حماس تنتصر‏: لماذا تجعل إستراتيجية إسرائيل الفاشلة عدوها أقوى؟‏

1719243424179511900
‏طفلان ينظران إلى الدخان المتصاعد جراء الغارات الإسرائيلية شرق رفح جنوبي غزة، 13 أيار (مايو) - (أرشيفية)‏

‏‏‏روبرت أ. بيب‏* - (فورين أفيرز) 2024/6/21

 

ملاحظة المحرر: ينطلق هذا التحليل للحرب على غزة من انحياز مسبق لجهة الكيان الصهيوني والسردية المعادية للفلسطينيين، وهو ما يظهر في التسميات والتوصيفات- وحتى التفسيرات نفسها. وهي هنا تمثل كاتبها فقط.
‏*   *   *
لم تتمكن تسعة أشهر من العمليات القتالية الجوية والبرية التي تنفذها إسرائيل في غزة من هزيمة حماس، كما أن إسرائيل ليست قريبة من القضاء على الحركة الإرهابية. بل على العكس من ذلك، وفقًا للمقاييس التي تهم، أصبحت حماس أقوى اليوم مما كانت عليه في 7 تشرين الأول (أكتوبر).‏

اضافة اعلان


منذ هجوم حماس المروع في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، غزت إسرائيل شمال وجنوب قطاع غزة بحوالي 40.000 جندي مقاتل، وشردت قسرًا 80 في المائة من السكان، وقتلت أكثر من 37.000 شخص، وأسقطت ما لا يقل عن 70.000 طن من القنابل على القطاع (متجاوزة الوزن الإجمالي للقنابل التي أسقطت على لندن ودريسدن وهامبورغ في كل الحرب العالمية الثانية). ودمرت، أو ألحقت أضرارًا بأكثر من نصف جميع المباني في غزة، وحدَّت من وصول سكان القطاع إلى المياه والغذاء والكهرباء، تاركة جميع السكان على شفا المجاعة.‏


‏وعلى الرغم من أن العديد من المراقبين سلطوا الضوء على عدم أخلاقية سلوك إسرائيل، زعم القادة الإسرائيليون بشكل متكرر أن الهدف المتمثل في هزيمة حماس وإضعاف قدرتها على شن هجمات جديدة ضد المدنيين الإسرائيليين يجب أن تكون له الأسبقية على أي مخاوف بشأن حياة الفلسطينيين. وينبغي قبول العقاب الذي يتم إيقاعه بسكان غزة باعتباره ضروريًا لتدمير قوة حماس.‏


لكن قوة حماس، بفضل الهجوم الإسرائيلي، تنمو في الحقيقة. تمامًا مثلما أصبح الفيتكونغ أكثر قوة خلال عمليات "ابحث ودمر" الهائلة التي ألحقت الدمار بالكثير من فيتنام الجنوبية في العامين 1966 و1967 عندما أرسلت الولايات المتحدة قوات إلى البلاد في محاولة لم تكن مجدية في نهاية المطاف لتحويل وجهة الحرب لصالحها، ما تزال حماس متماسكة ومستعصية على التدمير، وقد تطورت إلى قوة حرب عصابات عنيدة ومميتة في غزة -مع استئناف العمليات الفتاكة في المناطق الشمالية التي يفترض أن إسرائيل طهرتها قبل بضعة أشهر فحسب.‏


‏وليس العيب المركزي في إستراتيجية إسرائيل فشل التكتيكات أو فرض قيود على القوة العسكرية -تمامًا كما لم تكن لفشل الإستراتيجية العسكرية للولايات المتحدة في فيتنام علاقة تذكر بالكفاءة التقنية لقواتها أو بأي قيود سياسية وأخلاقية على استخدام القوة العسكرية. بدلاً من ذلك، كان مصدر الفشل الشامل هو سوء فهم فادح لمصادر قوة حماس. وبما ألحق بها بالغ الضرر، فشلت إسرائيل في إدراك أن المجازر والتدمير اللذين أطلقتهما في غزة لم تفعلا سوى جعل عدوها أقوى فحسب.‏


مغالطة عدد الجثث‏

 


‏على مدى أشهر، ركزت الحكومات والمحللون على عدد مقاتلي حماس الذين قتلوا على يد "جيش الدفاع الإسرائيلي" كما لو هذه الإحصائية هي المقياس الأكثر أهمية لنجاح الحملة الإسرائيلية ضد الحركة. ومن المؤكد أن العديد من مقاتلي حماس قد قتلوا.‏ ‏‏وتقول إسرائيل أن 14.000 من أصل ما قُدر بما بين 30.000 و40.000 مقاتل كانوا لدى حماس قبل الحرب، قد ماتوا الآن، بينما تصر حماس على أنها فقدت ما بين 6.000 و8.000 مقاتل فقط. وتشير مصادر استخباراتية أميركية إلى أن العدد الحقيقي لقتلى حماس يبلغ حوالي 10.000 مقاتل. ‏


‏ومع ذلك، فإن التركيز على هذه الأرقام يجعل من الأصعب تقييم قوة حماس حقًا. فعلى الرغم من خسائرها، ما تزال حماس تسيطر بحكم الأمر الواقع على مساحات شاسعة من غزة، بما في ذلك تلك المناطق التي يتركز فيها المدنيون في القطاع الآن. وما تزال الحركة تتمتع بدعم هائل من سكان غزة، مما يسمح للمسلحين بالاستيلاء على الإمدادات الإنسانية كما يشاؤون تقريبًا والعودة بسهولة إلى المناطق التي "تم تطهيرها" على يد القوات الإسرائيلية. ‏‏ووفقًا لتقييم إسرائيلي حديث، فإن لدى حماس الآن مقاتلين في المناطق الشمالية من غزة، التي استولى عليها الجيش الإسرائيلي في الخريف بكلفة فقدان مئات الجنود، أكثر مما لديها في رفح في الجنوب.‏


‏تخوض حماس الآن حرب عصابات، تشمل تكتيكات نصب الكمائن واستخدام القنابل المرتجلة (غالبًا ما تكون مصنوعة من ذخائر غير منفجرة أو أسلحة إسرائيلية تم الاستيلاء عليها)، وهي عمليات مطوّلة قال مستشار الأمن القومي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخرًا إنها قد تستمر كل الفترة حتى نهاية العام 2024 على أقل تقدير. وسوف يظل بإمكانها ضرب إسرائيل أيضًا. ومن المرجح أن يكون لدى حماس حوالي 15.000 مقاتل معبأ -أي ما يقرب من عشرة أضعاف عدد المقاتلين الذين نفذوا هجمات 7 تشرين الأول (أكتوبر).

 

وبالإضافة إلى ذلك، ما يزال ما يزيد على 80 في المائة من شبكة الأنفاق تحت الأرضية التابعة للمجموعة قابلة للاستخدام؛ للتخطيط، وتخزين الأسلحة، والتهرب من المراقبة والأسر والهجمات الإسرائيلية. وما تزال معظم القيادة العليا لحماس في غزة سليمة لم تُمس. باختصار، أفسح الهجوم الإسرائيلي السريع في الخريف المجال لحرب استنزاف طاحنة مطولة، من شأنها أن تترك حماس مع القدرة على مهاجمة المدنيين الإسرائيليين حتى لو مضى الجيش الإسرائيلي قدُمًا في حملته في جنوب غزة.‏


‏غالبًا ما ركزت عمليات مكافحة التمرد الفاشلة في الماضي على أعداد جثث العدو. وينخرط الجيش الإسرائيلي الآن في "لعبة جحور الخُلد" المألوفة التي أعاقت عمل القوات الأميركية في أفغانستان لسنوات.

 

ويميل الاهتمام الخانع بعدد الجثث إلى الخلط بين النجاح التكتيكي والنجاح الإستراتيجي وإهمال التدابير الرئيسة التي من شأنها أن تظهر ما إذا كانت القوة الإستراتيجية للخصم تنمو حتى مع تصاعد الخسائر الفورية للمجموعة. وبالنسبة لمجموعة إرهابية أو متمردة، فإن المصدر الرئيسي للقوة لا يتمثل في حجم جيلها الحالي من المقاتلين، وإنما في قدرتها على كسب مؤيدين من المجتمع المحلي في المستقبل.‏


مصادر القوة‏

 


‏لا تأتي قوة جماعة مسلحة مثل حماس من العوامل المادية النموذجية التي يستخدمها المحللون للحكم على قوة الدول –التي تتضمن حجم اقتصاداتها، والتطور التكنولوجي لجيوشها، ومقدار الدعم الخارجي الذي تتمتع به، وقوة أنظمتها التعليمية.

 

بدلاً من ذلك، يتمثل المصدر الأكثر أهمية لقوة حماس وغيرها من الجهات الفاعلة المسلحة غير الحكومية التي يشار إليها عادة بوصف الجماعات "الإرهابية" أو "المتمردة" في القدرة على التجنيد، خاصة قدرتها على جذب أجيال جديدة من المقاتلين والناشطين الذين ينفذون حملات الحركة الفتاكة، والذين يُرجح أن يموتوا من أجل القضية. وتتجذر هذه القدرة على التجنيد، في نهاية المطاف، في عامل واحد: حجم وكثافة الدعم الذي تستمده المجموعة المعنية من مجتمعها.‏


‏يسمح دعم المجتمع المحلي للجماعة الإرهابية بتجديد وملء صفوفها، وكسب الموارد، وتجنب اكتشافها، وامتلاك المزيد من فرص الحصول على الموارد البشرية والمادية اللازمة لتعبئة حملات العنف الفتاكة ومواصلتها. ومعظم الإرهابيين، بما في ذلك في الجماعات الإسلامية في الشرق الأوسط، هم متطوعون طارئون، غالبًا ما يكونون إما غاضبين بسبب فقدان أفراد الأسرة أو الأصدقاء، أو ساخطين بشكل عام من استخدام دولة قوية للقوة العسكرية الغاشمة.

 

وغالبًا ما يبحث هؤلاء الأشخاص عن مجنِّدين يمكن الكشف عن هويتهم لقوات الأمن لولا استعداد أفراد المجتمع لحمايتهم. وتميل الجماعات الإرهابية إلى القتال بأسلحة تم تصنيعها إما عن طريق إعادة صك المواد المدنية، أو بالاستيلاء عليها من قوات أمن الدولة، وغالبًا ما يتم ذلك بمعلومات استخباراتية ومساعدة يقدمها أفراد من المجتمع المحلي.‏


لعل الأهم من كل شيء هو أن دعم المجتمع ضروري لتعزيز عقيدة الشهادة. في العادة، يكون الناس أقل احتمالًا للتطوع لمهام عالية الخطورة إذا كانت تضحياتهم ستمر من دون أن يلاحظها أحد.

 

ويساعد مجتمع يكرم المقاتلين الذين يسقطون من جماعة إرهابية في إدامتها؛ حيث تضفي الشهادة الشرعية على الأعمال الإرهابية وتشجع مجندين جددًا على الانضمام. وسوف يتصرف الإرهابيون بما يرونه مناسبًا، لكن المجتمع هو الذي يقرر في نهاية المطاف ما إذا كانت تضحية الفرد ستُمنح مكانة عالية أو أنه سينظر إليها على نطاق واسع على أنها غير عقلانية، إجرامية، أو جديرة بالازدراء. ‏


‏ليس من المستغرب أن الجماعات الإرهابية غالبًا ما تبذل جهودًا كبيرة لكسب ود المجتمعات المحلية. من خلال الاندماج في المؤسسات الاجتماعية، مثل المدارس والجامعات والجمعيات الخيرية والتجمعات الدينية، تصبح الجماعات الإرهابية جزءًا من نسيج المجتمعات، وتكون أكثر قدرة على كسب المزيد من المجندين والدعم من غير المقاتلين.‏


ثمة العديد من الحالات التي تعرض هذه الديناميات. على سبيل المثال، ازدهر "حزب الله" بدعم شعبي متزايد بين السكان الشيعة خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان من العام 1982 إلى العام 1999، وتطور الحزب من جماعة إرهابية سرية صغيرة إلى حزب سياسي رئيسي، بجناح مسلح يضم اليوم نحو 40.000 مقاتل. كما مكّن دعم المجتمع الحملات الإرهابية المطولة لـ"نمور التاميل" في سريلانكا، و"الطريق المضيء" في البيرو، و"حزب العمال الكردستاني" في تركيا، و"طالبان" في أفغانستان، وما يسمى بـ"الدولة الإسلامية" و"القاعدة" في العديد من البلدان.‏


‏يمكن أن يكون فقدان دعم المجتمع مدمرًا للجماعات الإرهابية. بعد الاحتلال الأميركي للعراق في العام 2003، ارتفع عدد المقاتلين في التمرد السني من 5.000 في ربيع العام 2004 إلى 20.000 بحلول خريف العام 2004، إلى 30.000 في شباط (فبراير) 2007، وفقًا لتقديرات الولايات المتحدة.

 

وكلما زاد عدد الأشخاص الذين قتلتهم الولايات المتحدة، زادت سرعة نمو التمرد. وفي الواقع، لم ينهر ذلك التمرد حتى تحولت الولايات المتحدة إلى نهج جديد، فقدمت حوافز سياسية واقتصادية لتشجيع القبائل السنية على معارضة الإرهابيين.

 

وأدى هذا التحول في نهاية المطاف إلى القضاء على التمرد، حيث تسبب فقدان دعم المجتمع المحلي في حدوث انشقاقات جماعية، والحصول على معلومات استخباراتية فعالة، وصعود قوات المعارضة السنية المسماة "صحوة الأنبار". وبحلول العام 2009، كان التمرد قد انهار فعليًا لسبب رئيسي واحد: جعل فقدان الدعم المجتمعي من المستحيل على الإرهابيين إعادة ملء صفوفهم.‏


القلوب والعقول‏

 


‏تساعد هذه الديناميات في تفسير قوة حماس الباقية في حربها مع إسرائيل. ولتقييم القوة الحقيقية للمجموعة، ينبغي على المحللين النظر في الأبعاد المختلفة للدعم الذي تتمتع به بين الفلسطينيين. وتشمل هذه العوامل شعبيتها مقارنة بخصومها السياسيين، ومدى اعتبار الفلسطينيين عنف حماس ضد المدنيين الإسرائيليين مقبولاً، وعدد الفلسطينيين الذين فقدوا أفراد أسرهم في الغزو الإسرائيلي المستمر لغزة. وتوفِّر هذه العوامل، أكثر من العوامل المادية، أفضل مقياس لقدرة حماس على شن حملة إرهابية مطولة في المستقبل.‏


‏يمكن أن تساعد استطلاعات الرأي الفلسطينية في تقييم مدى الدعم المجتمعي الذي تحظى به حماس. ومع مراعات التحديات التي تعترض إجراء استطلاع لآراء السكان في غزة منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر)، قام "المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية"، وهو منظمة استطلاعات تأسست في العام 1993 بعد اتفاقات أوسلو، والتي تتعاون مع المؤسسات الإسرائيلية، بإدراج مقابلات مع النازحين في الملاجئ المؤقتة، وضاعف المسح تقريبًا العدد المعتاد للمستجيبين الذين تتم مقابلتهم نظرًا لعدم اليقين السائد وتغير توزيعات السكان في القطاع.‏


‏تُقدم خمسة استطلاعات استقصائية أجراها "المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية" في الفترة من حزيران (يونيو) 2023 حتى الاستطلاع الأخير الذي استُكمل في حزيران (يونيو) 2024، نتيجة مذهلة: وفق كل مقياس تقريبًا، تتمتع حماس بدعم أكبر بين الفلسطينيين اليوم مما كانت تتمتع به قبل 7 تشرين الأول (أكتوبر).‏


‏لقد ارتفع الدعم السياسي لحماس، خاصة بالمقارنة مع منافسيها. على سبيل المثال، على الرغم من أن حماس ومنافستها الرئيسة، فتح، تمتعتان بمستويات متماثلة تقريبًا من الدعم في حزيران (يونيو) 2023، بحلول حزيران (يونيو) 2024، أصبح ضعف عدد الفلسطينيين يدعمون حماس (40 في المائة مقارنة بـ20 في المائة لفتح).‏


الهجوم الإسرائيلي لا يجعل الفلسطينيين ينقلبون ضد حماس‏

 


‏لم يثبط القصف الإسرائيلي والغزو البري لغزة الدعم الفلسطيني للهجمات ضد المدنيين الإسرائيليين داخل إسرائيل، ولم يقلل بشكل ملحوظ من الدعم لهجوم 7 تشرين الأول (أكتوبر) نفسه. في آذار (مارس) 2024، اعتقد 73 في المائة من الفلسطينيين أن حماس كانت محقة في شن هجوم 7 تشرين الأول (أكتوبر). وهذه الأرقام مرتفعة للغاية، ليس فقط بعد أن حفزت الهجمات حملة إسرائيل الوحشية على القطاع، ولكن أيضًا في ضوء حقيقة أن عددًا أقل، 53 في المائة، من الفلسطينيين كانوا يؤيدون الهجمات المسلحة على المدنيين الإسرائيليين في أيلول (سبتمبر) 2023.‏


‏تتمتع حماس الآن بلحظة "التفاف حول العلم"، مما يساعد على تفسير سبب عدم قيام سكان غزة بتقديم المزيد من المعلومات الاستخباراتية للقوات الإسرائيلية حول مكان وجود قادة حماس والرهائن الإسرائيليين.

 

ويبدو أن التأييد للهجمات المسلحة ضد المدنيين الإسرائيليين قد ارتفع، خاصة بين الفلسطينيين في الضفة الغربية، التي أصبحت الآن على قدم المساواة مع مستويات الدعم العالية باستمرار لهذه الهجمات في غزة، وهو ما يدل على أن حماس حققت مكاسب واسعة عبر كامل المجتمع الفلسطيني منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر).‏


‏وتظهر بيانات الاستطلاعات أيضًا كيف أثرت الحملة العسكرية الإسرائيلية على الفلسطينيين. اعتبارًا من آذار (مارس) 2024، أصبح ثقل الثمن المتصور للحرب على السكان الفلسطينيين مرتفعًا بشكل ملحوظ.

 

وأفاد 60 بالمائة من الفلسطينيين في غزة بأن أحد أفراد أسرهم قتل في الحرب الحالية، في حين أفاد أكثر من ثلاثة أرباعهم بأن أحد أفراد الأسرة قتل أو جرح، وكلا الرقمين أعلى بكثير مما كان عليه الوضع في كانون الأول (ديسمبر) 2023. ولا يُحدث هذا العقاب تأثيرًا رادعًا يُذكر بين الفلسطينيين، حيث فشل في الحد من دعمهم للهجمات المسلحة ضد المدنيين الإسرائيليين ودعمهم لحماس على حد سواء.‏


‏قبل 7 تشرين الأول (أكتوبر)، كانت حماس قد استقرت كقوة سياسية، وإذا كان ثمة شيء، فهو أنها كانت في تراجع. وخشيت المجموعة من أن قضيتها -ومحنة الفلسطينيين على نطاق أوسع- قد تم تهميشها من خلال اتفاقيات إبراهيم –الاتفاقيات التي سعت إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية. وقبل هجومها على إسرائيل في 7 تشرين الأول (أكتوبر)، كانت حماس تفكر في مستقبل بلا أهمية، حيث تكون لدى الفلسطينيين أسباب أقل وأقل لدعم الحركة.‏


وبعد 7 تشرين الأول (أكتوبر)، ارتفع الدعم الفلسطيني لحماس بقوة، على حساب أمن إسرائيل. نعم، لقد قتلت إسرائيل عدة آلاف من مقاتلي حماس في غزة.

 

لكن هذه الخسائر في الجيل الحالي من المقاتلين يخففها مسبقًا ارتفاع الدعم لحماس، وما يترتب على ذلك من قدرة الحركة على تجنيد الجيل القادم بشكل أفضل. وفي غضون ذلك، وإلى أن يصل هؤلاء المجندون الجدد، تشير جميع الدلائل إلى أن مقاتلي حماس الحاليين هم على الأرجح أكثر حرصًا من أي وقت مضى على شن حرب عصابات مطولة ضد أي أهداف إسرائيلية يمكنهم ضربها.‏


‏قوة الرسالة‏

 


‏من المؤكد أن العقاب الهائل الذي أطلقته إسرائيل على غزة يدفع العديد من الفلسطينيين إلى الشعور بمزيد من العداء تجاه الدولة اليهودية. ولكن، لماذا تستفيد حماس من رد الفعل هذا؟ بعد كل شيء، كان هجومها هو السبب المباشر للحرب التي سوت مساحات شاسعة من غزة بالأرض وقتلت الكثير من الناس.‏


‏تكمن الإجابة إلى حد كبير في الحملة الدعائية المتطورة التي تشنها حماس، والتي تبني تفسيرًا إيجابيا للأحداث وتنسج روايات تساعد الحركة على كسب المزيد من المؤيدين. وعلى حد تعبير المحلل النفسي الأميركي إدوارد بيرنيز، فإن الدعاية لا تعمل من خلال خلق وغرس الخوف والغضب بقدر ما تعمل من خلال إعادة توجيه هذه المشاعر نحو أهداف ملموسة.

 

وتشكل جهود حماس مثالاً رئيسيًا على هذا التكتيك. منذ بدء الحرب، نشرت المجموعة كمية هائلة من المواد، معظمها على الإنترنت، في محاولة لحشد الشعب الفلسطيني حول قيادتها وسعيها إلى تحقيق النصر ضد إسرائيل.‏


قام "فريق تحليل الدعاية العربية"– وهو مجموعة متخصصة من اللغويين العرب المتخصصين في جمع وتحليل الدعاية العسكرية باللغة العربية– في "مشروع الأمن والتهديدات" بجامعة شيكاغو، بفحص الدعاية العربية التي أنتجتها حماس وجناحها العسكري، كتائب القسام، وتم توزيعها على قناة تلغرام الرسمية التابعة للكتائب في أعقاب 7 تشرين الأول (أكتوبر).

 

‏‏وقد نشرت قناة تلغرام هذه، التي تضم أكثر من 500.000 مشترك، ‏‏رسائل وصورًا ومقاطع فيديو ودعاية أخرى كل يوم تقريبًا منذ هجمات 7 تشرين الأول (أكتوبر). وقام تقرير أعده محمد الجوهري، قائد فريق البحث هذا، بتحليل أكثر من 500 جزء من الدعاية من 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 إلى 27 أيار (مايو) 2024. ‏‏ومن غير المعروف عدد الفلسطينيين الذين يستهلكون هذه المواد على الإنترنت، لكنّ لدى غزة والضفة الغربية إمكانية الوصول إلى الإنترنت يومياً، وإن كان ذلك متقطعًا. ويعكس المحتوى الرقمي لحماس جهودها الدعائية التناظرية في شبكات المجتمع المحلي.‏


تتمحور المواد حول ثلاثة مواضيع: الشعب الفلسطيني ليس لديه خيار سوى القتال لأن إسرائيل عازمة على ارتكاب فظائع لا توصف ضد جميع الفلسطينيين، حتى لو لم يكونوا مشاركين في العمليات العسكرية؛ تحت قيادة حماس، يمكن للفلسطينيين هزيمة إسرائيل في ساحة المعركة؛ وهؤلاء المقاتلون الذين يموتون في المعركة سيُمنحون الشرف والمجد.

 

ونشرت حماس عددا كبيرًا من مقاطع الفيديو والبيانات وغيرها من المواد لإثبات أن هجومها على إسرائيل في 7 تشرين الأول (أكتوبر) كان ردًا ضروريًا ومبررًا على الاحتلال الإسرائيلي والفظائع والعدوان ضد الشعب الفلسطيني، بما في ذلك الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى المقدس في القدس التي تقوم بها قوات الأمن الإسرائيلية والنشطاء والمستوطنون الإسرائيليون.‏


‏ولنتأمل هنا بيان حماس الذي نُشر أصلاً في 22 كانون الثاني (يناير) وتم توزيعه على نطاق واسع حتى في وسائل الإعلام الإسرائيلية. ي

 

شرح هذا الإعلان الموسع بعمق مبررات المجموعة لمهاجمة إسرائيل، مع التركيز على ما يصفه بالمظالم طويلة الأمد في تصرفات الحكومة الإسرائيلية والمستوطنين، بما في ذلك الاقتحام الإسرائيلي للمسجد الأقصى في القدس والقيود المفروضة على المصلين الفلسطينيين هناك؛ والتوسع المستمر للمستوطنات في الضفة الغربية؛ والمعاملة المروعة المزعومة التي يتعرض لها المعتقلون الفلسطينيون في إسرائيل؛ والحصار الذي تفرضه إسرائيل على غزة وفرض سياسات شبيهة بالفصل العنصري في الضفة الغربية. وهذا البيان هو مجرد واحد من عشرات المشاركات التي توضح نقاطًا مماثلة.‏


تؤكد العديد من مقاطع الفيديو والصور والملصقات على براعة حماس وكفاءتها العسكرية، وتعرض هجمات ناجحة على أهداف إسرائيلية، وخاصة العربات المدرعة والدبابات. وتهدف هذه المنشورات إلى إبراز قوة الحركة وفعاليتها، والإشارة إلى أن حماس يمكن أن تلحق أضرارًا كبيرة بخصمها المتفوق تكنولوجيًا.

 

وفي هذه الدعاية، يظهر المقاتلون بمعدات قتالية كاملة وزي تكتيكي، مجهزين بخوذات ونظارات واقية وأسلحة متطورة، مما يسلط الضوء على استعدادهم العملياتي. كما تبرز الرمزية الدينية، مثل الآيات القرآنية، بشكل كبير، مما يجعل نضال حماس صراعًا روحيًا. وتساعد الدعاية على رفع المقاتلين الذين سقطوا إلى مرتبة الشهداء الذين ماتوا وهم يقاتلون إسرائيل في خدمة قضية نبيلة ومعتمدة إلهيًا. ويعمل تمجيد استشهادهم على إلهام المجندين الجدد المحتملين.‏


وتتماشى دعاية حماس منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر) بشكل كامل مع النتائج التي تم الكشف عنها في استطلاعات "المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية" حول المواقف الفلسطينية.

 

ويشير التوافق الوثيق بين مضمون دعاية حماس والدعم المتزايد لحماس بشكل خاص وللكفاح المسلح ضد إسرائيل بشكل عام في استطلاعات المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، إلى أن حماس إما هي التي تحفز هذا الدعم، أو أن دعايتها تعكس الأسباب الرئيسية لهذا الدعم. وفي كلتا الحالتين، تستفيد حماس من الحرب لتزداد قوة من خلال الروابط التي تزداد متانة واتساعًا بين المجتمع والجماعة المسلحة.‏


الحقيقة الناصعة

 


‏بعد تسعة أشهر من الحرب المرهقة، حان الوقت للاعتراف بالحقيقة الصارخة: لا يوجد حل عسكري فقط لهزيمة حماس. إن المجموعة هي أكثر من مجموع العدد الحالي من المقاتلين. وهي أيضًا أكثر من مجرد فكرة مثيرة. إن حماس هي حركة سياسية واجتماعية حيث العنف في جوهرها، وهي لن تختفي في أي وقت قريب.‏
قد تؤدي إستراتيجية إسرائيل الحالية المتمثلة في شن العمليات العسكرية الثقيلة إلى قتل بعض مقاتلي حماس، لكن هذه الإستراتيجية لا تؤدي سوى إلى تعزيز الروابط بين حماس والمجتمع المحلي فحسب.

 

على مدى تسعة أشهر، واصلت إسرائيل تنفيذ عمليات عسكرية غير مقيدة تقريبًا في غزة، من دون إحراز تقدم واضح نحو تحقيق أي من أهدافها. وحماس ليست مهزومة ولا على وشك الهزيمة، وقضيتها أكثر شعبية وجاذبيتها أقوى مما كانت عليه قبل 7 تشرين الأول (أكتوبر). وفي غياب خطة لمستقبل غزة والشعب الفلسطيني يمكن أن يقبلها الفلسطينيون، سيستمر الإرهابيون في العودة وبأعداد أكبر.‏


ولكن، يبدو أن القادة الإسرائيليين ليسوا أكثر استعدادًا لتصور مثل هذه الخطة السياسية القابلة للتطبيق مما كانوا عليه قبل 7 تشرين الأول (أكتوبر). ولا تلوح في الأفق نهاية تمكن رؤيتها للمأساة التي ما تزال تتكشف في غزة.

 

الحرب ستستمر وتستمر، والمزيد من الفلسطينيين سيموتون، والتهديد لإسرائيل سوف يزداد فحسب.‏
*روبرت أ. بيب Robert A. Pape: أستاذ العلوم السياسية ومدير مشروع شيكاغو للأمن والتهديدات في جامعة شيكاغو.‏


*نشر هذا المقال تحت عنوان: Hamas Is Winning: Why Israel’s Failing Strategy Makes Its Enemy Stronger

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

  الرواية الرسمية لـ"حماس" (2)‏