حرب إسرائيل السرية على المحكمة الجنائية الدولية‏ (2-2)

1717331093106020500
كريم خان يزور كيبوتسات في غلاف غزة كانت مواقع لهجوم 7 تشرين الأول (أكتوبر)، كانون الأول (ديسمبر) 2023 – (المصدر)‏

يوفال أبراهام‏‏؛ ‏‏وميرون رابوبورت*‏‏ - (مجلة 972+) 28/5/2024
‏‏‏
وفقًا للمصادر من المخابرات الإسرائيلية، فإن الأهداف الرئيسية للمراقبة كانت أربع منظمات فلسطينية لحقوق الإنسان: "مؤسسة الحق"، و"الضمير"، و"مركز الميزان"، و"المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان".

اضافة اعلان

 

 وكانت مؤسسة الضمير قد أرسلت مناشدات إلى المحكمة الجنائية الدولية بشأن ممارسات التعذيب ضد السجناء والمحتجزين في السجون الإسرائيلية، بينما أرسلت المجموعات الثلاث الأخرى نداءات متعددة على مر السنين بشأن مشروع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، وهدم المنازل العقابي، وحملات القصف في غزة، وقادة سياسيين وعسكريين إسرائيليين بارزين محدَّدين.‏


‏وقال مصدر استخباراتي إن الدافع وراء مراقبة المنظمات الفلسطينية كان معلنًا على الملأ: أنها تضر بمكانة إسرائيل في الساحة الدولية. وأضاف المصدر: "قيل لنا إن هذه منظمات تعمل في الساحة الدولية، وتشارك في ’حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات‘، وتريد إلحاق الضرر بإسرائيل قانونيا، ولذلك تتم مراقبتها أيضًا. لهذا السبب نحن نتعامل مع هذا النشاط؛ لأنه يمكن أن يؤذي أناسًا في إسرائيل -ضباطًا، سياسيين".‏


وثمة هدف آخر لمراقبة الجماعات الفلسطينية كان محاولة نزع الشرعية عنها، وبالتالي عن تحقيق المحكمة الجنائية الدولية بأكمله بحكم الصلة بينه وبين تقاريرها.‏


‏في تشرين الأول (أكتوبر) 2021، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الحين، بيني غانتس -الذي ورد اسمه في العديد من النداءات التي أرسلتها المنظمات الفلسطينية إلى المحكمة الجنائية الدولية بسبب دوره كرئيس للأركان خلال حرب غزة في العام 2014 وكوزير للدفاع خلال حرب أيار (مايو) 2021- أن مؤسسة الحق ومؤسسة الضمير وأربع منظمات حقوقية فلسطينية أخرى هي "منظمات إرهابية".‏


‏ووجد ‏تحقيق أجرته "مجلة 972+" و"لوكال كول"‏ صدر بعد بضعة أسابيع من ذلك الإعلان، أن تصريح غانتس صدر من دون أي دليل جدي يدعم مزاعمه؛ وترك ملف الشاباك الذي يدّعي أنه يقدم دليلاً على اتهاماته، وملف متابعة آخر صدر بعد بضعة أشهر، حتى أقوى حلفاء إسرائيل ‏‏غير مقتنعين‏‏.

 

وفي ذلك الوقت، انتشرت تكهنات على نطاق واسع -بما في ذلك‏‏ ‏‏من قبل هذه المنظمات نفسها‏‏- بأن هذه الجماعات تم استهدافها -جزئيا على الأقل- بسبب أنشطتها المتصلة بتحقيق المحكمة الجنائية الدولية.‏


‏ووفقًا لمصدر استخباراتي، فإن الشاباك -الذي قدم التوصية الأساسية بحظر الجماعات الست- راقب موظفي المنظمات، واستخدم غانتس المعلومات التي تم جمعها عندما أعلن أنها منظمات إرهابية.

 

واكتشف ‏‏تحقيق‏‏ أجرته مؤسسة "مختبر المواطن" Citizen Lab في ذلك الوقت، وجود برنامج التجسس "بيغاسوس"، الذي أنتجته شركة "مجموعة إن. إس. أو" ‏NSO Group ‏‏الإسرائيلية، مثبتًا على هواتف العديد من الفلسطينيين العاملين في تلك المنظمات غير الحكومية. (لم يستجب الشاباك لطلبنا التعليق).‏


‏كما اكتشف عمر عوض الله وعمار حجازي؛ المسؤولان عن قضية المحكمة الجنائية الدولية في وزارة العدل الفلسطينية، أنه قد تم تثبيت برنامج "بيغاسوس" على هواتفهما. ووفقًا لمصادر استخباراتية، كان الرجلان أهدافًا لمنظمات استخبارات إسرائيلية مختلفة في وقت واحد، مما خلق "ارتباكًا".

 

وقال أحد المصادر: "كلاهما من حملة الدكتوراه ومثيران للإعجاب للغاية، يتعاملان مع هذا الموضوع طوال اليوم، من الصباح إلى الليل -ولهذا السبب كانت هناك معلومات استخبارية يمكن الحصول عليها (من تتبعهما)".


لم يفاجأ حجازي بكونه خاضعًا للمراقبة. وقال: "لا يهمنا إذا رأت إسرائيل الأدلة التي قدمناها للمحكمة. أنا أدعوهم: تعالوا، افتحوا عيونكم، انظروا ما قدمناه".‏


‏كما قامت المخابرات الإسرائيلية بمراقبة شعوان جبارين، المدير العام لمؤسسة "الحق". وقال جبارين إن هناك مؤشرات على أن الأنظمة الداخلية للمنظمة قد تم اختراقها، وإن إعلان غانتس جاء قبل أيام فقط من اعتزام مؤسسة الحق الكشف عن اكتشافها وجود برنامج تجسس ’بيغاسوس‘ على هواتف موظفيها. وأضاف جبارين: "يقولون إنني أستخدم القانون كسلاح حرب. إذا كنتم لا تريدونني أن أستخدم القانون، فماذا تريدون أن أستخدم، القنابل؟‏".


مع ذلك، أعربت جماعات حقوق الإنسان عن قلقها العميق على خصوصية الفلسطينيين الذين قدموا شهادات إلى المحكمة. وعلى سبيل المثال، أدرجت إحدى المجموعات الأحرف الأولى من أسماء الشهود فقط في مرافعاتها المقدمة إلى المحكمة الجنائية الدولية، خوفًا من أن تتعرف إسرائيل عليهم.‏


‏وأوضح حمدي شقورة، المحامي في "المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان"، أن "الناس يخشون تقديم شكوى (إلى المحكمة الجنائية الدولية)، أو ذكر أسمائهم الحقيقية، لأنهم يخشون التعرض لاضطهاد الجيش، وفقدان تصاريح دخولهم إلى إسرائيل. هناك رجل في غزة لديه قريب مريض بالسرطان يخشى أن يأخذ الجيش تصريح دخوله ويمنعه من تلقي العلاج -هذا النوع من الأشياء يحدث".‏


‏"كان لدى المحامين تعطش كبير للمعلومات الاستخبارية"‏

 


وفقًا لمصادر استخباراتية، كان الاستخدام الإضافي للمعلومات الاستخباراتية التي يتم الحصول عليها عن طريق المراقبة هو مساعدة المحامين الإسرائيليين المشاركين في محادثات سرية عبر القنوات الخلفية مع ممثلي مكتب المدعي العام في للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.‏


بعد فترة وجيزة من إعلان بنسودا أن مكتبها سيفتح تحقيقا أوليًا في جرائم الحرب الإسرائيلية، أمر نتنياهو بتشكيل فريق سري من المحامين من وزارة العدل ووزارة الخارجية ومكتب المحامي العام العسكري (أعلى سلطة قانونية في الجيش الإسرائيلي)، الذي سافر بانتظام إلى لاهاي لعقد اجتماعات سرية مع مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية بين العامين 2017 و2019. (لم تستجب وزارة العدل الإسرائيلية لطلبات التعليق).‏


‏وعلى الرغم من أن الفريق كان يتألف من أفراد لم يكونوا جزءًا من مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي -بقيادة تال بيكر، المستشار القانوني لوزارة الخارجية- إلا أن وزارة العدل كانت مطلعة على المعلومات الاستخباراتية التي تم الحصول عليها من خلال المراقبة، وكان بإمكانها الوصول إلى تقارير قُدمت إلى المحكمة من "السلطة الفلسطينية" والمنظمات غير الحكومية الفلسطينية، وكانت تفصِّل حالات محددة من عنف المستوطنين والجيش.‏


‏وقال مصدر استخباراتي: "المحامون الذين تعاملوا مع القضية في وزارة العدل كان لديهم تعطش كبير للمعلومات الاستخبارية. وقد حصلوا عليها من كل من المخابرات العسكرية والشاباك. كانوا يبنون قضية الرسُل الإسرائيليين الذين ذهبوا سراً وتواصلوا مع المحكمة الجنائية الدولية".‏


‏في اجتماعاتهم الخاصة مع مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية، التي أكدتها ستة مصادر مطلعة على تلك الاجتماعات، شرع المحامون في إثبات أن لدى إسرائيل إجراءات قوية وفعالة لمحاسبة الجنود الذين يرتكبون مخالفات، على الرغم من سجل الجيش الإسرائيلي ‏‏السيئ‏‏ في التحقيق في المخالفات المزعومة داخل صفوفه.

 

كما سعى المحامون إلى إثبات أن المحكمة الجنائية الدولية ليس لها اختصاص التحقيق في تصرفات إسرائيل، لأن إسرائيل ليست دولة عضوا في المحكمة، ولأن فلسطين ليست عضوا كامل العضوية في الأمم المتحدة.‏


طبقًا لمسؤول سابق في المحكمة الجنائية الدولية مطلع على مضمون الاجتماعات، فإن العاملين بالمحكمة الجنائية الدولية قدموا للمحامين الإسرائيليين تفاصيل عن الحوادث التي هوجم فيها فلسطينيون أو قتلوا، وكان المحامون يردّون على تلك الحالات بمعلوماتهم الخاصة. ويتذكر المسؤول: "في البداية كان الموقف متوترًا".‏


‏في هذه المرحلة، كانت بنسودا ما تزال منخرطة في دراسة أولية للمعطيات قبل اتخاذ قرار بفتح تحقيق رسمي. وقال مصدر استخباراتي إن الغرض من المعلومات التي تم الحصول عليها من خلال المراقبة هو "جعل بنسودا تشعر بأن بياناتها القانونية غير موثوقة".‏


‏ووفقًا للمصدر، كان الهدف هو "تغذية (بنسودا) بمعلومات من شأنها أن تجعلها تشك في أساس حقها في التعامل مع هذه المسألة. عندما تجمع "مؤسسة الحق" معلومات عن عدد الفلسطينيين الذين قتلوا في الأراضي المحتلة في العام السابق وتنقلها إلى بنسودا، فإن من مصلحة إسرائيل وسياستها تمرير معلوماتها المضادة ومحاولة تقويض معلومات الفلسطينيين".‏


بالنظر إلى أن إسرائيل ترفض الاعتراف بسلطة المحكمة الجنائية الدولي وشرعيتها، كان من المهم للغاية للوفد الإسرائيلي أن تبقى هذه الاجتماعات مع المحكمة سرية. وقال مصدر مطلع على الاجتماعات إن المسؤولين الإسرائيليين أكدوا مرارًا للمحكمة الجنائية الدولية أنه "لا يمكننا أبدًا أن نعلن عن تواصلنا معكم".‏


‏انتهت اجتماعات القنوات الخلفية الإسرائيلية مع المحكمة الجنائية الدولية في كانون الأول (ديسمبر) 2019، عندما خلُصت الدراسة الأولية التي أجرتها بنسودا على مدى خمس سنوات إلى أن هناك ‏‏أساسًا معقولاً‏‏ للاعتقاد بأن كلاً من إسرائيل و"حماس" ارتكبتا جرائم حرب.

 

ولكن، بدلاً من فتح تحقيق كامل على الفور، طلبت المدعية العامة من قضاة المحكمة البت فيما إذا كان لديها اختصاص للنظر في الادعاءات بسبب وجود "قضايا قانونية ووقائعية فريدة ومتنازع عليها بشدة في القضية" -وهو ما اعتبره البعض نتيجة مباشرة لنشاط إسرائيل.‏


قال روي شوندورف، عضو الوفد الإسرائيلي كرئيس لقسم وزارة العدل المسؤول عن التعامل مع الإجراءات القانونية الدولية ضد إسرائيل، في ‏‏حدث‏‏ نظمه "معهد دراسات الأمن القومي" في تموز (يوليو) 2022: "لن أقول إن الحجة القانونية لم يكن لها أي تأثير. هناك أيضًا أشخاص يمكن إقناعهم، وأعتقد أن دولة إسرائيل تمكنت إلى حد كبير من إقناع المدعية العامة السابقة (بنسودا) على الأقل، بأنه سيكون هناك شك كاف في مسألة اختصاصها في التوجه إلى قضاة المحكمة (لإصدار مذكرات اتهام)".‏


‏"كان ادعاء التكاملية مهما جدا جدا"

 


‏في العام 2021، حكم قضاة المحكمة بأن للمحكمة الجنائية الدولية ولاية قضائية على جميع جرائم الحرب التي يرتكبها الإسرائيليون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكذلك الجرائم التي يرتكبها الفلسطينيون على الأراضي الإسرائيلية. وعلى الرغم من ست سنوات من الجهود الإسرائيلية لإحباط ذلك، أعلنت بنسودا عن فتح تحقيق جنائي رسمي.‏


لكنّ ذلك كان بعيدًا كل البعد عن أن يكون نتيجة حتمية. قبل بضعة أشهر، كانت المدعية العامة قد قررت ‏‏التخلي عن‏‏ التحقيق في جرائم الحرب البريطانية في العراق لأنها كانت مقتنعة بأن بريطانيا اتخذت إجراءات "حقيقية" للتحقيق في تلك الجرائم داخليًا بنفسها. ووفقًا لكبار القانونيين الإسرائيليين، تمسكت إسرائيل بهذه السابقة، وبدأت في تفعيل تعاون وثيق بين جمع المعلومات الاستخباراتية ونظام القضاء العسكري.‏


‏ووفقًا للمصادر، كان الهدف الرئيسي لعملية المراقبة الإسرائيلية هو تمكين الجيش من "فتح تحقيقات بأثر رجعي" في حالات العنف التي ارتُكبت ضد الفلسطينيين التي تصل إلى مكتب المدعي العام في لاهاي. وبذلك، هدفت إسرائيل إلى استغلال "مبدأ التكاملية"، الذي يؤكد أن القضية ستكون غير مقبولة أمام المحكمة الجنائية الدولية إذا كانت قيد تحقيق شامل من قبل دولة لها ولاية قضائية عليها.‏


‏وأوضح أحد المصادر أنه "إذا تم نقل مواد إلى المحكمة الجنائية الدولية، كان يجب أن يُفهم بالضبط ما هي، لضمان قيام الجيش الإسرائيلي بالتحقيق فيها بشكل مستقل وكاف حتى يتمكن المحامون من ادعاء التكاملية.كان ادعاء التكاملية مهماً للغاية".‏


وقالت المصادر إن خبراء قانونيين ضمن "آلية تقييم تقصي الحقائق التابعة لهيئة الأركان المشتركة" -الهيئة العسكرية الإسرائيلية التي تحقق في جرائم الحرب المزعومة التي ارتكبها الجنود الإسرائيليون- كانوا أيضًا مطلعين على المعلومات الاستخباراتية.‏


‏من بين‏‏ ‏‏عشرات الحوادث‏‏ التي تحقق فيها هذه الآلية حاليا ‏‏القصف الذي أودى‏‏ بحياة عشرات الفلسطينيين في مخيم جباليا للاجئين في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي؛ و‏‏"‏‏مجزرة الطحين‏‏" التي قتل فيها أكثر من 110 فلسطينيين في شمال غزة لدى وصول قافلة مساعدات في آذار (مارس)؛ وغارات ‏‏الطائرات من دون طيار‏‏ التي قتلت سبعة من موظفي "المطبخ المركزي العالمي" في نيسان (أبريل)؛ ‏‏والغارة الجوية التي شُنت في مخيم في رفح وأشعلت حريقًا وقتلت العشرات من الفلسطينيين الأسبوع الماضي.‏


حسب المنظمات الفلسطينية غير الحكومية التي تقدم التقارير إلى المحكمة الجنائية الدولية، فإن آليات المساءلة العسكرية الداخلية في إسرائيل ليست سوى مهزلة. وفي تكرار لما يقوله خبراء إسرائيليون ودوليون وجماعات حقوق إنسان، لطالما جادل الفلسطينيون بأن هذه الأنظمة -من محققي الشرطة والجيش إلى المحكمة العليا الإسرائيلية- تعمل بشكل روتيني ‏‏كـ"ورقة توت"‏‏ تغطي سوأة الدولة الإسرائيلية وأجهزتها الأمنية، وتساعد في "تبييض" الجرائم بينما تمنح الجنود والقادة الإسرائيليين ‏‏ترخيصًا‏‏ لمواصلة ارتكاب الأعمال الإجرامية مع الإفلات من العقاب.‏


‏أمضى عصام يونس، الذي كان هدفًا للمراقبة الإسرائيلية بسبب دوره كمدير لـ"مركز الميزان"، معظم حياته المهنية في غزة، في مكاتب المنظمة التي تعرضت الآن لقصف جزئي‏‏، ‏‏حيث جمع وقدم‏‏ "مئات" الشكاوى من فلسطينيين إلى مكتب المدعي العام العسكري الإسرائيلي.

 

وقد تم إغلاق الغالبية العظمى من هذه الشكاوى من دون توجيه لوائح اتهام لأحد، وهو ما أقنعه بأن "الضحايا لا يمكنهم السعي إلى تحقيق العدالة عبر هذا النظام".‏


كان هذا هو ما دفع منظمته إلى التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية. وقال يونس، الذي فر من غزة مع عائلته في كانون الأول (ديسمبر)، وهو اليوم لاجئ في القاهرة: "في هذه الحرب، طبيعة ونطاق الجرائم المرتكبة لم يسبق لهما مثيل. حدث هذا ببساطة لأن المساءلة لم تكن موجودة".‏


‏"7 تشرين الأول (أكتوبر) غيّر هذا الواقع"‏

 


‏في حزيران (يونيو) 2021، حل كريم خان محل بنسودا كرئيس لمكتب الادعاء العام في المحكمة الجنائية الدولية، وكان الكثيرون في النظام القضائي الإسرائيلي يأملون أن يفتح ذلك صفحة جديدة.

 

كان يُنظر إلى خان على أنه أكثر حذرًا من زميلته التي سبقته، وكانت هناك تكهنات بأنه سيختار عدم إعطاء الأولوية للتحقيق المتفجر الذي ورثه عن بنسودا.‏


في ‏‏مقابلة‏‏ أجريت معه في أيلول (سبتمبر) 2022، وكشف فيها أيضًا عن بعض التفاصيل حول "الحوار غير الرسمي" بين إسرائيل والمحكمة الجنائية الدولية، أشاد شوندورف من وزارة العدل الإسرائيلية بخان لأنه "غيَّر مسار السفينة"، مضيفًا أنه يبدو أن المدعي العام سيركز أكثر على "القضايا السائدة" لأن "الصراع الإسرائيلي الفلسطيني أصبح قضية أقل إلحاحًا بالنسبة للمجتمع الدولي".‏


‏وفي الوقت نفسه، أصبحت طبيعة الحكم الشخصي لخان هي الهدف البحثي الرئيسي لعملية المراقبة الإسرائيلية: كان الهدف هو "فهم ما يفكِّر فيه خان"، على حد تعبير أحد مصادر الاستخبارات. وبينما لم يكن يبدو في البداية أن فريق المدعي العام يظهر الكثير من الحماس لقضية فلسطين، وفقًا لمسؤول إسرائيلي كبير، فإن "7 تشرين الأول (أكتوبر) غيَّر هذا الواقع".‏


‏بحلول نهاية الأسبوع الثالث من القصف الإسرائيلي لغزة، الذي أعقب الهجوم الذي قادته حماس على جنوب إسرائيل، كان خان موجودًا بالفعل على الأرض عند معبر رفح. وقام بعد ذلك ‏‏بزيارات‏‏ إلى الضفة الغربية وجنوب إسرائيل في كانون الأول (ديسمبر)، حيث التقى بمسؤولين فلسطينيين وكذلك بناجين إسرائيليين من هجوم 7 تشرين الأول (أكتوبر) وأقارب الأشخاص الذين قتلوا.‏


وتابعت المخابرات الإسرائيلية عن كثب زيارة خان في محاولة "لفهم المواد التي كان الفلسطينيون يعطونه إياها"، كما قال مصدر إسرائيلي. وأضاف المصدر: "خان هو الرجل الأكثر بعثًا على الملل لجمع المعلومات الاستخباراتية عنه في العالم، لأنه مستقيم مثل مسطرة".‏


‏في شباط (فبراير)، أصدر خان بيانًا شديد اللهجة ‏بواسطة منصة "إكس"، حث فيه إسرائيل على عدم شن هجوم على رفح، حيث يبحث أكثر من مليون فلسطيني ‏‏مسبقًا عن ملاذ. كما حذر من أن "أولئك الذين لا يمتثلون للقانون يجب ألا يشتكوا لاحقًا عندما يتخذ مكتبي إجراء".‏


كما كان الحال مع بنسودا، راقبت المخابرات الإسرائيلية أيضًا أنشطة خان مع الفلسطينيين وغيرهم من المسؤولين في مكتبه. وأدت مراقبة فلسطينيَّين مطلعَين على نوايا خان إلى إبلاغ القادة الإسرائيليين بحقيقة أن المدعي العام يدرس طلبًا وشيكًا لإصدار مذكرات اعتقال بحق القادة الإسرائيليين، لكنه كان "تحت ضغط هائل من الولايات المتحدة" لعدم القيام بذلك.‏
‏وفي النهاية، في 20 أيار (مايو)، نفذ خان تهديده، وأعلن أنه يسعى إلى الحصول على مذكرات اعتقال بحق نتنياهو وغالانت، بعد أن وجد أن هناك أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن الزعيمين الإسرائليين يتحملان المسؤولية عن ارتكاب جرائم تشمل الإبادة والتجويع والهجمات المتعمدة على المدنيين.‏


بالنسبة لجماعات حقوق الإنسان الفلسطينية التي راقبتها إسرائيل، فإن نتنياهو وغالانت ليسا سوى قمة جبل الجليد. وقبل ثلاثة أيام من إعلان خان، أرسل رؤساء مؤسسات "الحق" و"الميزان" و"المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان" رسالة مشتركة إلى خان تدعو صراحة إلى إصدار مذكرات اعتقال بحق جميع أعضاء مجلس الحرب الإسرائيلي، بمن فيهم بيني غانتس، وكذلك قادة وجنود من الوحدات المشاركة حاليا في الهجوم على رفح.‏


‏الآن، يتعين على خان أيضًا تقييم ما إذا كان أي إسرائيلي يقف وراء العمليات التي تهدف إلى تقويض المحكمة الجنائية الدولية قد ارتكب جرائم ضد إقامة العدل. وحذر في إعلانه في 20 أيار (مايو) من أن مكتبه "لن يتردد في التحرك" ضد التهديدات المستمرة للمحكمة وتحقيقاتها.

 

ومثل هذه الجرائم، التي يمكن محاكمة القادة الإسرائيليين عليها بغض النظر عن حقيقة أن إسرائيل ليست من الدول الموقعة على نظام روما الأساسي، يمكن أن تصل عقوبتها إلى السجن.‏


وقال متحدث باسم المحكمة الجنائية الدولية لصحيفة "الغارديان" إن المحكمة كانت على علم بـ"أنشطة جمع المعلومات الاستخباراتية الاستباقية التي يقوم بها عدد من الأجهزة الوطنية المعادية للمحكمة"، لكنه شدد على أن "أيا من الهجمات الأخيرة التي شنتها ضد المحكمة وكالات الاستخبارات الوطنية" لم تتمكن من اختراق الأدلة الأساسية التي تحتفظ بها المحكمة، والتي ظلت آمنة.

 

وأضاف المتحدث أن مكتب خان تعرض "لأشكال عدة من التهديدات والاتصالات التي يمكن اعتبارها محاولات للتأثير على أنشطته بشكل غير ملائم".‏


‏رداً على طلب للتعليق، ذكر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي فقط أن تقريرنا "مليء بالعديد من الادعاءات الكاذبة التي لا أساس لها من الصحة، والتي تهدف إلى الإضرار بدولة إسرائيل".

 

كما رد الجيش الإسرائيلي بإيجاز: "تقوم أجهزة الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي بعمليات مراقبة وعمليات استخباراتية أخرى فقط ضد العناصر المعادية، وخلافًا لما يُزعَم، ليس ضد المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي أو أي عناصر دولية أخرى".‏

*ساهم هاري ديفيز Harry Davies وبيثان ماكيرنان Bethan McKernan من صحيفة "الغارديان" في هذا التقرير.‏
*يوفال أبراهام Yuval Abraham: مخرج أفلام وناشط إسرائيلي مقيم في القدس، من مواليد العام 1995. أمضى سنوات في الكتابة عن الاحتلال الإسرائيلي، معظمه باللغة العبرية.

 

وهو صحفي مستقل يتمتع بخبرة في العمل في أطر تعليمية ومدارس إسرائيلية فلسطينية ثنائية اللغة.

 

درَس اللغة العربية بشكل مكثف ويقوم الآن بتدريسها لمتحدثين آخرين بالعبرية، إيمانًا منه بالكفاح المشترك من أجل العدالة والمجتمع المشترك في إسرائيل وفلسطين.


*ميران رابوبورت Meron Rapoport: إعلامي يعمل محررًا في موقع "لوكال كول" Local Call. حاز جوائز في الصحافة الاستقصائية، ولديه من الخبرة ما يزيد على 30 سنة في الإعلام الإسرائيلي تولى خلالها منصب مدير الأخبار في صحيفة "هآرتس"، كما عمل محررًا في صحيفة "يديعوت أحرونوت" عندما كانت الصحيفة الأكثر انتشاراً في البلاد. كانت تقاريره الحاسمة محط إعجاب دائم، بما فيها تغطيته الاستقصائية الرائدة لسرقة أشجار الزيتون من أصحابها الفلسطينيين أثناء بناء جدار الفصل، التي فازت بجائزة نابولي الدولية للصحافة.

 

يعد رابوبورت ناشطا سياسيا مخضرما، وهو من مؤسسي حركة "الأرض للجميع" التي تدعو إلى قيام دولتين مستقلتين؛ دولة إسرائيل ودولة فلسطين، تكون الحدود بينهما مفتوحة، ويتمتع مواطنوهما بحرية الحركة، وتكون بينهما مؤسسات مشتركة.


*نشر هذا التحقيق تحت عنوان: Surveillance and interference: Israel’s covert war on the ICC exposed

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

 

حرب إسرائيل السرية على المحكمة الجنائية الدولية‏ (2-1)