأحيان. ويعد مرض "كوفيد 19" الذي يسببه فيروس كورونا المستجد اختباراً قوياً لقدرة الدول على التحمل، فضلاً عن أنه يمثل لحظة فاصلة لكثير من القادة في مختلف أرجاء العالم. كما أنه فرصة لممارسة النفوذ في الخارج. وقد أصبح من يرسل الإمدادات الطبية وفرق خبراء الرعاية الصحية للدول الأخرى بين عشية وضحاها في طليعة قضايا السياسة الخارجية.
شاركت جميع القوى الكبرى -الولايات المتحدة والصين وروسيا وغيرها- في هذه المباراة. وتحرص تركيا أيضاً على الانضمام إلى الفريق الرابح.
امتلك الصينيون زمام المبادرة. وكان جزء من دافع بكين لإرسال المساعدة لإيطاليا وإسبانيا المتضررتين بشدة من الفيروس في منتصف آذار (مارس) ينبع من رغبتها في تحسين صورتها المشوهة. وكانت قيادة الحزب الشيوعي الصيني تزعم منذ فترة طويلة أن مساهمتها في الحوكمة العالمية تهدف إلى التخلص من فقر وحرمان مئات الملايين من شعب بلادها. ولم تركز كثيراً على تحمل مسؤولية مشاكل العالم وسط شكوك بكين بأن السياسات الخارجية الأكثر نشاطاً من إدارات واشنطن غالباً ما تخفي محاولة الولايات المتحدة للاحتفاظ بالتفوق العالمي.
لكن الوضع تغير الآن. تبذل الصين قصارى جهدها لتصوير نفسها على أنها ركيزة حميدة للتعاون الدولي، خاصة وأنها تواجه اتهامات بإساءة التعامل مع الجائحة وتصديرها، فضلاً عن السعي إلى استبدال الهيمنة الغربية بهيمنتها الخاصة. والآن يمثل الأطباء والأقنعة الواقية محور قوتها الناعمة.
من جهتها، حذت روسيا حذو الصين. ففي الأسبوع قبل الماضي، هبطت طائرة محملة بالإمدادات الطبية في نيويورك، بؤرة الإصابة بفيروس كورونا المستجد في الولايات المتحدة. وعلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أحد إيجازاته اليومية قائلاً إنها "بادرة طيبة للغاية من الرئيس الروسي (فلاديمير) بوتين". ومع ذلك، رفض معلقون كثيرون شحنة الإمدادات الطبية، التي دفع فيمتها الصندوق السيادي للاتحاد الروسي، وقالوا إنها حيلة دعائية.
كما تواصلت موسكو مع إيطاليا أيضاً. وتزعم وزارة الدفاع الروسية أنها أرسلت 15 طائرة إلى إيطاليا تحمل كل منها 60 طناً من البضائع، بالإضافة إلى 122 خبيراً، من بينهم 66 جندياً "من قوات الدفاع الإشعاعي والكيميائي والبيولوجي" وثمانية فرق من الأطباء ومختبر كامل. لكن هذه المبادرة أثارت، كما هو متوقع، جدلاً كبيراً أيضاً. فقد أثار المعلقون الإيطاليون اتهامات بأن عملاء المخابرات كانوا ضمن الطواقم الروسية.
وأشارت دائرة العمل الخارجي الأوروبية إلى المنصات الدعائية التي يرعاها الكرملين مثل "سبوتنيك" التي تنشر معلومات مضللة وتستغل تقاعس الاتحاد الأوروبي الواضح عن إنقاذ إيطاليا، على النقيض من سخاء موسكو.
وثمة سباق للقوة الناعمة أيضاً في غرب البلقان، ليس بعيداً عن حدود تركيا.
فقد أشاد الرئيس الصربي ألكسندر فوتيتش بالصين لإرسالها إمدادات طبية إلى صربيا وانتقد الاتحاد الأوروبي. ورثى فوتيتش الوضع قائلاً: "التضامن الأوروبي غير موجود. كان ذلك رواية خيالية على الورق… هؤلاء هم نفس الأشخاص الذين طلبوا منا إصلاح إجراءات مناقصاتنا لاستبعاد الصينيين حتى تحصل شركات الاتحاد الأوروبي على الأموال الصربية. الآن لم تعد أموالنا الصربية جيدة بما يكفي بالنسبة لهم".
وظهرت لوحات إعلانية مدفوعة من قبل صحيفة شعبية موالية للحكومة في العاصمة بلغراد، والتي تشكر الرئيس الصيني وتشير إليه على أنه "الأخ شي". وفي حين أن المساعدة المالية الصينية تشكل جزءاً صغيراً من الأموال التي يدفعها الاتحاد الأوروبي في المنطقة، إلا أن تحدي فيروس كورونا ساعد بكين على التفوق على الغرب. وبعد مكالمة هاتفية بين فوتيتش وبوتين، نقلت الطائرات العسكرية الروسية الأطباء وعلماء الفيروسات والإمدادات الطبية و16 عربة إلى صربيا.
لم تستطع تركيا مشاهدة أعمال روسيا والصين بينما تظل واقفة على الهامش. ففي نهاية المطاف، يعتبر غرب البلقان جزءاً من جوارها. وهكذا، في السادس من نيسان (أبريل)، شكر وزير الخارجية نيكولا ديميتروف الرئيس أردوغان على إرسال كمامات وملابس واقية ومجموعات الكشف عن الفيروس إلى مقدونيا الشمالية.
كما تعهدت أنقرة بإرسال المساعدة إلى البوسنة والهرسك، بعد مكالمة هاتفية بين وزيري خارجية البلدين. وكان رئيس الوزراء الألباني، إيدي راما، قد طلب بالفعل مساعدة أردوغان، الذي تربطه به علاقة خاصة، بحلول أواخر آذار (مارس). ومن الجدير بالذكر أن تركيا حظيت بالإشادة بعد إرسالها مساعدات إنسانية في أعقاب الزلزال الذي ضرب ألبانيا في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. وقد بدأت شحنات المساعدات الطبية المحمولة جواً من تركيا تنطلق إلى جميع دول غرب البلقان في الثامن من نيسان (أبريل).
لطالما كانت المساعدة الإنسانية، التي تتم من خلال كل من الوكالات الحكومية والجمعيات الخاصة، أداة في أيدي الدبلوماسية التركية. فمن البوسنة إلى الصومال إلى أفغانستان، رسخت تركيا مكانتها وبنت قوتها الناعمة من خلال تقديم المساعدات.
ولكن، يعتمد ما إذا كانت الدولة قادرة على الاستفادة دولياً من هذه الأزمة في نهاية المطاف على كيفية تعاملها مع الوضع في الداخل. ففي ظل ارتفاع عدد حالات الإصابة والوفيات بشكل كبير، فإن نظام الرعاية الصحية -فخر ومصدر ابتهاج حزب العدالة والتنمية، الذي ينسب إليه الفضل في تحسين الوصول إلى الفئات المحرومة سابقاً في تركيا- يتعرض لضغوط شديدة.
إن إرسال الكمامات وأجهزة الفحص إلى الجيران، وكذلك إلى إيطاليا وإسبانيا، أمر مثير للإعجاب. كما أنه يظهر التزام أنقرة تجاه حلف شمال الأطلسي (الناتو) حيث تولى الحلف مسؤولية تنسيق المساعدة. لكن القوة الناعمة، كما يقول جوزيف ناي الذي صاغ المصطلح، تنبع إلى حدّ كبير من جودة وأداء المؤسسات والسياسات العامة.

اضافة اعلان

*عضو في مركز يورواسيا في "مجلس الأطلسي"، متخصص بالشأن الروسي والتركي