حان الوقت لإنهاء برنامج نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط

عراقية ترفع اصبعها الملون بالحبر بعد المشاركة في الانتخابات الأخيرة - (أرشيفية)
عراقية ترفع اصبعها الملون بالحبر بعد المشاركة في الانتخابات الأخيرة - (أرشيفية)

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

غريغ شيريدان* – (ذا أوستريليان) 27/6/2014

يشكل ما نشهده الآن بكل تأكيد انعكاسات تاريخية للنفوذ الغربي في الشرق الأوسط. ولا يعني ذلك القول بأن الإرهابيين قد كسبوا، أو أن الإسلاميين قد فازوا. لكنه يعني فعلاً أن فكرة مجرد الهمس بأن القوة الأميركية يمكن أن تنشر ارتعاشات الخوف في أوصال أي حاكم شرق أوسطي قد انتهت منذ زمن طويل.اضافة اعلان
الآن، أصبح من الصعب للغاية على الولايات المتحدة أن تمارس نفوذاً سياسياً حاسماً في تلك المنطقة. وقد أصبحنا في حاجة إلى إجراء نقاش جديد، بشكل أساسي في الولايات المتحدة، وإنما في الغرب الأوسع نطاقاً أيضاً، حول تحديد ماهية المصالح الغربية المركزية في الشرق الأوسط. وهي كما أقترح: الاستقرار؛ تأمين إمدادات موثوقة من النفط، وتجنب وقوع أعمال وحشية جماعية تنتهك حقوق الإنسان. ولا أعتقد أنه ما يزال بوسعنا بعد الآن، أو أنه ينبغي لنا التظاهر بأن الديمقراطية تشكل هدفاً جدياً للسياسة الغربية هناك. كما لن يكون التركيز على الانتخابات أمراً مفيداً هناك أيضاً.
سوف تكون الانتخابات شأناً عظيماً إذا كان بوسع البلد المعني أن يتولى أمرها بنفسه. لكن الانتخابات من دون توفر البنية التحتية الاجتماعية والمؤسسية الضرورية، يمكنها أن تفضي بنفس المقدار إلى سكب الدموع بقدر إمكانية أن تفضي إلى أي شيء آخر.
ثم إن هناك سؤالاً آخر أيضاً عما هو الذي يشكل الاستقرار. سوف تكون إدامة، أو إعادة بناء حدود الدول القديمة لكل من سورية والعراق عملاً عبثياً لا طائل تحته، والذي يحتمل كثيراً أن يفضي إلى المزيد من عدم الاستقرار وحسب. في العادة، تنحل الأزمات والصراعات عندما يكسب أحد الأطراف ويخسر آخر. والطريق الآخر الذي عادة ما تنتهي بها الصراعات، هو أن تصبح الأطراف عند نقطة ما منهكة تماماً من الاقتتال، وتصبح القوات والأراضي التي تسيطر عليها متجمدة في مكانها.
هذا هو السبب في أن لدينا هدنة، وليس معاهدة سلام بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية؛ وهو السبب في أن الباكستان تسيطر على جزء كبير من إقليم كشمير؛ وهو السبب في أن الصين تسيطر على مناطق تعتقد الهند بأنها تنتمي إليها، وهو السبب في أن حدود إسرائيل مع الأردن ما هي عليه، والسبب في أن شمال قبرص جيب تركي. ويشكل كل واحد من هذه الأوضاع نزاعاً إقليمياً وسياسياً يستهلك الطاقة، وينطوي بلا شك على كثير من المظالم. لكنه يظل أفضل كثيراً في كل الأحوال من خوض حرب مستمرة. وفي نهاية المطاف، سوف تتجمد الدول السنية، والشيعية، والكردية –إذا ما تشكلت- في مكانها أيضاً.
لطالما كانت صيانة الاستقرار أو صناعته موضوعاً يعتمد على رد الفعل الانعكاسي في السياسة الأميركية الخارجية. وقد أفضى ذلك إلى شن الكثير من الهجمات ضد الاستخفاف الذي يسم السياسة الأميركية، باعتبار أنها ترقص مع المستبدين، أو أنها تجسد فكرة أن الحاكم المستبد ربما يكون ابن زنى، لكنه يظل ابن زنى يخضع لنا نحن في نهاية المطاف.
كان تبرير الاستقرار أسهل كثيراً كطموح للسياسة في سياق الحرب الباردة. ففي صراع تاريخي عملاق ضد عدو وحشي وهائل القوة، يترتب عليك أن تجمع كل الحلفاء الذين يمكنك الحصول عليهم، إلا إذا كانت طباعهم الكريهة مغرقة تماماً في التطرف. لكن هذه الفضيلة المسندة إلى الاستقرار أصبحت محلاً لهجوم اليمين واليسار على حد سواء بعد انتهاء الحرب الباردة.
على سبيل المثال، وجه بيل كلينتون انتقادات قوية إلى جورج بوش الأب بسبب تودده للدكتاتوريين الصينيين. كما أن مفكري المحافظين الجدد مثل ريتشارد بيرل، ولنأخذ كمثال من المعسكر اليساري، المعارض الروسي العظيم ناتان شارانسكي، دعوا إلى أن يكون تصدير الديمقراطية هو الفكرة المركزية لسياسات الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط. وكان خطاب الرئيس جورج دبليو بوش الافتتاحي لفترته الرئاسية الثانية مليئاً بهذا الخطاب.
لم يكن هذا الحافز موضع أهمال أو استخفاف من جانب الولايات المتحدة، وإنما كان على العكس من ذلك. كان الاعتقاد العميق هو أن العرب، مثلهم مثل كل الكائنات البشرية، يتحرقون إلى الحرية. ولكن، وكما تبين لنا خبرة العراق، فإنك كلما كنت أكثر طموحاً في غاياتك المتعلقة بجلب التغيير إلى ثقافة سياسية غريبة ومغايرة، قل احتمال إحرازك النجاح.
عندما قالت واشنطن للقاهرة: حافظوا على النظام محلياً، احترموا معاهدة السلام مع إسرائيل، لا تتواطأوا ضدنا على المسرح  الدولي، وهاكم بضع مليارات من الدولارات لحل مشكلاتكم، كانت تلك الصفقة ناجحة ومستدامة بشكل ملحوظ. أما عندما قالت واشنطن لمصر: يتوجب عليكم تطبيق الديقراطية. حسناً، انظروا أي فوضى أعقبت ذلك.
لن يشكل أي من هذا عذراً لأخطاء واشنطن الكثيرة جداً في العراق. قبل أسابيع قليلة في بريطانيا، التقيت جاك سترو، وزير خارجية توني بلير خلال فترة غزو العراق. ولم يعبر سترو عن الندم ولا تراجع عن تأييده للتدخل في العراق في العام 2003، الذي كانت له حجج ومبررات مقنعة حينذاك. لكن الأمر الذي ندم عليه بمرارة، كان رفض وزارة الدفاع الأميركية العمل مع وزارة الخارجية على وضع خطة مناسبة لعراق ما بعد الغزو، وخاصة قرار حل الجيش العراقي وطرد معظم موظفي الخدمة المدنية العراقيين الذين كانت لهم أي صلات بحزب البعث الحاكم سابقاً.
ما يبينه ذلك مرة أخرى هو أنها ليس ثمة نظرية من أي نوع –لا نظرية نهاية التاريخ، ولا نظرية صراع الحضارات، ولا أي قمامة من هذا القبيل- والتي يمكن أن تعمل في العالم الواقعي للشؤون الخارجية. إن الشيء الوحيد الذي يهم هو المعرفة الدقيقة: أي من زعماء العشائر السنيين هو إسلامي ملتزم، أيهم تمكن رشوته؛ مَن يكره مَن، ما هي خطوط الصدع  المحلية؟
من الجدير تذكر أن الولايات المتحدة تدخلت، سياسياً، وبشكل أنتج فوائد كبيرة في العديد من البلدان، خاصة في شرق آسيا بعد الحرب العالمية الثانية: في اليابان، في تايوان وكوريا الجنوبية بشكل خاص. وفي كل واحدة من هذه الحالات، طورت الولايات المتحدة كادراً من المسؤولين العسكريين والمدنيين الذين كانوا على معرفة وثيقة بالمجتمعات المحلية المعنية، والذين تمكنوا من تقديم المشورة حول كل شيء، من التقنيات الزراعية إلى مسائل الأمن القومي. وفي كال واحدة من هذه الحالات، واجهت الأمة تهديدات خارجية خطيرة ووجودية، لكنه لم يحدث في أي من هذه الحالات أن تضمنت الثقافة الداخلية في جوهرها أي عواطف مناهضة للغرب، كما هو الحال مع عرب الشرق الأوسط.
قبل بضعة أشهر من غزو العراق، أخبرني هنري كيسنجر بأنه لم يكن يعتقد بإمكانية استدامة أي احتلال عسكري أميركي لأي دولة عربية مركزية لأي فترة من الوقت، على المستوى السياسي. وقد أفضى التفكير الذكي من هذا النوع  بعددد من أساطين السياسة في واشنطن إلى المجادلة لصالح الإدراج الفوري لحكومة إقليمية مؤقتة في العراق. لكنه تم تجاوز آرائهم وحصلنا بدلاً من ذلك على سلطة التحالف المؤقتة البائسة بقيادة باول بريمر. ومع أن الأميركيين، والأستراليين، الذين عملوا مع سلطة التحالف المؤقتة كانوا أناساً شجعاناً وأذكياء وملتزمين أيضاً، فقد كانت طبيعة الأمور أنها لم تكن لهم معرفة عميقة وتفصيلية بالعراق.
لا ينبغي لنا كيل الكثير من اللوم للولايات المتحدة في هذا المقام. لقد كانت لجهودنا الخاصة لإنتاج التغيير السياسي الذي نرغبه في دول جنوب المحيط الهادي نتائج ضعيفة جداً بالمقارنة مع الأموال والجهود التي استثمرناها في ذلك أيضاً.
إن ما نحتاج إليه في الشرق الأوسط الآن، هو العمل فقط لتأمين المصالح الغربية الرئيسية هناك. أما السياسات الداخلية الأوسع نطاقاً للدول المعنية، ولو أنها تبقى غير جذابة إلى حد كبير، فإنها لا ينبغي أن تشكل جزءاً مركزياً وأساسياً من عملنا هناك.



*محرر الشؤون الخارجية في صحيفة "ذا أستريليان".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Democracy Not Always the Endgame in Middle East