تونس بعد ثماني سنوات من إحراق البوعزيزي نفسه

Untitled-1
Untitled-1
ترجمة: علاء الدين أبو زينة د. مصطفى الفيتوري - (ميدل إيست مونيتور) 13/12/2018 لم يكن محمد البوعزيزي -بائع الخضار التونسي- ليتخيل أبداً أن احتجاجه بتلك الطريقة عن طريق إيذاء الذات ضد ظلم محلي سيؤدي إلى مثل هذه الموجات الصادمة والهزات الارتدادية التي تجاوزت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وألهمت الملايين من الناس في أماكن أبعد. وقد أصبح اسمه مرتبطاً بالاحتجاجات، وسلطة الناس، والحرب الأهلية، والتغيير السياسي، والتدخل الأجنبي، وبصراع طويل ما يزال مستمراً في العديد من البلدان العربية. * * * يصادف يوم 17 كانون الأول (ديسمبر) الذكرى الثامنة لانطلاق ما يسمى "الربيع العربي"، الذي بدأ في تونس قبل أن ينتشر إلى باقي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وفي ذلك اليوم من العام 2010، أضرم محمد بوعزيزي النار في نفسه بعد مشاجرة بسيطة مع ضابط شرطة، وهو الحادث الذي أدى إلى اندلاع ثورة "الياسمين" التونسية، وأشعل بالصدفة ثورة كبيرة ما تزال تؤثر على المنطقة برمتها. وقد توفي البوعزيزي متأثراً بجراحه في كانون الثاني (يناير) 2011 من دون أن يعرف ما حدث في بلده وفي البلدان الأخرى؛ حيث كان الملايين من أمثاله يواجهون صعوبات مماثلة، مثل الافتقار إلى الحرية، والبيروقراطية الحكومية، والفساد، والمصاعب الاقتصادية والفقر المزمن. كان محمد البوعزيزي بائعاً متجولاً بعمر 26 عاماً، مع وصول محدود إلى الأسواق في مدينته سيدي بوزيد في وسط تونس. وكان يبيع الفاكهة والخضار لدعم عائلته. ولم يكن لقاؤه مع ضباط الشرطة الفاسدين في وقت مبكر من بعد ظهر ذلك اليوم المشؤوم شيئاً جديداً -سوى أنه ذهابه شوطاً بعيداً جداً. كانت مضايقات الشرطة والترهيب جزءاً من الكفاح الذي كان البوعزيزي معتاداً عليه. وكانت تدير تونس في ذلك الوقت وكالات أمنية فاسدة ووحشية، والتي تنافست مع بعضها البعض. كان ذلك الشاب واحداً من بين الكثيرين غيره الذين يعرضون بضائعهم في شوارع تونس، من دون ترخيص على ما يبدو (على الرغم من أن المسؤولين المحليين أصروا لاحقاً على أن مثل هذا الترخيص لم يكن مطلوباً). وهذا النوع من التجارة شائع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ حيث يوجد شباب يائسون، أحياناً من خريجي الجامعات، من الذين ليست لهم وظائف والذين يُتركون لاجتراح وسائلهم الخاصة لكسب العيش. ومَن يستطيع، بالرغم من ذلك، أن يشكك في شرعية أي شيء في مجتمعات عندما تترأسها حكومات فاسدة ويكون الفقر فيها هو القاسم المشترك بين معظم الناس؟ لم يكن بوسع البوعزيزي أن يتخيل أبداً أن احتجاجه بتلك الطريقة عن طريق إيذاء الذات ضد ظلم محلي سيؤدي إلى مثل هذه الموجات الصادمة والهزات الارتدادية التي تجاوزت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وألهمت الملايين من الناس في أماكن أبعد. وقد أصبح اسمه مرتبطاً بالاحتجاجات، وسلطة الناس، والحرب الأهلية، والتغيير السياسي، والتدخل الأجنبي، وبصراع طويل ما يزال مستمراً في العديد من البلدان العربية. أجبرت الانتفاضة التي أعقبت وفاته الرئيس التونسي الحاكم منذ فترة طويلة، زين العابدين بن علي، على الفرار إلى المملكة العربية السعودية في 14 كانون الثاني (يناير) 2011. وبعد ذلك بدأ المصريون احتجاجاتهم ضد الرئيس حسني مبارك الذي كان قد أمضى فترة طويلة في الحكم أيضاً، والتي أجبرته على الاستقالة هو الآخر بعد أسبوعين. وفي حين أوقفت البحرين ربيعها الخاص بمساعدة خارجية، فقد انغمست كل من ليبيا وسورية واليمن في حروب أهلية أدت إلى نزوح الملايين من سكانها حتى الآن، وقتلت مئات الآلاف وألحقت الدمار والشقاء بشعوبها. سبع سنوات مرت الآن على انطلاق "الربيع العربي"، ويبدو أن التونسيين كانوا يجتازون طريقاً صعباً في بعض الأحيان من أجل تحقيق ديمقراطية شبه مستقرة، على الرغم من أنها ما تزال تعاني من صعوبات اقتصادية ومشاكل اجتماعية أخرى. ويقدر معدل البطالة الآن بحوالي 15.5 في المائة من مجموع القوى العاملة من سكان يقل عددهم عن 12 مليون نسمة. وما يزال مكمن الخطورة بوجه خاص هو البطالة بين الشباب، بمعدل يزيد عن 35 في المائة. ويصف البنك الدولي بطالة الشباب في تونس بأنها "مشكلة هائلة" تواجهها البلاد. منذ قيام الثورة في تونس، ازدهرت حرية التعبير، بما في ذلك حرية الصحافة وحرية التجمع علناً. ومع ذلك، تفاقمت الأوضاع الاقتصادية والأمنية، مما اضطر الحكومات المتعاقبة إلى تخصيص موارد نادرة مسبقاً لمعالجتها. خلال السنوات الخمس الماضية، شهدت تونس هجوماً إرهابياً واحداً في المعدل لكل عام على المواقع السياحية والمباني الحكومية، والتي أسفرت في مجموعها عن مقتل وإصابة حوالي 200 شخص. وقد وجهت الهجمات على السياح ضربة قوية إلى الاقتصاد التونسي؛ حيث كانت السياحة توفر نحو 10 في المائة من الوظائف وتسهم بالنسبة المئوية نفسها في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي الوقت نفسه، انتقل أكثر من 3.000 مواطن تونسي، من الذكور والإناث على حد سواء، إلى سورية والعراق وليبيا المجاورة للانضمام إلى الجماعات الإرهابية مثل "داعش" والقاعدة. وما يزال البعض من أولادهم وجثث الذين قتلوا منهم عالقة في ليمبو قانوني في ليبيا، كما أبرز هذا الموقع في تقرير نشره في آب (أغسطس) الماضي. قبل العام 2011، اعتادت ليبيا على توفير العمل لآلاف العمال التونسيين وتوفير وصول إلى السلع الاستهلاكية الرخيصة المدعومة بقوة. لكن ليبيا أصبحت منذ الانتفاضة التي أطاحت بمعمر القذافي مصدراً للمتاعب لجيرانها، بما في ذلك تونس. وقد جفت فرص العمل في ليبيا وتوقفت الواردات التي كانت تأتي من أسواقها المزدهرة بالكامل، حيث لجأ الكثير من الشباب التونسيين، وخاصة بالقرب من المنطقة الحدودية، إلى التهريب من أجل محاولة تغطية احتياجاتهم. وأصبحت البلدات-الأسواق التي كانت مزدهرة ذات مرة في جنوب تونس، مثل رأس جدار وتاوين بالقرب من الحدود الليبية، تعيش الآن في وضع صعب وقاتم لأنها اعتمدت على ليبيا في العمل والتجارة. وأصبحت الاحتجاجات حدثاً شائعاً كلما تم إغلاق الحدود لأي من الأسباب. ربما يكون "الربيع العربي" قد جلب التغيير الذي تمس الحاجة إليه إلى تونس، لكنه لم يحل المشاكل الاقتصادية التي كانت القوة الدافعة وراء قيام الاضطرابات في المقام الأول. وفي واقع الأمر، أدت الاضطرابات المدنية إلى إبعاد الاستثمار الأجنبي الذي تمس الحاجة إليه. وبدلاً من تحقيق الرخاء والسلام، هناك الآن المزيد من الفقر، والغموض، وانعدام اليقين، والإرهاب والهيمنة الغربية. ما كان يمكن أن تكون لدى محمد البوعزيزي أي فكرة عن التأثير الذي سيحدثه قيامه بإحراق نفسه، ولذلك سيكون من غير العدل أن نلومه على الأحداث التي جرت بعد ذلك في تونس، أو حتى في ليبيا وسورية. ومع ذلك، سوف يظل ذلك البائع المتجول الفقير مرتبطاً دائماً بـ"الربيع العربي" وعواقبه، الجيدة والسيئة منها على حد سواء. وفي وطنه الأم، لا بد من قول أن ثورة الياسمين التي أطلقتها تضحيته فشلت في تحقيق الرخاء الاقتصادي والوظائف التي يحتاج إليها معظم التونسيين بشكل يائس. *نشر هذا المقال تحت عنوان: Tunisia eight years after Bouazizi’s self-immolation [email protected]  اضافة اعلان