حول الابتكار لدى الأمم

الابتكار ربما يكون المحدد الأفضل لأداء الأمم - (أرشيفية)
الابتكار ربما يكون المحدد الأفضل لأداء الأمم - (أرشيفية)

كلاوس شواب - (النيويورك تايمز)
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
طوال قرون، ظل المفكرون الاقتصاديون، بدءاً من آدم سميث إلى جون منيارد كينز، يحاولون تعريف الصيغة المخادعة التي تجعل بعض البلدان أكثر ازدهاراً ونجاحاً من غيرها. وقد دفعني فضولي في هذا المضمار، كأستاذ اقتصاديات شاب في أواخر السبعينيات، إلى البحث في طرق جديدة لقياس التنافسية القومية.
بشكل حتمي، تصاحبت النقاشات حول الأداء الاقتصادي ومستويات الازدهار على نحو أكثر اتساعاً برغبة في تصنيف البلدان بحيث يمكن فهم القوى التي تسوق التطوير والتنمية، وبالتالي تحسين السياسة الاقتصادية بشكل أفضل.
وتاريخياً، تم وضع تمييز بين الاقتصادات «النامية» وبين «الصناعية»، والأكثر حداثة دخل مصطلح «الأسواق الناجمة» إلى حيز الضوء. وهذه الأيام، تحاول منظمات مثل البنك الدولي الابتعاد عن أحكام القيمة المنطوية في هذه المصطلحات عبر وصف مواقف البلدان ببساطة وفق سلم الدخل -منخفض، متوسط، وعال- ومعدلات نموها.
لكن هذا التصنيف الحالي لأداء الاقتصاد القومي، استنادا إلى الدخل والنمو، يسلط الضوء على المحصلات العملية فقط. إنه لا يقدم أي بصيرة تنفذ إلى العوامل التي تفضي إلى هذه المحصلات. وفي عالم متغير بوتيرة سريعة ومرتبط الأوصال بشكل متزايد -واحد تتسلق فيه المزيد من البلدان السلم- حتى وإن كانت توزيعات الثروة والدخل تتركز على نحو متزايد في داخل البلدان- فإن هذا النوع من التصنيف الذي يستند إلى الإنتاج يصبح قديما عفا عليه الزمان.
وكبديل لإجراءات قياس النمو التقليدية، دعت بعض الشعوب إلى مقاييس «إجمالي السعادة القومية» وإلى إجراءات قياس أوسع أخرى للكينونة البشرية. هذا حسن وجيد. ولكن، وبغية فهم الأداء الاقتصادي، يظل وضع تصنيف مستند إلى الدوافع الأساسية للنمو ضرورياً، وأنا أعتقد بوجوب تركز هذا التصنيف على مدى تجدد البلد.
يعد المدى الذي يستطيع معه اقتصاد ما تنمية منتجات قيمة مضافة أعلى ونماذج عمليات وأعمال من خلال التجديد محدداً رئيسيا للازدهار المستدام وطويل الأمد. والعوامل التي تسهم في نظام اقتصادي للتجديد عديدة ومرتبطة ببعضها البعض: قاعدة علمية وتكنولوجية قوية، واستثمار من القطاعين العام والخاص، وروابط بين الأعمال التجارية ومراكز البحث، ونظام تعليم عالي المستوى، وشفافية سياسية، وثقافة تشجع الريادة وخوض غمار المجازفة في قطاع الأعمال.
في الماضي، كان ينظر إلى التجديد على أنه المحافظة على شركات معينة بعدد قليل من الشركات المتقدمة. لكن هناك اليوم شركات متجددة في كل منطقة من العالم، بما في ذلك في بلدان نصنف بأنها "ناجمة" أو "نامية".
فيما تضع بعض البلدان تشديداً أكبر على قدراتها في التجديد، سيتحدد نجاحها الاقتصادي بازدياد من خلال ما إذا وكيف تستطيع البلدان رفع مكامن التجديد لديها. وسيخلق ذلك قسمة عالمية جديدة، مبتعداً عن التقسيم المستند إلى المفهوم الجامد للدخل، باتجاه واحد يستند إلى التجديد والقدرة على دعم مستويات المعيشة مع الوقت.
مع ذلك، يثير تكوين البنية التحتية للتجديد أسئلة عميقة. فتماماً مثلما كانت للثورة الصناعية تداعيات سياسية واجتماعية -بالنسبة للعمل والتعليم الجماهيري وتنظيم الشركات والدولة/الأمة الحديثة- التي استغرق فهمها قرناً، شرع أثر التجديد بأن يصبح مرئياً أثناء العملية فقط. ففي فجر الثورة الصناعية، ضم مؤسسو نظام المصنع الحديث في بريطانيا أشخاصاً طوباويين لمسوا المزايا المكننة دون فهم الجوانب التي تحت السطح. ويتشارك معهم أحفادهم التكنولوجيون والروحيون اليوم نفس النوايا الجيدة، لكن لديهم مواقع عمياء غير مرئية مشابهة.
كما أشار الاقتصادي السياسي جوزيف شومبيتر، فإن التجديد هو قوة تحدث ثورة لإحداث تغيير ثابت يدفع الاقتصاد عبر "الرياح العاتية المدمرة للتفكير الخلاق والمبدع". وبينما يقطع التغيير التكنولوجي السريع الفكرة التقليدية "وظيفة من أجل العيش"، فهو يخلق أيضاً فرصاً جديدة: دورات ضخمة مفتوحة على الشبكة العنكبوتية، وتطوراً متزايداً للتكنولوجيات تسمح بالتفاعل وجها لوجه عبر مسافات شاسعة، ونمو مجتمعات التعلم الموجه ذاتياً والذي يجعل التعلم مدى الحياة أمراً متاحاً أمام الجميع.
على أنه يجب إدراك أن القفزات التكنولوجية المذهلة في العقود الأخيرة تتزامن مع تزايد في اللامساواة. قد يكون المجتمع المتجدد أقل شمولية وأكثر تشظياً. ويعد وادي السيليكون في كاليفورنيا منارة للدينامية التكنولوجية العالمية، لكن، ومع أسعار الإسكان التي شقت عنان السماء نرى أن خمس سكانه تقريباً يعيشون في الفقر، وهو ما ينطوي على تحذير أيضاً من أن التجديد لا يقوى على فصل نفسه عن المجتمع الذي ينبع منه.
باختصار، نحتاج إلى إدراك أنه بينما تكون كلفة عدم التجديد -نمو اقتصادي متدن- كبيرة، فإن ثمن التجديد هو كذلك أيضاً. إن التغييرات التي يجلبها التجديد لأسواق العمل وسلاسل الإمداد والبنى المجتمعية لا يجب أن يساء تقييمها. وكذلك تقييم الأمم طبقاً لمكمن التجديد لديها، كما يجب علينا الأخذ بعين الاعتبار كيف نستطيع إدارة التداعيات المتقاطعة للتغيير التكنولوجي.
abdrahamanalhuseini@

اضافة اعلان

[email protected]

*المؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: On the Innovation of Nations