حين قابلت أسيرا من "داعش"

علي، مقاتل "داعش" المحتجز لدى قوات البشمرغة الكردية – (المصدر)
علي، مقاتل "داعش" المحتجز لدى قوات البشمرغة الكردية – (المصدر)

سباستيان ميير* – (الواشنطن بوست) 5/2/2016

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

السليمانية، العراق – كصحفي مقيم في شمال العراق على مدى السنوات الست الماضية، رأيت الحرب الجارية مع "الدولة الإسلامية"، أقرب حتى مما أحب. ففي صيف العام 2014، أسر المتشددون أعز صديق لي، الرجل الذين أحببته واحترمته أكثر ما يكون خلال فترة عملي كمراسل صحفي هنا. وكنا أقرب إلى شقيقين منا إلى صديقين، ولم أسمع عنه منذ ذلك الحين.
كنت أصور على مسافة تبعد نحو 180 ميلاً في المساء الذي اختفى فيه. وقدت سيارتي طوال الليل حتى أنضم إلى مجموعة من أصدقائه وأفراد عائلته في جهود لمحاولة إنقاذه. وبينما اجتاح المتشددون مناطق الغرب عبر العراق، عملنا بلا كلل من أجل العثور عليه. (لا أستطيع أن أقول المزيد عنه، خشية أن يضعه ذلك تحت خطر أكبر). وكنا مدفوعين بالغضب واليأس.
بعد أشهر، لاحقاً، طلبت مني "ديجي تيرور"، وهي وحدة كردية لمكافحة الإرهاب تتمركز في السليمانية، أن أقابل مقاتلاً أسرته الوحدة من "داعش". وهكذا، جاءت أخيراً ريح فرصة للضغط على "الدولة الإسلامية" من أجل تقديم إجابات عن تكتيكاتها؛ وفرصة لبعض التنفيس.
تم أسر علي خلال غارة ليلية مصورة على فيلم. وفي الصور التي أطلعني عليها المسؤولون في الوحدة، قامت قوات وحدة "ديجي" بتكبيل يديه وعصب عينيه ووضعته على متن طائرة مروحية. وكان علي قد قطع رؤوس السجناء، كما أخبروني. ولم أستطع عندئذٍ سوى التفكير بصديقي.
عندما قابلته، كان علي يرتدي بدلة برتقالية وصندلاً من البلاسيتيك. جلس منحنياً على كرسيه بينما أشعل له أحد الحراس سيجارة نحيلة ومررها إليه. تناولها بيديه الاثنتين، لأن رسغيه كانا مكبلين معاً، وسحب منها أنفاساً عميقة. (التدخين ممنوع في مناطق الدولة الإسلامية). وكان هذا المشهد بعيداً كل البعد عن صورة دعائية رأيتها له وهو يرتدي ملابس سوداء، ويقف بتعالٍ خلف جندي كردي من قوات البشمرغة، والذي يقول إنه أعدمه في وقت لاحق.
كان علي قد ولد في العام 1995، وانضم إلى "الدولة الإسلامية" في العام 2008، بعمر 13 عاماً، كما قال لي. وهناك تم تدريبه ليكون قاتلاً، وأُسندت إليه مهمته الأولى بعد سنتين من ذلك، حيث تم إرساله مع ثلاثة أصدقاء لقتل أربعة ضباط شرطة عراقيين في الموصل. وقد تعقبت المجموعة الرجال الأربعة، وأعدمتهم بطلقات في مؤخرات الرأس، ودفنتهم في مكان سقوطهم. وقال علي إنه قتل ثمانية أو تسعة رجال في المعارك، وليس من بينهم الخمسة الذين قطع رؤوسهم.
طلبت منه أن يخبرني عن جندي البشمرغة الذي قطع رأسه. فأخبرني بصوت ناعم ولهجة شاكية، بأنه دفع الجندي الكردي ليستلقي على بطنه على الأرض أمامه، ثم وضع ركبتيه على ظهر الرجل، واحتز رقبته بحربة. وهل كانت لدى علي رسالة يريد أن يبعثها إلى عائلات جنود البشمرغة الذين قطع رؤوسهم؟ بقي صامتاً لوهلة، ثم تشنج وجهه بقوة وشرع في البكاء والنشيج.
إذا كان كل ما قاله صحيحاً، فإن علي كان في الحقيقة إرهابياً خطيراً، والذي سيكون العالم أكثر أمناً بوجوده خلف القضبان. لكنه كان أيضاً جندياً طفلاً، ولداً ضعيفاً مكشوفا اقتيد بالإكراه ليصبح إرهابياً. وقد قابلت مقاتلين آخرين كثيرين مثله، بعضهم كانوا بعمر 14 عاماً فقط عندما جاءت "الدولة الإسلامية" إلى قراهم وأجبرتهم على الانضمام تحت تهديد السلاح.
ترتكب مجموعة "الدولة الإسلامية" أفعالاً دنيئة لا توصف من القسوة، لكن الرجال الذين ينفذون هذه الجرائم ليسوا تلك الرسوم الكاريكاتورية ثنائية الأبعاد التي رُسموا ليكونوها. إنهم بشر، تم تلقين الكثيرين منهم عقائدهم المتطرفة في السن الأكثر قابلية للتأثير، وتم إجبارهم على الخدمة.
بعد بضعة أسابيع من المقابلات، رأيت صورة ملتقطة بعد معركة بين الأكراد ومقاتلي "الدولة الإسلامية" بالقرب من سنجار في العراق. وفي الزاوية السفلى اليسرى من الصورة ثمة جثة مقاتل، رأسه فقط خارج الإطار، بينما يتجمع الدم في بركة عند كتفه الأيسر. اسمه عبد العزيز فرج يوسف، عمره 16 عاماً. وقد رأيت الكثير من صور مقاتلي "الدولة الإسلامية" القتلى، لكنني عندما قرأت عمر الصبي، شعرت بشيء مختلف. ذهب ذلك الشعور بالرضا الانتقامي. إن هذا الذي أراه هو طفل ميت. ولم أعد غاضباً بعد ذلك. وإنما أصبحت حزيناً، كسير القلب.

*مصور صحفي ومخرج أفلام. شارك في العام 2009 في تأسيس "ميتروغرافي"، أول وكالة تصوير عراقية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: ISIS kidnapped my best friend. But when I met its fighters, I couldn’t hate them.

اضافة اعلان

[email protected]