حركة الاحتجاج الناشئة في لبنان

لبنانيون يحتجون في العاصمة، بيروت، على مشروع لزيادة الضرائب مؤخراً - (أرشيفية)
لبنانيون يحتجون في العاصمة، بيروت، على مشروع لزيادة الضرائب مؤخراً - (أرشيفية)

أنطون عيسى — (معهد الشرق الأوسط) 23/3/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

نزل محتجون لبنانيون إلى الشوارع مرة أخرى خلال عطلة نهاية الأسبوع قبل الماضي، هذه المرة للاحتجاج على موازنة وطنية جديدة تشتمل على عدد من الزيادات في الضرائب. وتدعي الحكومة بأن رفع الضرائب هو أمر ضروري لتمويل رفع أجور مستحق لموظفي القطاع العام. وفي بلد غارق عميقاً في الفساد الخفي –حيث يحتل لبنان المرتبة 136 من أصل 176 دولة على مؤشر الشفافية الدولية لقياس الفساد- فقد كانت الرسالة عسيرة دائماً على البيع.
وهكذا، عندما توجه رئيس الوزراء سعد الحريري للتحدث مع المحتجين في بيروت يوم الأحد من الأسبوع الماضي، استقبلته الحشود بإلقاء زجاجات المياه وهتافات "حرامي". وفي الأثناء، يتهم منتقدو الحكومة -وهو رأي يتم تقاسمه على نطاق عريض-النخبة السياسية في لبنان بأنها خادمة للذات بينما تولي القليل من الاهتمام لرفاه الشعب، وبأنها مستعدة لقطع أي شوط من أجل حماية ثروتها وسلطتها. ولا يرى المحتجون في زيادة الضرائب وسيلة مناسبة لرفع دخل الحكومة، وإنما محاولة من جانب القادة السياسيين لتجنب تنفيذ إصلاحات معادية للفساد، والتي يكون من شأنها رفع العوائد الذي تمس الحاجة إليه لتمويل مبادرات الدولة، مثل زيادة رواتب موظفي القطاع العام.
على سبيل المثال، وجد تقرير لشبكة "أم تي في" اللبنانية المحلية في شهر كانون الثاني (يناير) الماضي أن شركة يمتلكها رئيس الوزراء اللبناني السابق فؤاد السنيورة، المقرب من رئيس الوزراء الحالي، فازت بعقد تفضيلي لإدارة السوق الحرة في مطار بيروت الدولي، مما أفضى إلى انخفاض عوائد الحكومة وتحقيق أرباح أكثر لشركة السنيورة. وكانت وسائل الإعلام اللبنانية في تعقب دائم للفساد على أعلى المستويات، من دون أن يفلت أي فصيل سياسي من بقعة الضوء. وفي العام 2015 رفع جبران باسيل، وزير الخارجية اللبنانية الحالي ووزير الطاقة والمياه في ذلك الحين، دعوى قضائية ضد صحيفة "إغزيغيتيف ماغازين" بعد أن تساءلت المجلة عن مآلات 33 مليون دولار تحققت من خلال بيع مسوحات زلزالية على طول الساحل اللبناني. كما تم استخدام الاتهامات بالفساد أيضاً كسلاح سياسي لنزع مصداقية المعارضين. وكان الرئيس الحالي ميشيل عون، صهر الوزير باسيل، قد فعل ذلك بالضبط في العام 2012 عندما اتهم وزارة المالية، التي كانت في حينه تحت سيطرة منافس سياسي، بهدر خمسة مليارات دولار على شكل هبات.
كان الفساد موضوعاً ساخناً في لبنان منذ خمسة أعوام. وفي الحقيقة، أدار "التيار الوطني الحر" الذي يتزعمه عون منذ طويل وقت منصة معبرة معادية للفساد ومؤيدة للإصلاح، والتي سعت في كثير من الأحيان إلى تعرية الفساد لدى المنافسين السياسيين، وتحسين مواقف حزبه لدى الدوائر الانتخابية. ولذلك، فإن إقدام التيار الوطني الحر، مع حركة المستقبل التي يتزعمها السيد الحريري وحركة أمل بزعامة نبيه بري، على الدفع باتجاه زيادة الضرائب بدلاً من إقفال الثغرات القانونية للفساد من أجل رفع العوائد، إنما يمثل انعطافة تامة.
لا ينتهي الاحتكاك السياسي الراهن مع الموازنة. فمن المقرر أن يجري لبنان انتخابات برلمانية في نيسان (أبريل) الحالي، لتكون أول انتخابات برلمانية يشهدها البلد منذ العام 2009. وكان البرلمان قد صوت لصالح تمديد صلاحيته في العام 2013، مدعياً أن ذلك الإجراء كان ضرورياً لعزل البلد عن الآثار المزعزعة للاستقرار للحرب الدائرة في الجارة سورية. ومن المرجح تأجيل الانتخابات مرة أخرى، نظراً لأنه يترتب على الفصائل السياسية المتنافسة الموافقة على قانون انتخابي بعد أن فوتت الموعد النهائي في 21 آذار (مارس) لتحديد موعد للانتخابات في أيار (مايو). ويصر الرئيس عون على أن قانون الانتخاب الحالي قديم ويحتاج إلى إصلاح.
 وكان قانون الانتخاب أيضاً موضوعاً رئيسياً على مدار السنوات، حيث كانت كل واحدة من الحكومات المتعاقبة في العقد الماضي تحاول إصلاح قانون الانتخاب. ومع أن دعوات وجهت لتغيير قانون الأغلبية الراهن إلى التمثيل النسبي، فإن هناك نقاطاً صعبة أخرى ما تزال قائمة. ومن العوائق الرئيسية، معارضة حركة المستقبل بزعامة الحريري للتغيير، بالإضافة إلى معارضة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط. ويؤيد حزب الله والناشطون المدنيون العلمانيون الانتقال إلى التمثيل النسبي، لكن المحاولات للتوصل إلى تسوية ترضي الجميع أفضت حتى الآن إلى جمود.
على مدار الأعوام القليلة الماضية، أفضى فقدان الإيمان بالنخب السياسية في الحكم إلى تطور كبير في المشهد السياسي في لبنان: ظهور حركة شعبية وعلمانية مدنية مؤيدة للديمقراطية. وكانت هذه الحركة هي التي وقفت كعامل مساعد وراء احتجاجات يوم الأحد قبل الماضي. ومن بين منظمي الاحتجاج، كانت حركة "بيروت مدينتي" المستقلة العلمانية السياسية التي خسرت بشجاعة الانتخابات البلدية في بيروت في العام الماضي، وحركة "إنت منتن" التي اشتهرت خلال أزمة النفايات في العام 2015.
ولدت هذه الحركة المترابطة على نحو فضفاض من الناشطين العلمانيين المدنيين من رحم سنوات من الحنق بسب فساد النخبة الحاكمة ومحاباتها ولامبالاتها تجاه المصلحة الشعبية. وتجمع الحركة طيفاً عريضاً من اللاعبين في المجتمع المدني، الذين يدعمون مجموعة كبيرة من القضايا بدءاً من الحريات المدنية إلى محاربة الفساد الاقتصادي والسياسي. وقد استطاعت الحركة تحقيق بعض التقدم. فبعد أن نحيت جانباً كنخب ليبرالية تنتسب إلى البيروتية حسنة الحال، شهدت احتجاجات عطلة نهاية الأسبوع قبل الماضي مزيجاً طائفياً وطبقياً، لتظهر أن رسائل الحركة تصل إلى أولئك الذين يوجدون خارج نطاق مناطق الدعم التقليدية لها.
قد ينبع هذا الدعم المتسع من الإحساس المشترك بالحنق واليأس الذي أصبح يتسامى على الخطوط السياسية والطائفية والمناطقية. ولم يكن أي ائتلاف حاكم، لا ائتلاف 14 آذار الموالي للسعودية، ولا ائتلاف 8 آذار الموالي لإيران، قادراً على تقديم الخدمات الأساسية. ولم يستطع أي من الائتلافين كبح جماح الفساد ولا حتى في صفوفه أو في صفوف بيروقراطيات الدولة. وفي الأثناء، استمر الأداء الاقتصادي بالانزلاق، بينما ازداد عبء المواطن اللبناني العادي بغض النظر عن أي حزب يسيطر على الوزارة. ويقف الدين العام عند أرقام فلكية تصل إلى 139 في المائة من إجمالي الناتج القومي، بينما اتسعت عجوزات الحساب الجاري وارتفعت نسبة الفقر، وما يزال النمو الاقتصادي في حالة ركود.
ما تزال الظروف تتخمر منذ بعض الوقت لغاية التوصل إلى بديل في السياسة اللبنانية. ويشير شعور رئيس الوزراء اللبناني بأنه مجبر على مخاطبة المحتجين ثم التراجع لاحقاً عن الزيادات في الضرائب بأن أصداء الحركة المناهضة للحكومة قد بدأت تلقى آذاناً صاغية في أروقة السلط. وتكمن الخطوة التالية في تحويل فعل الشارع إلى فعل سياسي.
شكل تنافس حركة "بيروت مدينتي" في انتخابات بلدية بيروت أول انتقال كبير من الاحتجاج إلى الفعل السياسي. وثمة نسبة متنامية من المواطنين اللبنانيين العلمانيين والليبراليين والمؤيدين للحقوق الديمقراطية والإنسانية والمعادين للفساد، والراغبة في العثور على طريقة لتمثيلها في النظام السياسي الطائفي والأوليغاركي بامتياز في لبنان.
سوف يكون إصلاح قانون الانتخابات حاسماً بالنسبة لهذه الحركة الوليدة. ومن شأن الانتقال إلى التمثيل النسبي أن يزيد بشكل كبير من فرص المجموعات المستقلة الديمقراطية، مثل "بيروت مدينتي" في الدخول إلى البرلمان وفي تشكيل تكتل تقدمي ليبرالي علماني وديمقراطي. وهكذا، يحتاج الناشطون العلمانيون والمدنيون إلى تقرير ما إذا كان من الجدير التركيز على توقيت الانتخابات التي ستستند إلى قانون قديم مصمم لإبعادهم عنها، أو تركيز طاقتهم على موضوع إصلاح قاون الانتخابات لمنحهم السلطة في النهاية لإحداث تغيير حقيقي في البلد.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Lebanon’s Emerging Protest Movement

اضافة اعلان

[email protected]