خطة مارشال لمكافحة الجائحة في أوروبا

figuur-i
figuur-i

فيليب ليجرين*

لندن ــ أخيرا، اتفق وزراء مالية منطقة اليورو في التاسع من نيسان (إبريل) على حزمة من التدابير في الاستجابة لأزمة جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19 COVID-19). ولكن في مواجهة حالة طوارئ طبية واقتصادية غير مسبوقة، ينبغي لهم أن يتحلوا بقدر أكبر كثيرا من الجرأة.
إن عمليات الإغلاق المفروضة في أغلب الدول الأوروبية مُـدَمِّرة اقتصاديا. فبسبب إغلاق العديد من الشركات واحتجاز الجميع تقريبا في منازلهم، انهار الإنفاق الاستهلاكي وتراجع النشاط الاقتصادي بشدة. وينتظر الإفلاس العديد من الشركات، في حين ترتفع معدلات البطالة إلى عنان السماء، وتتدهور دخول الأسر.
وفقا لأحد التقديرات الرسمية، يعمل الاقتصاد الفرنسي الآن بنحو ثلثي طاقته. وبافتراض أن انكماشا مماثلا يحدث الآن في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي، فإن الإغلاق لمدة ثلاثة أشهر من شأنه أن يؤدي إلى انخفاض الناتج السنوي بنحو 8 % - وهذه صدمة أكبر كثيرا من الصدمة التي أحدثتها أزمة 2008-2009. وربما تكون الضربة التي تلقتها إسبانيا التي تعتمد على السياحة هي الأشد قوة.
علاوة على ذلك، ربما يتبين أن الخسائر أكبر كثيرا، لأن الاقتصادات من غير المرجح أن ترتد إلى الانتعاش بذات السرعة التي سقطت بها. وسوف تظل حالة عدم اليقين المحدثة للشلل قائمة. وقد لا يعود المستهلكون المدينون الخائفون إلى مستويات الإنفاق السابقة حتى لو استمروا في وظائفهم. وربما تبدي البنوك عدم الرغبة في ــ أو عدم القدرة على ــ الإقراض، ولن تتعافى أبدا شركات عديدة متعثرة. ولا يستطيع أي شخص أن يستبعد المزيد من عمليات الإغلاق في الأشهر المقبلة.
لكل هذا، تدخلت الحكومات الأوروبية بحق لدعم الشركات التي تعاني من ضائقة مالية والعمال المحرومين من الدخل. لكن القسم الأعظم من منطقة اليورو لم يستجب بقوة كما فعلت اليابان، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة. ففي فرنسا وإسبانيا، لا تتجاوز الدَفـعة المالية 2 % من الدخل الوطني، والنسبة أقل حتى في إيطاليا. الحق أن الاستجابة ما تزال غير كافية بدرجة صارخة لما قد يتحول إلى كساد هائل.
ولكن لماذا لا تبذل حكومات منطقة اليورو القدر الكافي من الجهد؟ المشكلة ليست في القواعد المالية التي تحكم منطقة اليورو أو قواعد الاتحاد الأوروبي في ما يتصل بمساعدة الدول، والتي جرى تعليقها أو تخفيفها. وليست القضية في الوصول إلى الأسواق، خاصة وقد أصبحت تكاليف اقتراض الحكومات قريبة من الصِفر أو سلبية. تكمن المشكلة الحقيقية بالأحرى في الخوف الدائم من أن تؤدي الديون المرتفعة إلى سحق تدابير التقشف التي يفرضها الاتحاد الأوروبي بمجرد أن تمر الجائحة، وأن تتسبب احتياجات إعادة التمويل المرتفعة للحكومات في إحداث أزمة مالية أخرى.
في الوقت الحالي، عمل البنك المركزي الأوروبي على تهدئة الأسواق من خلال التعهد بشراء ما لا يقل عن 750 مليار يورو (820 مليار دولار أميركي) من سندات الحكومات والشركات هذا العام من خلال برنامج شراء الطوارئ الجديد المرن المخصص للتصدي للجائحة، بالإضافة إلى برنامج التيسير الكمي الذي أعلن عنه البنك في وقت سابق بقيمة 360 مليار يورو.
لكن منطقة اليورو تظل تشكل صرحا غير مستقر، وهي لم تعلق ميلها إلى التقشف إلا بشكل مؤقت. لقد نجت منطقة اليورو من الذعر في الفترة 2010-2012 لأن الأسواق صَـدَّقَـت تعهد رئيس البنك المركزي الأوروبي آنذاك ماريو دراجي بأن البنك المركزي الأوروبي سيفعل "كل ما يلزم" للإبقاء على الاتحاد النقدي متماسكا، ثم خففت الحكومات بعد ذلك تدابير التقشف. لكن كريستين لاجارد، خليفة ماريو دراجي، عملت منذ ذلك الحين على تقويض تعهده حين أعلنت: "إن مهمتنا ليست إغلاق الفوارق" (في الإشارة إلى الفائدة الإضافية التي يدفعها المقترضون الأكثر خطورة، مثل إيطاليا، مقارنة بالأكثر أمانا، مثل ألمانيا). وهناك أيضا خطر حقيقي يتمثل في اندلاع أزمة مالية بمجرد انتهاء العمل ببرنامج شراء الطوارئ الجديد المرن المخصص للتصدي للجائحة.
ولكن لعل المشكلة الأكبر تكون سياسية رغم ذلك. كان من الواجب أن تعمل الجائحة على الجمع بين الأوروبيين وتوحيدهم في مواجهة تهديد مشترك لا يحترم الحدود الوطنية. ولكن ما حدث بدلا من ذلك هو أن كل دولة سعت منفردة إلى حد كبير إلى تدبر أمورها اعتمادا على ذاتها. عندما وجهت إيطاليا نداء عاجلا طلبا للمساعدة الطبية في أواخر شباط (فبراير)، لم تستجب لها أي من دول الاتحاد الأوروبي الست والعشرين الأخرى إلى أن ردت الصين. الواقع أن فرنسا وألمانيا أصدرتا قرارات تقضي بحظر تصدير المعدات الطبية، فأصبحت سوق الاتحاد الأوروبي الموحدة بذلك مثارا للسخرية. على نحو مماثل، سارعت البلدان المجاورة لإيطاليا في منطقة شنجن التي يفترض أنها خالية من جوازات السفر إلى إغلاق حدودها.
الأسوأ من هذا أن أزمة كوفيد-19 أعادت إحياء الانقسامات والانحيازات المسبقة التي أظهرتها أزمة 2010-2012. ففي وقت حيث يموت عدد كبير من الإيطاليين والإسبان، يشير بعض الأوروبيين الشماليين ــ وخاصة وزير المالية الهولندي عديم التمييز ووبكي هوكسترا ــ إلى أن محنة الأوروبيين الجنوبيين ترجع إلى تقصيرهم وعجزهم.
ليس من المستغرب إذن أن تتسبب الأزمة في تعزيز المشاعر العدائية للاتحاد الأوروبي والأحزاب القومية الشعبوية، وخاصة في إيطاليا. وحتى سيرجيو ماتاريلا، رئيس إيطاليا المؤيد للاتحاد الأوروبي، أصابه اليأس إزاء انعدام التضامن. من ناحية أخرى، سجل حزب إخوان إيطاليا، الأكثر تطرفا حتى من حزب الرابطة اليميني المتطرف، ارتفاعا في استطلاعات الرأي. وربما تقرر حكومة قومية متشددة جديدة إصدار سندات دين قابلة للتداول لتخفيف قيودها المالية والتأثيرات المترتبة على خروج إيطاليا من منطقة اليورو. وهذا هو آخر ما تحتاج إليه منطقة اليورو الآن.
لتجنب كارثة اقتصادية أوسع، وتبديد خطر الأزمة المالية، وتوفير التضامن السياسي الذي تشتد الحاجة إليه، يجب على الأوروبيين أن يسارعوا إلى إطلاق "خطة مارشال للتصدي لجائحة كوفيد-19". وبما يتفق مع حجم الأزمة، ينبغي لمنطقة اليورو أن تتعهد بتعبئة ما لا يقل عن تريليون يورو (8 % من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة)، على أن تقدم المساعدات في هيئة مِـنح ــ وليس قروضا تضيف إلى أعباء الدين الوطني ــ إلى المستفيدين المناسبين في مختلف بلدان الاتحاد النقدي. وهذا كفيل بتغطية تكاليف الاحتياجات الطبية مثل أدوات الاختبار، ودعم الأوروبيين المتضررين بشدة، والمساعدة في غرس بذور التعافي الاقتصادي في نهاية المطاف.
يجب تمويل الخطة من خلال إصدار دين مشترك يشتريه البنك المركزي الأوروبي ويحتفظ به في المستقبل المنظور. على عكس "سندات كورونا" المؤقتة التي رفضتها ألمانيا وهولندا ودول أخرى، فإن خطة مارشال الجديدة لن تكلف دافعي الضرائب الأوروبيين، الشماليين أو الجنوبيين، أي شيء. ويجب أن تشتمل على بند خاص بإنهائها، لطمأنة أولئك الذين يخشون أن يجري إنشاء اتحاد مالي دائم عن طريق البوابة الخلفية.
الواقع أن التدابير التي اتفق عليها حتى الآن وزراء مالية منطقة اليورو لا ترقى على الإطلاق إلى مثل هذه الخطة. صحيح أن ضمانات القروض المقدمة للشركات الصغيرة مفيدة، لكن قروض الاتحاد الأوروبي للمساعدة في تمويل النفقات الطبية وخطط حماية العمالة من شأنها في الحقيقة أن تضاعف مشكلة إيطاليا، التي لا تتعلق بالوصول إلى الأسواق بل بالسقف المالي. ولن يكون قرار تأسيس صندوق للتعافي في المستقبل على "أدوات مالية إبداعية" سوى هراء لا معنى له، إذ لا تزال الحكومات عالقة في طريق مسدود بشأن إصدار دين جماعي. لا يملك الأوروبيون إلا أن يأملوا أن يدرك قادتهم، عاجلا وليس آجلا، أن خطة مارشال التي يمولها البنك المركزي الأوروبي هو الطريق إلى الأمام.

اضافة اعلان

*المستشار الاقتصادي الأسبق لرئيس المفوضية الأوروبية، وهو كبير زملاء زائر لدى المعهد الأوروبي التابع لكلية لندن لعلوم الاقتصاد.
*ترجمة: مايسة كامل.
*خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.