خطة نتنياهو لمستقبل غزة.. لا فرصة لها في النجاح‏

رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، في حديث مع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي - (المصدر)
رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، في حديث مع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي - (المصدر)

د. جيمس دورسي*‏ - (مودِيرن دبلوماسي) 2024/2/25


لا تحرم رؤية نتنياهو الفلسطينيين من الحق في الدفاع عن أنفسهم فحسب. إنها تحرمهم أيضًا من الحق في معارضة الاحتلال ومتابعة السعي إلى الحصول على حقهم في تقرير المصير، وهي حقوق راسخة في القانون الدولي.

*   *   *
‏من المرجح أن تكون الخطة التي وضعها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لمستقبل غزة، بمجرد أن تصمت المدافع، غير صالحة وبلا أي فرصة للنجاح.‏

اضافة اعلان


بدلاً من رسم مسار لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، تهدف الخطة إلى سحق التطلعات الوطنية الفلسطينية وضمان استمرار السيطرة الإسرائيلية.‏ ‏كما أنها تفترض، على الرغم من كل المتناقضات، أن إسرائيل ستنجح في تدمير حماس. ويشكل تدمير حماس هدفًا طموحًا للحرب الإسرائيلية تعتقد ‏‏غالبية الإسرائيليين أنه غير قابل للتحقيق‏‏.‏


كما يتعارض اقتراح السيد نتنياهو، الذي جاء تحت عنوان "خطة لليوم التالي لحماس"، أيضًا مع ‏‏الخطوط الحمراء الرسمية و/أو غير الرسمية‏‏ التي وضعتها الولايات المتحدة، بالإضافة إلى دول عربية مختلفة، بما فيها مصر، وقطر، والمملكة العربية السعودية و"السلطة الفلسطينية" -ونعم، حماس.‏


‏وتشمل هذه الخطوط الحمراء عدم إعادة احتلال إسرائيل لأي جزء من غزة، وعدم تقليص أراضي غزة، وعدم تجاهل الحقوق الوطنية للفلسطينيين في إقامة دولة تعيش إلى جانب إسرائيل.‏ كما تفرض الخطوط الحمراء ضرورة بدء عملية ذات مصداقية لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وهو مفهوم كان غائبًا تمامًا عن اقتراحات السيد نتنياهو.‏


‏تجعل خطة السيد نتنياهو عملية إعادة إعمار غزة التي دمرتها الحرب وأصابتها بالصدمة مشروطة بقدرة إسرائيل على نزع سلاح القطاع، وإعادة صياغة المواقف والتطلعات الفلسطينية وتشكيلها في قالب تضعه إسرائيل ‏من أجل ضمان الامتثال للاحتياجات الإسرائيلية بدلاً من الاحتياجات الفلسطينية‏‏.‏


‏جاء في الخطة: "لن تكون عملية إعادة بناء غزة ممكنة إلا بعد تجريد القطاع من السلاح وعندما تكون قد بدأت عملية لنزع التطرف. وسوف يتم تنفيذ خطة إعادة التأهيل بتمويل من، وتحت قيادة دول توافق عليها إسرائيل".‏


‏إذا كان ثمة شيء تكشف عنه هذه الاتجاهات، فهو أن خطة السيد نتنياهو تسلط الضوء على الفجوة الهائلة بين رؤية إسرائيل للمستقبل ورؤية جميع اللاعبين الرئيسيين الآخرين لهذا المستقبل.‏ ونتيجة لذلك، فإن أي جهد يذهب أبعد من إنهاء الحرب وتجميد الصراع يجب أن ينطوي على تغيير كبير -ليس فقط على الجانب الفلسطيني بالطريقة التي تتجسد في عبارة ‏‏"تنشيط السلطة الفلسطينية‏‏"، وإنما أيضًا على الجانب الإسرائيلي.‏


‏في نهاية المطاف، سوف يتعين أن يشمل ذلك التغيير اعترافًا من الإسرائيليين والفلسطينيين بأن شواغلهم ومخاوفهم هي صور متطابقة مثل الانعكاس في المرآة لبعضهم بعضا، وبأنها يجب أن تُؤخذ في الاعتبار على قدم المساواة وعلى محمل الإنصاف.‏


‏هذه الفكرة أيضًا غائبة تمامًا هي الأخرى عن اقتراح السيد نتنياهو. وتنطلق الخطة باقتراح أن "‏‏إسرائيل ستحافظ على حرية التصرف العملياتية في قطاع غزة بأكمله‏‏ من دون حد زمني، لغرض منع تجدد الإرهاب وإحباط التهديدات القادمة من غزة".‏


‏في هذا الطرح، يتجاهل السيد نتنياهو بشكل مطلق حقيقة أن الفلسطينيين مصدومون من سلوك إسرائيل في حرب غزة بمثل صدمة الإسرائيليين من هجوم حماس في 7 تشرين الأول (أكتوبر) الذي أشعل فتيل الأعمال العدائية والمذابح الأخيرة.‏


بعبارات أخرى، يشعر الفلسطينيون بالحاجة إلى الحماية من العنف الإسرائيلي بقدر ما يشعر الإسرائيليون بالحاجة إلى الحماية من العنف الفلسطيني.‏ وكما هو واضح، تنطوي رؤية السيد نتنياهو ضمنًا على فكرة أن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها وضمان أمنها مهما كان الثمن.‏


‏لكن رؤيته لا تحرم الفلسطينيين من نفس الحق فحسب، وإنما تحرمهم أيضًا -إذا وضعنا المقاومة الفلسطينية جانبًا- من الحق في معارضة الاحتلال ومتابعة السعي إلى الحصول على حقهم في تقرير المصير، وهي حقوق راسخة ومنصوص عليها في القانون الدولي.‏


في إشارة إلى ما يحدث الآن، دافع السيد ما شين مين، المستشار القانوني لوزارة الخارجية الصينية، مؤخرًا، في "محكمة العدل الدولية" عن ‏‏حق الفلسطينيين في المقاومة بموجب القانون الدولي "بما في ذلك بالكفاح المسلح"، الذي "يختلف في‏‏ هذا السياق عن أعمال الإرهاب".‏


‏وكان السيد مين يتحدث خلال ‏‏جلسات الاستماع التي عقدتها "محكمة العدل الدولية" واستمرت أسبوعًا‏‏ حول شرعية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.‏


في مجملها، ترفض خطة السيد نتنياهو صراحة الخطوط الحمراء التي وضعها المجتمع الدولي من خلال الإصرار على أن "مساحة أمنية تقام في قطاع غزة في المنطقة المتاخمة لإسرائيل ستكون موجودة طالما كانت هناك حاجة أمنية إلى ذلك".‏


و‏مما يصب المزيد من الزيت على النار المستعرة أصلًا أن وزير المالية اليميني المتطرف في حكومة نتنياهو، بتسلئيل سموتريتش، يعتزم التأكيد على مفهومه الإشكالي للأمن من خلال الدفع قدمًا في الأيام المقبلة ‏‏ببناء أكثر من 3.000 وحدة سكنية جديدة في المستوطنات الإسرائيلية في‏‏ الضفة الغربية، ردًا على هجوم فلسطيني شُن على مستوطنة "معاليه أدوميم" الإسرائيلية، حيثُ قتل شخص واحد وجرح عشرة آخرون.‏


‏من خلال مطالبته بأن يكون لإسرائيل وجود أمني مستمر في غزة، يسعى السيد نتنياهو في الواقع إلى ضمان عدم وجود دولة أو كيان ثالث ليكون طرفًا في حكم وإعادة تأهيل القطاع بعد الحرب.‏


ويبدو أن السيد نتنياهو يتصور أن الوجود الأمني الإسرائيلي سيكون على طول حدود غزة مع مصر، في خطوة تهدف إلى الاحتفاظ بنوع من السيطرة على ما يدخل ويخرج من القطاع، وهو ما كان العائق أمام التنمية الاقتصادية والاجتماعية في غزة منذ ما يقرب من عقدين.‏


جاء في اقتراحات السيد نتنياهو: ‏"سوف تبقي إسرائيل على ’إغلاق جنوبي‘ على الحدود بين غزة ومصر، بغرض منع إعادة تكثيف العناصر الإرهابية في قطاع غزة.

 

وسيعمل ’الجدار الجنوبي‘ قدر الإمكان، بالتعاون مع مصر وبمساعدة الولايات المتحدة، مستندًا إلى تدابير لمنع التهريب من مصر تحت الأرض وفوقها، بما في ذلك عند معبر رفح".‏


بالإضافة إلى ذلك، ‏يشكل إصرار نتنياهو على نزع السلاح من غزة "بما يتجاوز ما هو مطلوب للحفاظ على النظام العام" محاولة منه لتدمير القدرة العسكرية لحماس بوسائل أخرى بعد فشلت حملة بلده العسكرية في تحقيق أهدافها.‏


‏إذا نحينا جانبًا حماس -التي تصر على أن إنهاء الكفاح المسلح سيأتي فقط في نهاية عملية حل الصراع وليس كشرط مسبق لها- من غير المرجح أن ينخرط أي طرف عربي أو فلسطيني في حكم الأراضي الفلسطينية تحت الوصاية الإسرائيلية ومن دون عملية سلام ذات مصداقية.‏


‏وبالمثل، من غير المرجح أن ينخرط أي طرف فلسطيني أو عربي في خطة مصممة لمواجهة التطلعات الوطنية الفلسطينية تحت شعار "نبذ التطرف" وتنطوي على تفكيك واستبدال وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وإصلاح المؤسسات الدينية والتعليمية والتي تعمل في إغاثة سكان القطاع.‏


‏وعلى الرغم من ‏‏الادعاءات الإسرائيلية والأميركية الأخيرة‏‏ بأن 12 موظفًا من موظفي (الأونروا) شاركوا في هجوم حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول (أكتوبر)، فإن هناك حملة إسرائيل مستمرة وطويلة الأمد ضد الوكالة مدفوعة بحقيقة أن المواد التعليمية للوكالة وعملها الاجتماعي يسمحان بتعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية.‏


‏وبالإضافة إلى ذلك، يوضح أكثر من نصف قرن من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية ما يعنيه السيد نتنياهو بـ"نزع التطرف" الفلسطيني. طوال هذه الفترة، حظرت إسرائيل -سواء في إسرائيل نفسها أو في الضفة الغربية المحتلة-

 

أي تعبير عن الهوية الوطنية الفلسطينية، بما في ذلك ‏‏رفع العلم الفلسطيني‏‏.‏ ‏وقد عزز الكنيست، (البرلمان الإسرائيلي)، في الأسابيع الأخيرة نهج نتنياهو من خلال ‏‏رفضه بأغلبية ساحقة ما أسماها المحاولات "الأحادية"‏‏ لفرض جدول زمني على إسرائيل لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.‏


‏جاء اقتراح خطة نتنياهو وتصويت الكنيست وسط تقارير تفيد بأن الولايات المتحدة وقطر ومصر والسلطة الفلسطينية تعمل على وضع ‏‏خطة للتوصل إلى اتفاق سلام شامل بين إسرائيل والفلسطينيين‏‏.‏


‏وكان بريت‏‏ ماكغيرك، كبير مبعوثي الرئيس الأميركي جو بايدن إلى الشرق الأوسط، متواجدًا في إسرائيل لمناقشة وقف مؤقت لإطلاق النار في الحرب وتبادل للأسرى بين حماس وإسرائيل عندما أعلن نتنياهو خطته.‏


‏تشكل رؤية السيد نتنياهو أيضًا ردا على جلسات الاستماع في "محكمة العدل الدولية" التي يمكن أن تقود المحكمة إلى إعلان الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني، وهي نتيجة سيكون من شأنها أن تشكل أي مفاوضات إسرائيلية فلسطينية في المستقبل.‏

 

وقد ‏عزز تصويت الكنيست بشكل ضمني اقتراح السيد نتنياهو الذي ينتهي بالتأكيد أن "إسرائيل ترفض تمامًا الإملاءات الدولية المتعلقة بالتوصل إلى تسوية دائمة مع الفلسطينيين. لن تتحقق هذه التسوية إلا من خلال مفاوضات صادقة بين الطرفين، من دون شروط مسبقة".‏


‏لا شك في أن السيد نتنياهو محق في أن حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يحتاج إلى التفاوض بين الإسرائيليين والفلسطينيين.‏ ‏لكن، المشكلة هي أن المفاوضين الفلسطينيين يجب أن يكونوا، حسب رؤية السيد نتنياهو، مفاوضين خانعين حساسين للاحتياجات الإسرائيلية بدلاً من أن يكونوا ممثلين موثوقين للتطلعات الوطنية الفلسطينية المعتنقة على نطاق واسع.‏


‏بالإضافة إلى ذلك، من الواضح أن دعوة السيد نتنياهو إلى إجراء مفاوضات من دون شروط مسبقة خادعة. في الحقيقة، ثمة شرط مسبق وضعه السيد نتنياهو، هو أنه سيتحدث فقط مع الفلسطينيين الذين يعترفون بإسرائيل كدولة يهودية وينبذون العنف مقدمًا.‏


كان زعيم منظمة التحرير الفلسطينية الراحل ياسر عرفات قد تبنى هذا النهج عندما شارك في اتفاقات أوسلو في العام 1993.‏ والآن، بعد مرور أكثر من 30 عامًا، لم يحقق الفلسطينيون أي شيء من تطلعاتهم بعد.‏


‏لا شك في أن الفلسطينيين كثيرًا ما يكونون أسوأ أعداء أنفسهم. ومع ذلك، فإن هذا لا يعفي إسرائيل من المسؤولية عن القيام بكل شيء لضمان أن لا تتحقق هذه التطلعات على الإطلاق.‏

‏*د. جيمس دورسي James M. Dorsey: زميل أقدم في كلية س. راجاراتنام للدراسات الدولية، والمدير المشارك لـ"معهد ثقافة المشجعين بجامعة فورتسبورغ"، ومؤلف مدونة "العالم المضطرب لكرة القدم في الشرق الأوسط"، وكتاب يحمل نفس العنوان، وكتاب بعنوان "التحولات السياسية المقارنة بين جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، الذي شارك في تأليفه مع الدكتورة تيريسيتا كروز ديل روزاريو، بالإضافة إلى ثلاثة كتب قادمة: "الرمال المتحركة: مقالات عن الرياضة والسياسة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، و"خلق فرانكشتاين: التصدير السعودي للمحافظة المتطرفة"؛ و"الصين والشرق الأوسط: المغامرة بدخول الدوامة".‏


*نشر هذا المقال تحت عنوان: Netanyahu’s ‘Day After’ Gaza Plan is a Non-starter

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

  نتنياهو يرتكب خطأ فادحا برفضه حل الدولتين