‏حوليات العالم السري: الحياة السرية للشامبو‏

‏لوبي مقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية – (المصدر)
‏لوبي مقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية – (المصدر)
‏‏ترجمة: علاء الدين أبو زينة جيفري سانت كلير*‏ - (كاونتربنش) 14/4/2023 مر الآن 30 عامًا منذ أن كتبت قصتي الأولى عن وكالة المخابرات المركزية (سي. آي. إيه). وفي العقود التي تلت ذلك، كانت الوكالة لاعبًا مميزًا في أربعة كتب على الأقل ("الغموض" Whiteout، و"غزوات إمبريالية" Imperial Crusades، و"بنتاغون السرقة الكبرة" Grand Theft Pentagon، و"أوقات النهاية" End Times)، إضافة إلى المئات من المقالات. وقد استولت على مكتبي تقريبًا أكوام لا ترحم من الصناديق المليئة بالملفات المنقحة بشكل كبير والمستخرجة من خزائن الوكالة باستخدام قانون حرية المعلومات. وقد بلغ إجمالي ملفات كتابنا "الغموض" وحده أكثر من 150.000 صفحة. وبلغ عدد الأوراق الخاصة بحروب جورج دبليو بوش وأوباما الأبدية، والمراقبة الجماعية، والتسليم الاستثنائي للسجناء ومخططات التعذيب نحو 100.000 صفحة أخرى، على الأقل. وعند نقطة معينة، ليس لك سوى أن تتوقف عن العد فحسب. وكنت أقوم هذا الأسبوع بإعادة ترتيب أكوام الصناديق الهائلة لتقليل خطر تعرضها للسحق على مكتبي عندما يضرب "الزلزال الكبير" وادي ويلاميت وتنسكب محتويات ملف مفتوح، وتفيض ملاحظاتي منه على القصة التالية التي كنت أعمل عليها قبل أسبوع من إسقاط الطائرات البرجين التوأمين وحرق مبنى البنتاغون. يبدو الآن كما لو أنه مضى دهر على تلك المقالة وكنت قد نسيتها تقريبًا. لكنني ضحكت وأنا أقرأ الصفحات حول كيف حصل أحد المحاربين القدامى في "برنامج فينيكس" سيئ السمعة التابع لوكالة المخابرات المركزية على عمل للقيام بحيل قذرة في منافسة بين شركات صناعة الشامبو. في الحقيقة، تظل دولة المراقبة أكثر شرًا وسخافة مما يتصور معظمنا. وهناك العديد من هذه القصص في هذه الملفات، بعضها مقتطفات من كتاب "الغموض"، والتي تستحق أن تُبعث من قبوها لتذكيرنا بأنواع البذاءات والسخافات التي كانت وكالة المخابرات المركزية عاكفة عليها كل هذه السنوات. والعنوان الجاري لهذه السلسلة العرضية "حوليات العالم السري"، هو تكريم لكتب جون ماكفي عن الجيولوجيا بعنوان "حوليات العالم السابق". وقد قمنا كلانا بعمل سنوات من التنقيب في طبقات عميقة من المعلومات حول كيفية استمرار الماضي في تشكيل الحاضر وتشويهه في كثير من الأحيان.

-جيفري سانت كلير

* * * ‏يبدو أن قدامى المحاربين في "برنامج فينيكس" التابع لوكالة المخابرات المركزية يقومون دائمًا بعمليات هبوط ناعمة بمظلة ذهبية: تحصيل ضمان مدى الحياة من خلال مزاولة عمل مربح. وقد نشرت مجلة "كاونتربنش" عن صعود روبرت سيمونز إلى الكونغرس الأميركي، وهو من قدامى المحاربين في "برنامج فينيكس" ويمتاز ببراغته في التعذيب. ثم هناك حالة السيناتور السابق بوب كيري، الذي قاد عملية "فينيكس" في دلتا نهر الميكونغ في فيتنام، التي تضمنت قطع الرقاب واغتيال كبار السن من الرجال والنساء، وكذلك الأطفال. والآن تأتي الأخبار عن أن قدامى المحاربين في "فينيكس" مطلوبون بشدة من قبل المستويات العليا في عالم الشركات.‏ ‏ في أوائل أيلول (سبتمبر)، اعترفت شركة "بروكتر أند غامبل"، وهي مجموعة شركات مقرها سينسيناتي، بتوظيف عملاء سابقين من "برنامج فينيكس" للتسلل إلى منافستها الرئيسية، شركة "يونيليفر"، عملاقة مستحضرات التجميل الأنجلو-هولندية. وكان الأمر كله يتعلق بأسرار الشامبو، وتحديدًا مجموعات "صالون سيليكتفز" و"فاينيسي" الأكثر مبيعًا. ويبدو أن كلاً من هاتين العلامتين التجاريتين لشركة "يونيليفر" قد استحوذتا على حصة كبيرة من حصة السوق التي كان يهيمن عليها رف من منتجات "بروكتر أند غامبل"، بما فيها ماركات "ووش أند غو"، و"هيد أند شولدرز" و"بانتين" و"فيدال ساسون". كما كانت على المحك مسألة البيع المخطط له لشامبو "كليرول"، الذي كان على منصة المزاد بينما تنخرط الشركتان في صراع شديد على العطاءات. وقال مسؤول تنفيذي سابق في شركة "بروكتر آند غامبل" إن الشركتين كانتا منخرطتين في حرب قذرة استمرت عقودًا، وأصبحت "صراعًا حتى الموت لكسب حصة متزايدة" في السوق.‏ تم إطلاق العملية في حزيران (يونيو) من العام 2000، عندما تعاقدت شركة "بروكتر آند غامبل" مع "مجموعة فوينكس الاستشارية" في هانتسفيل، ألاباما، وهي شركة تجسس على الشركات أنشأها جون نولان، المحارب القديم المخضرم في "فينيكس" وزملاؤه من ضباط وكالة المخابرات المركزية. كما أنشأت "بروكتر آند غامبل" جناحًا سريًا داخل قسم الأمن الخاص بها. وتم تشغيل العمليات من مكتب سري يعرف باسم "المزرعة"، وتضمنت العمليات تخصيص منازل آمنة، وحسابات مصرفية في الخارج، وغوص في القمامة، وتوظيف مخبرين.‏ ‏و‏يبدو أن نولان وعملاءه تمكنوا من تأمين أكثر من 80 وثيقة داخلية من وثائق شركة "يونيليفر" توضح بالتفصيل استراتيجية الشركة لتسويق الشامبو في العامين المقبلين. ثم أعيدت هذه الوثائق إلى الشركة بعد تسرب خبر العملية إلى صحفي في مجلة "فورتشن". واعتذرت شركة "بروكتر آند غامبل" عن العملية، قائلة إنها "انتهكت قواعد شركتنا الصارمة فيما يتعلق بسياسات أعمالنا". كما فصلت الشركة اثنين من المديرين التنفيذيين في قطاع الأمن في الشركة.‏ ‏لكن قلة من الناس هم الذين يأخذون هذه الإجراءات على أنها أكثر من مجرد مناورات دفاعية تتخذها شركة تم ضبطها وهي تزال عملًا مشبوهًا وضعها في وضع التحكم الكامل في الضرر. وفي الواقع، تشتهر شركة "بروكتر آند غامبل" بجنون الارتياب والمخاوف المهووسة بشأن سرية الشركات. ويُعرف ضباط الأمن داخل الشركة باسم "بروكتويدز". وفي الماضي، قامت "بروكتر آند غامبل" بتعقب موظفيها في رحلات عملهم لمعرفة ما إذا كانوا يدردشون مع زملائهم المسافرين (وعملاء شركة يونيليفر؟) حول أعمال الشركة، كما تطفلت على خطوط هواتف الشركة وتتبعت حركة مرور الحاسوب. وقبل بضع سنوات، غضب المسؤولون التنفيذيون في شركة "بروكتر آند غامبل" من سلسلة من المقالات الناقدة حول الشركة كتبتها صحيفة "وول ستريت جورنال" أليسيا سواسي، وانتقموا منها بقصفها بمذكرات استدعاء من هيئة المحلفين الكبرى ووضعها تحت المراقبة على مدار 24 ساعة.‏ ‏لا يستطيع الرئيس التنفيذي لشركة "بروكتر آند غامبل"، جون بيبر، أن يدعي الجهل بالعملية. وعلى مدى العام الماضي، كان بيبر يتفاخر علنًا بنجاح مشاريع شركته في مجال "الاستخبارات التنافسية"، وكان آخر ذلك في خطاب ألقاه في مونتريال في حزيران (يونيو). وقد ألقى هذا الخطاب بعد شهرين فقط من إرسال اعتذاره إلى شركة "يونيليفر" عن سرقة الخطط التسويقية للشركة.‏ ‏وليس المعلم الرائد في الاستخبارات التنافسية سوى صديق بيبر، جون نولان، العميل السابق في "فينيكس" الذي ينسب الفضل إلى نفسه في تطوير هذا المجال، إن لم يكن اختراعه من الأساس. وفي الواقع، هناك حتى مدرسة للمتطفلين على الشركات أنشأها نولان وغيره من متقاعدي وكالة المخابرات المركزية/ "فينيكس" تسمى "مركز استخبارات الأعمال التشغيلي"، وهي نوع من المدرسة للأميركتين لتعليم التطفل على الشركات واستخدام الحيل القذرة المتنوعة.‏ ‏يصف دوغلاس فالنتين، مؤسس "‏‏برنامج فينيكس"‏‏، نولان، بأنه رجل "صريح بلا تحفظ". وليس هناك شك في أن نولان لا يخجل من سيرته الذاتية الدموية، بل إنها في الحقيقة بطاقته التعريفية الشخصية. وقد حصلت مجلة "كاونتربنش" على ورقة إحاطة كان نولان قد أعدها للعملاء المحتملين، يشرح فيها هذا العميل المخيف السابق أساليبه في "جمع المعلومات الاستخباراتية التنافسية" و"تقنيات الاستنباط" و"التدابير المضادة".‏ ‏كتب نولان: "مع تحول الأعمال، طُلب منا القيام بمهام جمع المعلومات الاستخباراتية ضد العشرات من تلك الشركات التي كان مديرو الأمن فيها قد سألونا سابقًا عن الخطوات التي يمكن بها إحباط جهودنا. وفي كل واحدة من هذه الحالات، قبلنا المهمة، لأن هذا هو ما نقوم به، ولكن مع تحذير الزبون من أننا غير متأكدين من مستوى نجاحنا لأننا نعلَم أن الشركة المعنيّة لديها قائد أمني منخرط على ما يبدو في أساليب حماية المعلومات. لكننا الآن لم نعد نهتم بهذا التحذير. لماذا؟ لأننا عندما نحاول اختراق الشركة المستهدفة المعينة، لا نجد عمليات جمع المعلومات هناك أكثر صعوبة من أي شركة أخرى... ربما نحن أفضل بكثير مما نعتقد". سوف يتطلب الأمر محللاً ضليعًا في عمل (المحلل والطبيب النفسي الفرنسي) لاكان لفك شفرة عمق الفصام المتورط في سيناريو التجسس مقابل التجسس هذا.‏ في عرضه للمديرين التنفيذيين للشركات، يتجنب نولان بدقة ذكر العامل الأكثر أهمية في سرقة الشركات: حقيقة أن الكثير من الموظفين يتعرضون لإساءة المعاملة في وظائفهم لدرجة أنهم لا يستطيعون الانتظار لتدمير رؤسائهم.‏ ‏*‏جيفري سانت كلير‏‏ Jeffrey St. Clair: رئيس تحرير مجلة "كاونتربنش". أحدث كتبه "عربدة لصوص: النيوليبرالية ومواطن سخطها"، بالاشتراك مع ألكسندر كوبيرن. *نشر هذا المقال تحت عنوان: Annals of the Covert World: the Secret Life of Shampoo اقرأ المزيد من ترجمات:
اضافة اعلان