حوار مع مؤلف كتاب "القاهرة في منتصف الليل"

بطاقة بريدية يظهر فيها مبنى كازينو وصالة موسيقا كورسال في الأزبكية بالقاهرة -(المصدر)
بطاقة بريدية يظهر فيها مبنى كازينو وصالة موسيقا كورسال في الأزبكية بالقاهرة -(المصدر)

آنا-تيريزا باخمان* - (موقع قنطرة) 22/5/2021
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، قام حفيد محمد علي باشا -الخديوي إسماعيل المعروف بـ"المؤسس الثاني لمصر الحديثة"- بتحويل الأزبكية إلى منطقة للترفيه والحياة الليلية المتناسبة مع حداثة ذلك الزمن.

اضافة اعلان

وافتتحت لأول مرة في تاريخ مصر "دار الأوبرا الخديوية" في العام 1869، إضافة إلى مسارح أخرى وساحة للسيرك.

ومع بزوغ عقد العشرينيات، كانت القاهرة مدينة مزدهرة، تعج بالاستثمارات الجديدة، ومظاهر النمو الحديثة، لتصبح من أكثر الأماكن كوزموبوليتانية في العالم.


كانت منيرة المهدية علامة بارزة في تلك الفترة كمغنية وممثلة وفنانة استعراضية.

وبدأت مسيرتها الفنية قبيل نشوب الحرب العالمية الأولى، بإحياء حفلاتها في دور الموسيقا ذات الطابع الفني القديم، ثم أصبحت فيما بعد قائدة لفرقتها المسرحية الخاصة بها، ما يجعلها، على الأغلب، أول امرأة مصرية مسلمة تقف على خشبة المسرح.


كانت الأزبكية بعيدة كل البعد عن أن تكون فردوس التحرر بالنسبة للحراك النسوي.

وحسب الباحث رفائيل كورماك،(1) كان "الحنين إلى الماضي هو الحاجز الأكبر الذي يقف أمامنا عند الكتابة عن مصر في العشرينيات والثلاثينيات، لأن الناس ينظرون إلى تلك الحقبة الثقافية المصرية من خلال عدسات وردية اللون -وكأنها كانت ملأى بالفرص اللامتناهية. على الرغم من أن المرأة المصرية لم تتمكن من الحصول على حق التصويت والترشح في الانتخابات حتى الخمسينيات".


ويقول كورماك: "لم تكن في نيتي الاستهانة بإنجازات أسماء كبيرة في الحراك النسوي في العشرينيات أمثال هدى شعراي؛(2) فإنجازاتهن مدعاة للإعجاب، ولا يمكن إنكارها بأي حال من الأحوال.

لكن، في الوقت نفسه، أردت أن يكشف هذا الكتاب عن جانب آخر للحركة النسوية في مصر أثناء تلك الفترة، وهو جانب غالبا ما يتم تجاهله، لأن الرأي العام ينظر إليه وكأنه شيء دوني أو منحل أخلاقيا"

.
الآن، ما تزال المطربة أم كلثوم متربعة على عرش الغناء العربي حتى بعد مرور نحو مائة عام على إصدار أول تسجيل لها، ولكن ماذا عن النساء المصريات الأخريات من شهيرات عشرينيات القرن العشرين؟

في كتابه المعنون "القاهرة في منتصف الليل: سيدات الغناء والاستعراض في عقد العشرينيات الصاخب في مصر"، يتعقب المؤرخ رافائيل كورماك خطى نساء مؤسسات لتاريخ الغناء والفنون الاستعراضية في مصر. وفي ما يلي تحاوره آنا-تيريزا باخمان لإضاءة بعض جوانب كتابه.
* * *
- آنا باخمان: غناءٌ، ورقصٌ، وشراب: في العشرينيات من القرن الماضي، كان حي الأزبكية -في وسط البلد في القاهرة- مركزا لصناعة الترفيه وحياة الملاهي في مصر، بل إنك تذكر في مقدمة كتابك "القاهرة في منتصف الليل: سيدات الغناء والاستعراض في عقد العشرينيات الصاخب في مصر"، أن حياة الليل في القاهرة وهي في أوج ازدهارها "كانت تضاهي نظيراتها في لندن أو باريس أو برلين". فما الذي جعل القاهرة، والأزبكية بالتحديد، مكانا بتلك الأهمية في العشرينيات؟


* رافائيل كورماك: قامت الدولة المصرية بتخطيط مركز حي الأزبكية وكذلك حديقة الأزبكية أثناء النصف الأول من القرن التاسع عشر، حين كانت مصر تحت حكم محمد علي باشا. وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، قام حفيد محمد علي باشا -الخديوي إسماعيل المعروف بـ"المؤسس الثاني لمصر الحديثة"- بتحويل الأزبكية إلى منطقة للترفيه والحياة الليلية المواتية لحداثة ذلك الزمن.

وافتتحت لأول مرة في تاريخ مصر "دار الأوبرا الخديوية" في العام 1869، إضافة إلى مسارح أخرى وساحة للسيرك. وخلال تلك الفترة، بدأت الفنادق والمسارح وصالات الرقص بالانتشار في كل مكان.


مع بزوغ عقد العشرينيات، كانت القاهرة مدينة مزدهرة، تعج بالاستثمارات الجديدة، وبالإنماءات الحديثة، لتصبح من أكثر المدن كوزموبوليتانية في العالم، بل يمكنك حتى أن تسميها بـ"دبي العشرينيات".

كانت القاهرة حينها من أهم مدن العالم، إلا أن مدنا مهمة كالقاهرة غالبا ما يتم تجاهلها في سرديات تاريخ العشرينيات. وهذا الكتاب هو محاولة لتصحيح هذا الخطأ.

- ما آثار أو بقايا تلك المرحلة الزمنية التي من الممكن أن يسكتشفها زوار مصر وساكنوها، على حد سواء، حين يمشون في أزقة الأزبكية؟

* كورماك: نعرف كلنا حادث الحريق الشهير لدار الأوبرا الخديوية في العام 1971، التي تم استبدالها بموقف كبير للسيارات حاليا.

ولكن، حين يتجول المرء في أنحاء الأزبكية اليوم، سيجد الكثير من الآثار والهياكل الخارجية لبنايات كانت قائمة في السابق.

فالباب الأصلي لأحد مسارح دار الأوبرا القديمة، على سبيل المثال، يستخدم الآن كبوابة لمدخل أحد مكاتب البريد في الحي.

وكازينو "الهامبرا" القديم، الذي كانت تملكه المطربة نعيمة المصرية، أصبح متجرا لبيع قطع غيار السيارات حاليا.

والمبنى القديم للمسرح المصري في "شارع عبد العزيز" في وسط القاهرة أصبح دارا للسينما في الوقت الراهن، فيما أصبح هيكل المسرح مخزنا لبضائع العديد من المحال التجارية المجاورة.

حين تمشي في "شارع عماد الدين" -الذي كان المركز الرئيسي للفنون الاستعراضية في العشرينيات- ستجد الكثير من المسارح وصالات السينما القديمة التي تعود إلى مراحل زمنية مختلفة.

أحد هذه المسارح هو "مسرح نجيب الريحاني"، المعروف سابقا باسم "مسرح رمسيس"، حيث كان يقف على خشبته الممثل يوسف وهبي وفرقته المسرحية في العشرينيات والثلاثينيات، إلا أن العديد من هذه المسارح أصبحت الآن في حالة يرثى لها.

ولكن، في العام 2018، قامت سينما "زاوية"، وهي من أفضل دور الفنون المعاصرة في القاهرة، بنقل مركزها إلى إحدى صالات السينما القديمة في "شارع عماد الدين".

- يخبرنا كتاب "القاهرة في منتصف الليل" عن تاريخ حي الأزبكية من خلال سيرة سبع فنانات. إحداهن، المغنية والممثلة منيرة المهدية. وحين نقارنها بالفنانات الأخريات في الكتاب، نجد أن قصة حياتها تشغل عددا لا بأس به من الصفحات. ما الشيء الذي جذب اهتمامك بشأن "ملكة الطرب"، كما أسمتها الصحافة حينذاك؟


* كورماك: أنا معني بالطريقة التي بنت بها المهدية شخصيتها العامة كفنانة ذائعة الصيت.

كانت تحرص دائما على أن يظهر اسمها في العناوين الرئيسية في الصحف من خلال إدلائها بآراء خارج سرب الذوق العام لتلك الأيام، وإقامتها حفلات صاخبة أسطورية في عوامتها على ضفة نهر النيل.


إحدى هذه القصص التي لا أذكرها في الكتاب، إلا أنها تلخص الصورة العامة لمنيرة المهدية، دارت أحداثها إبان الاحتفالات بذكرى تتويج الملك فؤاد الأول في العام 1925.

في ذلك الحين، أقيمت حفلة كبيرة في مدينة المنصورة التي جاء إليها الكثير من المغنين المشهورين لإقامة حفلاتهم على مسارحها، بمن فيهم أم كلثوم ومنيرة المهدية.

وفيما بعد، نشرت صحيفة "الأهرام" مقالا بعنوان "انتصار أم كلثوم"، الذي أكد أنها كانت المغنية الأفضل في احتفالات المنصورة.


وبعدها بفترة قصيرة، راسل أحدهم صحيفة "الأهرام" ردا على مقالتها، قائلا: "لقد فوجئت بقراءة ذلك العنوان الكاذب"، معقبا بأن منيرة المهدية كانت هي الفائزة الأولى من دون منازع.

وذلك لأن بقية الفنانين كانوا قد توقفوا عن الغناء في منتصف الليل، فيما بقي مسرح منيرة المهدية مكتظا بالجمهور حتى الساعة الثانية صباحا.

ولتفادي المزيد من اللغط في الشارع، انتقلت المهدية بحفلها إلى المسرح الرئيسي في المنصورة، واستمرت هناك في الغناء حتى الساعة الرابعة صباحا.

- إضافة إلى جرأتها، ما الذي يجعل منيرة المهدية ظاهرة جديرة بالاهتمام من الناحية الفنية؟


* كورماك: تركت منيرة المهدية علامة بارزة في تلك الفترة كمغنية وممثلة وفنانة استعراضية.

كما أنها تمثل الجسر الذي يصل بين عالمي الفنون الأدائية المصرية: فقد بدأت مسيرتها الفنية قبيل نشوب الحرب العالمية الأولى، من خلال إحياء حفلاتها في دور الموسيقا ذات الطابع الفني القديم، ثم أصبحت فيما بعد قائدة لفرقتها المسرحية الخاصة بها، ما يجعلها، على الأغلب، أول امرأة مصرية مسلمة الديانة تقف على خشبة المسرح.

ثم انتقلت بعد ذلك إلى العالم الحداثي المتمثل بفنون الكباريه في "شارع عماد الدين"، بعد الحرب العالمية الأولى.

تلك الحرب، وكذلك ثورة العام 1919 ضد الاحتلال البريطاني، شكلتا نقطة تحول فارقة في الثقافة السائدة في مصر، مع الوعي بضرورة التطور في طرح الفنون والثقافة. وكانت منيرة المهدية في قلب كل هذه التطورات، فتمكنت من تحقيق النجاح في أكثر من ضرب من ضروب الفنون الترفيهية والأدائية.

- ما المواد التي قمت بتجميعها عن قصص الفنانات اللواتي يظهرن في كتابك "القاهرة في منتصف الليل"؟

* كورماك: كانت الصحافة المعاصرة لزمن هؤلاء الفنانات بالنسبة لي هي المصادر الرئيسية التي كشفت عما كان يحدث معهن، وكذلك المذكرات التي قامت أغلبهن بكتابتها.

ويضم الكتاب بين دفتيه السير الذاتية لهن جميعا.

وحتى الفنانات اللواتي لم ينشرن مذكراتهن الشخصية، تركن لنا مقالات وقصاصات صحفية عن مسيرتهن الحياتية والفنية.

أكثر ما استمتعت به هو اكتشاف المجلات الفنية القديمة التي يعود تاريخها إلى العشرينيات، وكانت ملأى بثرثرة الوسط الفني والقصص المشوقة.

والمجموعة الأفضل من هذه المجلات موجودة في "دار الكتب والوثائق القومية" (المكتبة الوطنية المصرية).

كما تملك الجامعة الأميركية بالقاهرة مجموعة مذهلة من المواد المتعلقة بهذا الموضوع.

كما قمت أيضا بإضافة النتائج التي وصلت إليها من مصادر متفرقة من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إلى تلك التي وصلت إليها من أبحاثي الأولية، وكذلك بالبحث في شبكة الإنترنت.

- ذكرت في كتابك أن "تاريخ الأزبكية هو أيضا تاريخ مصر الحديثة"، كما تشير إلى التطورات التي حدثت حينها، مثل بدايات نشوء الحراك النسوي المصري. و

نراك وأنت تصور هدى شعراوي -وهي من أبرز قيادات هذا الحراك- بطريقة سلبية في كتابك، على الأقل عندما يتعلق الأمر بموضوع العلاقة الغرامية التي كانت تربط ابنها محمد بالمطربة فاطمة سري.


* كورماك: بعد دخولهما في علاقتهما العاطفية بفترة، تزوجت فاطمة سري من محمد شعراوي زواجا عرفيا في العام 1924 -وهو اتفاق سري بين الزوجين أمام شهود، ولكن من دون أن يوثق العقد في المحكمة الشرعية.

وبطبيعة الحال، أخفى محمد شعراوي زواجه عن عائلته وأصدقائه، إلا أنه سرعان ما هجر فاطمة فور ولادتها ابنتهما "ليلى".

فقررت فاطمة بدورها اللجوء إلى المحكمة الشرعية، ونجحت بذلك في إجباره على التكفل بمصاريف النفقة.


أثناء فترة مرافعات القضية بين العامين 1926-1927، قامت فاطمة سري بنشر روايتها للأحداث في مجلة "المسرح" الأسبوعية، التي تقول فيها إن هدى شعراوي لم تكن موافقة على ارتباط ابنها بمطربة، وإنها على أغلب الظن هي التي سعت إلى التفرقة بين الزوجين.

ولم يكن في نيتي من هذا الاستهانة بإنجازات أسماء كبيرة في حراك العشرينيات النسوي أمثال هدى شعراي؛ فإنجازاتهن مدعاة للإعجاب، ولا يمكن إنكارها بأي حال من الأحوال.

ولكن، في الوقت نفسه، أردت أن يكشف هذا الكتاب عن جانب آخر للحركة النسوية في مصر تلك الفترة، وهو جانب غالبا ما يتم تجاهله، لأن الرأي العام ينظر إليه وكأنه يخص طبقات دونية أو منحلة أخلاقيا.

- تقترح لنا قصة المطربة فاطمة سري بأنه -خلف مظاهر الحياة البراقة تلك- لم تكن معيشة الفنانات المصريات في العشرينيات والثلاثينيات بالرونق الذي نتخيله. ماذا وجدت بهذا الشأن حين بحثت في سير نساء الأزبكية؟


* كورماك: من ناحية، تشكل الكتابة عن هؤلاء النسوة فرصة للإشادة بإنجازاتهن.

ولكن من ناحية أخرى، يعني هذا أننا يجب أن نكشف الأزبكية على ما كانت عليه في الواقع، أي، في مكان بعيد كل البعد عن فردوس النسوية.

كانت قصص التعنيف والاعتداء والاستغلال الجنسي جزءا من ذلك التاريخ.

وحتى أكثر الفنانات شهرة لم يسلمن من تجاوزات كهذه.

وأغلب الظن أن أكثر من عانى منهن كن أولئك النسوة اللاتي لم توثق حوادث الاعتداء عليهن.

وإحدى قصص التعنيف هذه هي تلك التي تخبرنا بما تعرضت له الراقصة امتثال فوزي حين كانت تحاول أن تدير صالة ملهى خاصة بها. لكنها واجهت عصابة من فتوات الحي الذين حاولوا أن يجبروها على دفع الإتاوة.

وحين رفضت، قام أحد أعضاء العصابة بقتلها خلف مبنى الملهى. والسبب الأوحد الذي عرفنا بما حدث هو تفاصيل القصة التي كانت همجية لدرجة أنها تصدرت الصحف المصرية.

وأنا متأكد من أن هناك الكثير من القصص المشابهة التي لم تخرج على الملأ، لأنها لم توثق من الأصل.

- ما الالتباسات الأخرى التي حاولت أن تتفاداها في كتابتك عن تلك الفترة الزمنية بالذات؟

* كورماك: الحنين إلى الماضي هو الأمر الشائك الأكبر الذي يقف أمامنا عند الكتابة عن مصر في العشرينيات والثلاثينيات، لأن الناس ينظرون إلى تلك الحقبة الثقافية المصرية من خلال عدسات وردية اللون -وكأنها كانت ملأى بالفرص اللامتناهية.

هذا على الرغم من أن المرأة المصرية لم تتمكن من الحصول على حق التصويت والترشح في الانتخابات حتى الخمسينيات.

لقد تمتع المصريون من دون شك بحقوق معينة في الخمسينيات أكثر من تلك التي كانت متاحة لهم في العشرينيات الصاخبة، إلا أن هناك جانبا آخر يخضغ للطرح العاطفي بطريقة مبالغ فيها، خاصة من قبل الكتاب الأوروبيين، ألا وهو كوزموبوليتانية تلك الحقبة، التي يظهرونها على أنها كانت حصرية مقتصرة على جماعة دون غيرها.

ولذلك، حاولت من طرفي أن أوضح للقارئ أن هذه الكوزموبوليتانية تمثلت أيضا في احتوائها للمصريين العرب، وبقدر لا يقل عن بقية المجتمعات -اليونانية، والإنجليزية، والفرنسية، وغيرها.

- حققت أم كلثوم هي الأخرى نجاحا كبيرا في قاهرة العشرينيات، كما خلفت إرثا عالميا فارقا سيكتب له الاستمرار لمائة سنة أخرى، على الأقل. إضافة إلى التفوق المبهر لأم كلثوم، برأيك، ما الإرث الفني للأزبكية بصفة عامة؟


* كورماك: يجب أن نوضح أن هناك العديد من ضروب الإنتاج الفني! المسرح والرقص والغناء والسينما -وكل هذه الفنون متصلة ببعضها بعضا، لأن الكثير من فناني وفنانات ذلك الزمن كانوا مبدعين في أكثر من نوع من الفنون الترفيهية.

تلك كانت الفترة التي شهدت بناء قاعدة الأساس لكم لا بأس به من أصناف الثقافة المصرية المعاصرة- وهؤلاء الفنانات كن في مركز ذلك الإبداع.

ولا يمكن التطرق إلى الزمن الذهبي للسينما المصرية في الخمسينيات والستينيات من دون ذكر فنانات رائدات مثل عزيزة أمير، التي مثلت في فيلم يمكن تصنيفه كأول فيلم مصري -"ليلى"- في العام 1927.

أما بالنسبة للمسرح، فنتذكر فاطمة رشدي التي كانت من أهم من أسس فرقة مسرحية في العشرينيات والثلاثينيات.

ولم تتمكن رشدي من السيطرة على المشهد المسرحي في القاهرة فحسب، بل نجحت كذلك في التنقل بأعمالها المسرحية إلى كافة أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا -على الرغم من أننا في أيامنا هذه ما نزال لا نتذكر سوى يوسف وهبي.

وهذا غير صحيح، لأن فاطمة رشدي وبهيجة حافظ كن أيضا من الرائدات في صناعة السينما.

- ثم جاءت ثورة كانون الثاني (يناير) 2011، فشهدت بدورها إعادة ظهور وانتشار موسيقا العشرينيات مرة أخرى.


* كورماك: يمكننا القول إننا شهدنا ما يمكن وصفه بـ"الشعور الوطني المتكامل" -الذي عبرت عنه أغنيات كتلك التي أبدعها أمثال الشيخ سيد درويش أثناء ثورة العام 1919 ضد الاحتلال البريطاني، وبعدها- كان هذا الصدى الموسيقي منتشرا بين الثوار في العام 2011. وفي العام 2014، قدمت الكاتبة والمخرجة المسرحية ليلى سليمان عرضها الأول لمسرحية "هوى الحرية"، بمعنى "نزوة الحرية"، والتي طرحت من خلالها جوانب متماثلة كثيرة بين ثورتي 1919 و2011.

من دون شك، هناك اهتمام متزايد بتاريخ مصر الثقافي في العشرينيات والثلاثينيات، وذلك بسبب تلمس فناني اليوم لإمكانيات التقدم وعوامله اللذين رسما معالم تلك المرحلة.

ويهدف كتابي "القاهرة في منتصف الليل" إلى إبراز العوامل الكثيرة المركبة في تلك الحقبة الثقافية المهمة، وكذلك إلى تبيان الأسباب التي ما تزال تجعلها مثيرة للإعجاب حتى يومنا هذا.

*ترجمت هذا الحوار لموقع "قنطرة" ريم الكيلاني.
(1) رافائيل كورماك: باحث زائر في جامعة كولومبيا، نيويورك، حاصل على درجة الدكتوراه في المسرح المصري من جامعة إدنبره. وهو محرر ومترجم حائز على جوائز أدبية عدة، ومساهم في الكتابة عن الثقافة العربية في مجلة "مراجعات لندن للكتب"، وفي مجلة "بروسبيكت" البريطانية الشهرية، وكذلك الملحق الأدبي لصحيفة الـ"تايمز" البريطانية، وغيرها من المطبوعات. وهو أيضا محرر المجموعة الأدبية "كتاب القاهرة"، ومحرر مساعد للمجموعة الأدبية الأخرى لـ"كتاب الخرطوم".


(2) لعبت هدى شعراوي دورا رئيسيا في الحراك النسوي المصري وفي النضال ضد الاحتلال البريطاني. كانت شعراوي ناشطة في العمل الاجتماعي لرعاية النساء والأطفال، كما أسست "جمعية الرقي الأدبية للسيدات المصريات" في العام 1914، و"الاتحاد النسائي المصري" في العام 1923. وتولت منصب رئاسة لجنة "حزب الوفد" المركزية للنساء في العام 1920. بعد عودة الوفد النسائي من مؤتمر روما في العام 1923، قامت كل من هدى شعراوي ونبوية موسى وسيزا نبراوي بخلع حجاب الوجه (النقاب) علانية، كحركة رمزية أمام "محطة مصر للقطارات" في القاهرة.