ثمة حرب أخرى يمكن أن تندلع على الحدود الإسرائيلية اللبنانية

استعدادات عسكرية على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية -  (أرشيفية)
استعدادات عسكرية على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية - (أرشيفية)
تقرير خاص - (الإيكونوميست) 4/1/2024
روش هانيكرا** - تصنع شمس الشتاء الساطعة التي تلهو فوق الكهوف في المنحدرات المليئة بالثقوب والمناظر المطلة على البحر الأبيض المتوسط مشهدا شاعريا. ومع ذلك، ألقِ نظرة أوثق على المشهد السلمي ظاهريا من النقطة حيث تلتقي حدود إسرائيل مع لبنان بالبحر، وسوف تجد التهديد كامناً. ثمة زوارق الدورية البحرية تتسكع بالقرب من الشاطئ، ومدافعها متأهبة. وقد أصبحت منطقة الجذب السياحي الشهيرة عادة مهجورة إلا من المركبات العسكرية المدرعة. وتكشف رحلة قصيرة بالسيارة إلى أعلى سفح الجبل المشجَّر إلى الجنوب من السياج الحدودي، عن العشرات من المواقع العسكرية المموهة، حيث ينتشر الجنود المظليون التابعون للجيش الإسرائيلي منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر)؛ اليوم الذي شنت فيه حركة "حماس" الفلسطينية هجومًا مدمرًا مفاجئًا على المجتمعات الإسرائيلية وقواعد الجيش في الجنوب.اضافة اعلان
وعلى الرغم من الهدأة التي تلف المشهد، تتصاعد بسرعة مخاطر اندلاع حرب شاملة بين إسرائيل و"حزب الله"، الحزب السياسي والميليشيا اللبنانية المدعومة من إيران، خاصة منذ انفجار 2 كانون الثاني (يناير) الذي ضرب حي "الضاحية" في بيروت، المعقل الرئيسي لـ"حزب الله". وأدى الانفجار، الذي نُسب إلى غارة إسرائيلية نُفذت بطائرة من دون طيار، إلى مقتل صالح العاروري، أحد كبار قادة "حماس"، والذي كان مقربًا من إيران، بالإضافة إلى عدد من القادة الآخرين. وقد رد "حزب الله" بقوله إن عملية القتل لن تمر بلا "عقاب" وإنه "يضع إصبعه على الزناد". وحتى قبل هذه الضربة، كان بعض المسؤولين الأوروبيين قد أعربوا عن قلقهم من احتمال اشتعال الجبهة في غضون أيام أو أسابيع.
كان مما زاد من منسوب التوتر وانعدام اليقين وقوع انفجارين في 3 كانون الثاني (يناير) في مدينة كرمان الإيرانية، واللذين أسفرا عن مقتل ما يقرب من 100 شخص بالقرب من قبر قاسم سليماني. وكان العديد من الضحايا قد تجمعوا لإحياء ذكرى قائد "فيلق القدس"؛ جناح العمليات الخارجية في "الحرس الثوري الإسلامي الإيراني"، الذي اغتيل في غارة أميركية قبل أربع سنوات. ووجهت إيران أصابع الاتهام أولاً إلى "الإرهابيين" ثم ألقت باللوم على أميركا وإسرائيل وحملتهما المسؤولية عن التفجيرات الأخيرة.
ارتفعت مخاطر اندلاع الحرب على الحدود اللبنانية أول الأمر في الساعات والأيام التي أعقبت هجوم "حماس" على إسرائيل التي كانت تخشى أن ينفذ حليف "حماس"؛ "حزب الله" اللبناني، ضربة مماثلة. وتم إرسال مئات الآلاف من جنود الاحتياط الذين تم استدعاؤهم في ذلك اليوم إلى الشمال. وبحلول الليل، كان قد تم نشر فرق كاملة بالقرب من الحدود مع لبنان المعروفة باسم "الخط الأزرق".
وكان كبار المسؤولين في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بمن فيهم وزير الدفاع، يوآف غالانت، يفضلون شن هجوم استباقي وقائي على "حزب الله". وظل ذلك الاحتمال في الميزان إلى أن انضم بيني غانتس، الجنرال الأكثر واقعية وزعيم حزب وسطي الآن، إلى الحكومة في 11 تشرين الأول (أكتوبر). كما لعبت مطالبات الرئيس الأميركي جو بايدن بضبط النفس، وقيامه بنشر مجموعة هجومية من حاملات الطائرات قبالة سواحل لبنان، دوراً في إقناع الإسرائيليين بالانتظار. وفي زيارة قام بها إلى إسرائيل يوم 18 تشرين الأول (أكتوبر)، أصدر بايدن تحذيرًا. وقال: "إلى أي دولة أو أي جهة معادية أخرى تفكر في مهاجمة إسرائيل. لا تفعلوا. لا تفعلوا. لا تفعلوا".
كان ما تلا ذلك عبارة عن سلسلة مميتة من الضربات والضربات المقابلة، حيث أطلق "حزب الله" الصواريخ والطائرات من دون طيار كل يوم على أهداف مدنية وعسكرية إسرائيلية، في حين شنت إسرائيل هجمات مضادة. وفي أغلب الأحيان، ضرب الجانبان أهدافًا قريبة من الحدود، في امتثال لقواعد الاشتباك الضمنية التي وضِعت على مر السنين. وفي إسرائيل ولبنان فر عشرات الآلاف من المدنيين من مناطق القتال، وتحولت مدن مثل شلومي وكريات شمونة في إسرائيل إلى مدن أشباح. وعلى مدى ثلاثة أشهر، فقد "حزب الله" أكثر من 146 من مقاتليه، بينما قتلت صواريخه 15 إسرائيلياً. كما قُتل ثلاثة صحفيين من الجانب اللبناني.
ثمة سابقة لهذا الوضع. في العام 2006، شن "حزب الله" غارة عبر الحدود، حيث هاجم دورية تابعة للجيش الإسرائيلي، مما أسفر الهجوم عن مقتل خمسة جنود وقام باختطاف جثتين. وسرعان ما تصاعد ذلك الاشتباك إلى حرب استمرت 34 يومًا قصف فيها الجانبان بعضهما بعضا. وشن الجيش الإسرائيلي عملية برية واسعة النطاق داخل لبنان، لكن "حزب الله" قاومها بضراوة حتى وصلت إلى طريق مسدود محرج. وكان لبنان هو الأكثر معاناة، حيث قُتل أكثر من ألف مدني وألحقت أضرار جسيمة بالبنية التحتية.
يصر "حزب الله" على تعريف نفسه بأنه حركة "مقاومة"، وقام ببناء ترسانة هائلة تضم حوالي 150 ألف صاروخ. وتتميز بضع مئات من هذه الصواريخ بطول المدى والدقة اللازمتين لضرب أي مكان في إسرائيل. ويتباهى الحزب بأن لديه ما يصل إلى 100 ألف مقاتل (العدد الفعلي ربما يكون نصف هذا العدد)، وقد اكتسب العديد من هؤلاء المقاتلين خبرة قتالية حديثة في سورية، حيث قدم الحزب الدعم لنظام بشار الأسد طوال عقد من الحرب الأهلية.
اكبح جماح نفسك
تشكل هذه أسبابًا قوية تدفع إسرائيل إلى تجنب الانخراط في حرب شاملة، ولكن، في أعقاب الهجوم المفاجئ الذي شنته "حماس"، أصبح بعض كبار المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين يعتقدون أن بلدهم لا يمكنه السماح ببقاء مثل هذه التهديدات على حدوده. ويرى هؤلاء المسؤولين أن على إسرائيل أن تأخذ زمام المبادرة -خاصة وأن "قوة الرضوان" التابعة لـ"حزب الله" قد تم تدريبها على مهاجمة الأراضي الإسرائيلية بالتكتيكات نفسها التي استخدمتها "حماس" في هجومها على المجتمعات الإسرائيلية وقواعد الجيش في غلاف غزة.
يقول متحدث باسم الجيش الإسرائيلي إن جيش الدفاع الإسرائيلي "يخوض حرباً بالفعل"، على الرغم من قوله: "إننا ما نزال في وضع دفاعي في هذه المرحلة". ويلاحظ القادة البلدات الفارغة والكيبوتسات القريبة ويقولون إن المهمة بالنسبة لهم "لن تكتمل طالما أن مدنيينا لا يستطيعون العودة إلى ديارهم بسلام وطالما أن ’حزب الله‘ ما يزال هنا على الحدود". والجنود الإسرائيليون، المنشغلون حاليا بتحديد مواقع فرق صواريخ "حزب الله" وتدميرها من بعيد، مستعدون للانتقال إلى الهجوم.
يقول مسؤولون غربيون إن لدى جيش الدفاع الإسرائيلي القدرة العسكرية لفتح جبهة ثانية حتى أثناء استمرار الحرب في غزة، وتطويق مواقع "حزب الله" بالقرب من الحدود بسرعة في غضون ساعات. وعلى الرغم من أن اندلاع حريق أوسع نطاقاً بدا في بعض الأحيان أمراً لا مفر منه، إلا أن الجهود المبذولة لنزع فتيل الوضع ما تزال مستمرة. وقد سحب "حزب الله" مقاتليه من المواقع الواقعة على السياج الحدودي مباشرة إلى مواقع تبعد حوالي 2-3 كيلومترات عن الحدود. وقد يكون هذا مجرد تراجع تكتيكي، ولكنه يشكل أيضاً إشارة إلى الإسرائيليين والأميركيين بأن الحزب يريد تجنب الحرب. وفي الوقت نفسه، قام جيش الدفاع الإسرائيلي بتخفيض حجم قواته بشكل طفيف، على الرغم من أنها ما تزال أعلى بكثير مما كانت عليه قبل 7 تشرين الأول (أكتوبر). ويبدو الإسرائيليون مستعدين للهجوم في أي لحظة.
لدى كلا الجانبين أسباب مقنعة لتجنب التصعيد. من جهة، تخوض إسرائيل حملة دامية على الأرض في غزة، وقد فقدت نحو 1.400 مواطن وجندي منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر). ومن جهة أخرى، يعلم "حزب الله" أنه لن يكسب شعبية من خلال دعوة إسرائيل إلى الانتقام، خاصة وأن العديد من اللبنانيين يتذكرون الدمار الذي خلفته الحرب في العام 2006 ويشاهدون الدمار الذي لحق بغزة -حيث قُتل أكثر من 22 ألف فلسطيني، معظمهم من المدنيين. أما إيران، التي شهدت قيام إسرائيل بتدمير جزء كبير من قدرات "حماس" العسكرية، فإنها تبدو غير راغبة في تبديد استثماراتها في "حزب الله" الذي يشكل رادعاً لأي هجوم إسرائيلي ممكن على المنشآت النووية الإيرانية.
مع ذلك، تعكف إيران على توظيف وكلائها بحريّة في أماكن أخرى في المنطقة من أجل إبقاء إسرائيل في حالة توتر. وقد أطلقت الميليشيات التي تدعمها إيران صواريخها على إسرائيل من سورية واليمن، بينما تقوم بمهاجمة القوات الأميركية في العراق. كما قام الحوثيون، الذين يسيطرون على أجزاء كبيرة من اليمن، بتعطيل التجارة العالمية بشن هجمات على سفن الشحن في البحر الأحمر. وتحاول قوة عمل بحرية دولية بقيادة الولايات المتحدة حراسة السفن المبحرة عبر مضيق باب المندب، وهو طريق رئيسي يمر قرب اليمن ويؤدي إلى قناة السويس. لكن خطوط الشحن الرئيسية أصبحت تغير مساراتها لتدور حول جنوب أفريقيا، مما يؤدي إلى رحلات أطول وأكثر تكلفة. وقد أسقطت السفن الغربية عددًا من صواريخ الحوثيين وأغرقت لهم عدة زوارق صغيرة.
ومع ذلك، تجد أميركا صعوبة في الحفاظ على انتشارها الكبير في المنطقة، الذي ساعد على إخماد الأعمال العدائية. وفي الأول من كانون الثاني (يناير)، قالت الولايات المتحدة إن مجموعة حاملة طائرات ستعود إلى قاعدتها، على الرغم من أن مجموعة أخرى ما تزال تتواجد في المنطقة المجاورة، بالإضافة إلى قوة من مشاة البحرية قوامها حوالي 2.000 جندي. ومع ذلك، تخشى إسرائيل من أن قدرتها على ردع إيران أو "حزب الله" عن مهاجمة إسرائيل ستتضاءل مع قيام الولايات المتحدة بسحب قواتها من المنطقة.
كان رد إسرائيل هو محاولة تفكيك قدرات وكلاء إيران من دون إثارة رد فعل عنيف أوسع نطاقًا. في 25 كانون الأول (ديسمبر)، أدت غارة جوية يكاد يكون من المؤكد أنها هي التي شنتها بالقرب من دمشق إلى مقتل راضي موسوي، وهو ضابط برتبة عميد في "قوة القدس" الإيرانية. وقد عمل موسوي لسنوات عديدة كحلقة وصل بين "الحرس الثوري الإيراني" و"حزب الله" اللبناني والجماعات المسلحة الإيرانية الأخرى في المنطقة.
تحاول الأطراف الخارجية تهدئة الوضع على الحدود اللبنانية. وفي سياق هذه الجهود، قام مستشار مقرب من الرئيس بايدن بزيارة إسرائيل ولبنان بشكل متكرر في محاولة للتوسط في اتفاق يكون من شأنه نزع فتيل الوضع المتوتر. وقد يكون الأساس لهذا الاتفاق هو قرار الأمم المتحدة رقم 1701، الذي صدر في نهاية الحرب بين الطرفين في العام 2006. ومن المفترض أن يبقي هذا القرار قوات "حزب الله" إلى الشمال من نهر الليطاني الذي يمتد بموازاة الحدود تقريبًا، على بعد حوالي 29 كيلومتراً إلى الشمال. لكن الجيش اللبناني وقوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في لبنان، (اليونيفيل)، المكلفة بتنفيذ القرار، فشلا في القيام بذلك.
ولكن، توقفوا عن حفر الأنفاق
تدعي إسرائيل أنه منذ العام 2006 قام "حزب الله" بوضع المئات من منصات إطلاق الصواريخ في المباني المدنية في جميع أنحاء جنوب لبنان، في تحد لقرار الأمم المتحدة. وفي كانون الأول (ديسمبر) 2018، كشف الجيش الإسرائيلي عن ستة أنفاق عابرة للحدود حفرها "حزب الله" استعدادًا لهجمات مستقبلية. كما أنشأ "حزب الله" نقاط مراقبة على طول الحدود تحت ستار مجموعة واجهة بيئية تسمى "أخضر بلا حدود". وقد تعرضت العديد من هذه المناطق للقصف الإسرائيلي منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر).
ولا تساعد السياسة المختلة وظيفيًا في لبنان على إجراء محادثات. ليس للبلاد رئيس منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2022، وتديرها منذ ذلك الحين حكومة تصريف أعمال. ومع ذلك، فإن التوصل إلى نوع ما من الاتفاق ليس مستحيلاً. في تشرين الأول (أكتوبر) 2022، اتفقت إسرائيل ولبنان على ترسيم حدودهما البحرية للسماح باستكشاف واستغلال حقول الغاز البحرية في منطقة ادعى كل منهما أنها تنتمي إلى منطقته الاقتصادية الخالصة.
وعلى الرغم من أن القادة على كل جانب يُطلقون تصريحات طنانة، إلا أنهم أثبتوا في الواقع أنهم حذرون. وقد مارس بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأطول خدمة، ضبط النفس منذ فترة طويلة في رد فعله على الهجمات عبر الحدود. وبدا حسن نصر الله، زعيم حزب الله لأكثر من ثلاثة عقود من الزمان والحليف الأقوى لإيران في المنطقة، متردداً في إثارة حرب أخرى بعد أن أخطأ في تقديره بأن إسرائيل لن ترد بقوة على غارة "حزب الله" عبر الحدود في العام 2006.
وتتلخص مقامرة إسرائيل في المراهنة على أنه سيظل حذراً، حتى في بينما تقوم بمهاجمة زعماء حماس في لبنان، وأنه يفضل سحب قواته عبر نهر الليطاني بدلاً من المجازفة بخسارة هذه القوات في هجوم إسرائيلي. ويقول أحد المسؤولين العسكريين الإسرائيليين: "يستطيع نصر الله احتواء هذا. ما يزال الخيار بيده".

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: It is possible that another war could break out on the Israeli-Lebanese border

هامش المترجم:
**روش هانيكرا: هو كيبوتس يقع في شمال فلسطين المحتلة، يقع على ساحل البحر المتوسط بالقرب من كهوف روش هانيكرا والحدود مع لبنان. وهو وجهة سياحية مشهورة.