تركيا والأكراد: آمال متلاشية

دخان يتصاعد من تفجير نفذه "داعش" في كوباني السورية-الكردية قرب الحدود التركية - (أرشيفية)
دخان يتصاعد من تفجير نفذه "داعش" في كوباني السورية-الكردية قرب الحدود التركية - (أرشيفية)

افتتاحية – (الإندبندنت) 15/8/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
قبل بضع سنوات، كان يُنظر إلى تركيا على نطاق واسع على أنها نموذج للشرق الأوسط: ديمقراطية تعددية متطورة ذات اقتصاد قوي، بمسحة إسلامية بالتأكيد، وإنما التي لم يعد استقرارها السياسي في حاجة إلى عُهدة الجيش. وفي السياسة الخارجية، أبقت تركيا على نفسها بعيدة عن الأضواء بطريقة مطمئنة، وبدا أن أبواب الاتحاد الأوروبي شرعت في الانفتاح. لكن تلك الصورة لم تعد اليوم، للأسف، أكثر من مجرد ذكرى بعيدة.
في أعقاب انهيار المحادثات بين أكبر حزبين في البلد، يبدو أن إجراء انتخابات عامة جديدة هذا الخريف سيكون أمراً لا مفر منه بعد أشهر قليلة فقط من انتخابات حزيران (يونيو) غير الحاسمة التي قلبت المشهد السياسي في البلاد. وقد أصبح الاقتصاد يضعف الآن، يشهد على ذلك انخفاض قيمة الليرة التركية إلى مستويات قياسية جديدة. والهجمات الإرهابية داخل البلد تتضاعف. وبعد سنوات من عملية سلام حذرة، استأنفت الحكومة صراعها مع حزب العمال الكردستاني الكردي المتشدد.
انضمت أنقرة متأخرة إلى التحالف الذي يقاتل "داعش". ولكن من المغضب لحلفائها، وخاصة الولايات المتحدة، أنها تستخدم هذا الالتزام كغطاء لشن غارات جوية ضد مواقع للأكراد في شمال العراق، وذلك في الوقت نفسه الذي أثبت فيه الأكراد أنهم الجهة الأكثر فعالية -وسيقول الكثيرون إنهم القوة الوحيدة الفعالة- على الأرض في مواجهة "داعش".
مع ذلك، ثمة ثابت واحد ما يزال حاضراً. إن الشخصية الرئيسية في هذه الأزمة هي رجب طيب أردوغان، رئيس الوزراء السابق ذو الميول الإسلامية، الذي هيمن على الحياة السياسية التركية منذ بداية الألفية، وقاد حزبه، العدالة والتنمية، إلى ثلاثة انتصارات انتخابية متتالية قبل أن يتم انتخابه رئيساً للدولة في العام 2014 -وهو موقع استمر منه في جذب الخيوط المهمة في البلد. لكن حزب العدالة خسر في حزيران (يونيو) أغلبيته المطلقة، فيما كان السبب الأساسي فيه هو صعود حزب الشعوب الديمقراطي اليساري المتعاطف مع الأكراد، والذي أصبح ثالث أكبر مجموعة في البرلمان.
تلك النكسة أضرت بشدة بطموح أردوغان إلى تغيير الدستور وتسليم المزيد من الصلاحيات للرئاسة. وعلى الرغم من أنه ينفي ذلك، يشتبه الكثيرون في أنه يعمل الآن بهدوء لضمان زوال إدارة حزب العدالة والتنمية المؤقتة الحالية، بهدف تحقيق فوز صريح في انتخابات جديدة، وإعادة حزب الشعوب الديمقراطي مرة أخرى إلى ما دون عتبة 10 % من الدعم اللازم للتمثيل في البرلمان. وبالتالي، ثمة من يقول إن مواجهة جديدة مع حزب العمال الكردستاني سوف تجتذب الدعم من القوميين المحافظين. وتشير بعض استطلاعات الرأي إلى أن هذه الاستراتيجية يمكن أن تكون تحقق النجاح.
للتحرك ضد "داعش" بُعد سياسي داخلي مماثل. وهو تحرك عجلت به الهجمات الإرهابية التي نفذها المتطرفون الإسلاميون داخل تركيا. لكنه يدحض أيضاً اتهامات متواصلة بأن أردوغان فشل في الماضي في التحرك ضد المجموعة المتطرفة، لأسباب ليس أقلها الهدف المشترك المتمثل في إسقاط نظام الأسد في دمشق.
كان لا بد في مرحة ما أن تنجر تركيا، البلد العضو في حلف شمال الأطلسي والدولة الإسلامية الواقعة على حدود سورية والعراق اللتين مزقهما العنف، لتنخرط مباشرة في صراع المنطقة وفوضاها. ولكن عدم استقرارها المحلي وطموحاتها المتضاربة -سؤال: هل العدو الرئيسي هو "داعش" أم الأكراد؟- يهددان فقط بالمزيد من تعقيد الأمور.
مع كل مناورات أردوغان، لن يوفر إجراء انتخابات مبكرة ضماناً لإحراز نتيجة لا لبس فيها لحزبه. وفي الوقت الراهن، سوف يكون أفضل ما يخدم مصالح البلد الآن هو إقامة تحالف دائم بين حزب العدالة والتنمية وثاني أكبر حزب في البرلمان، حزب الشعب الجمهوري العلماني، الذي تعود جذوره إلى مصطفى كمال أتاتورك، الأب المؤسس لتركيا الحديثة. وبالإضافة إلى ذلك ما يزال هناك وقت للتوصل إلى اتفاق: فالموعد النهائي الرسمي للمحادثات لن يأتي حتى 23 آب (أغسطس). وعلى المدى الطويل، يجب على تركيا أن تبذل جهداً جديداً لحل المشكلة الكردية، سواء لمصلحة الحرب ضد "داعش" -أو لمصلحة تركيا نفسها.

اضافة اعلان

[email protected]
*نشرت هذه الافتتاحية تحت عنوان:Fading hopes: Turkey must sort out its Kurdish problem, because it is destroying the most effective weapon against Isis