داخل مترو كييف.. ملجأ من القذائف بعَرض مدينة

كريستينا بيردينسكيخ (وسط) في مترو أنفاق كييف مع والدتها غالينا وابنة أختها ناستيا – (المصدر)
كريستينا بيردينسكيخ (وسط) في مترو أنفاق كييف مع والدتها غالينا وابنة أختها ناستيا – (المصدر)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة جوشوا يافا* - (ذا نيويوركر) 3/3/2022 في جميع أنحاء أوكرانيا، وخاصة في المدن حيث كان الهجوم الروسي شديدًا بشكل خاص، أصبحت المساحات الموجودة تحت الأرض ثمينة... في كل ليلة في كييف، تمتلئ محطات المترو بما يصل إلى خمسة عشر ألف مدني، من العائلات الشابة التي لديها مراتب قابلة للنفخ إلى الجدات اللواتي يتذكرن قصص الحرب التي سمعنها من الآباء والأمهات قبل عقود عدة. * * * في وقت متأخر من بعد ظهر الأول من آذار (مارس)، وهو يوم رمادي ورطب في كييف، سمعت -أو بالأحرى شعرت- بانفجار قوي خارج نافذة فندقي جعل قلبي يتقافز. وسرعان ما تصاعدت دوامة من الدخان الأسود إلى الأعلى، بالقرب من مباني المكاتب والمجمعات السكنية. وقد استهدفت روسيا بالقصف برج التلفزيون في المدينة، وهو معلم من معالم الحقبة السوفياتية يبلغ ارتفاعه ألف قدم ويرتفع فوق الحافة الغربية لأفق المدينة. تسبب الانفجار في تفحم جزء كبير من المنطقة المحيطة، بما في ذلك الأراضي الواقعة على أطراف مجمع مخصص لإحياء ذكرى ثلاثين ألف يهودي قُتلوا في العام 1941 على أيدي النازيين، في موقع يُعرف باسم "بابين يار". وكان من المستحيل تفويت المفارقة: الحملة العسكرية التي أعلن الرئيس فلاديمير بوتين، في خطاب متلفز قاتم، أنها تهدف إلى "اجتثاث النازية" في أوكرانيا، اقتربت بشكل خطير من قصف نصب تذكاري للمحرقة النازية. وكان ما جعل الدمار الذي ألحقه الانفجار مأساويًا تمامًا هو أن خمسة أشخاص كانوا يسيرون أسفل البرج لقوا حتفهم على الفور؛ أربعة منهم أُحرِقوا فعلياً. بحلول صباح اليوم التالي، قدّرَت الأمم المتحدة عدد القتلى المدنيين الأوكرانيين المؤكدين بمائتين وسبعة وعشرين، مشيرة إلى أن العدد الحقيقي "أعلى بكثير". (على فيسبوك، قالت خدمة الطوارئ الحكومية الأوكرانية إن أكثر من ألفي مدني قتلوا، لكنها حذفت الرقم من الخبر لاحقًا). وسقط الكثير من هؤلاء القتلى بسبب الضربات الجوية، سواء من القصف المدفعي أو الصاروخي. ونتيجة لذلك، في جميع أنحاء البلاد، وخاصة في المدن التي كان الهجوم الروسي فيها مكثفًا بشكل خاص، أصبحت المساحات تحت الأرضية -الأقبية، مواقف السيارات، والملاجئ التي خلفتها الحرب الباردة- ثمينة بشكل خاص. في كل ليلة في كييف، تمتلئ محطات المترو بما يصل إلى خمسة عشر ألف مدني، من العائلات الشابة التي لديها مراتب قابلة للنفخ إلى الجدات اللواتي يتذكرن قصص الحرب التي سمعنها من الآباء والأمهات قبل عدة عقود. مع انتشار الأخبار عن احتمال شن المزيد من الضربات الجوية الروسية، قررتُ أن أقوم بزيارة لكريستينا بيردينسكيخ، وهي من أبرز الصحفيين السياسيين في البلاد، والتي قضت كل ليلة من أيام الحرب الأخير في محطة المترو المحلية. وإلى جانب والدتها، غالينا، البالغة من العمر سبعة وستين عامًا، وابنة أختها ناستيا البالغة من العمر سبعة عشر عامًا، تمكنت من تأمين مكان داخل عربة قطار، التي تميل إلى أن تكون أكثر دفئًا ببضع درجات من الرصيف الخرساني. وعلى كل سطح في المكان، ثمة العشرات من الأشخاص الذين يرقدون في زوايا مختلفة من الاتكاء الغريب، محاطين بحقائب السفر ذات العجلات وأكياس التسوق البلاستيكية. تبلغ بيردينسكيخ من العمر ثمانية وثلاثين عامًا، بشعر بني بطول الكتفين وسلوك يجمع بين الكفاءة المطمئنة وإنكار الذات. وكانت قد أمضت سحابة اليوم في شقة والدتها، تنظم المؤن واللوازم، وتتصل بالأقارب في أماكن أخرى في أوكرانيا، وتستحم، وتبدل الملابس، وتفكر فيما إذا كانت ستغادر المدينة. وقد انتقل العديد من زملائها من مجلة "نوفوي فريميا"، حيث تعمل كبيرة للمراسلين السياسيين، إلى غرب أوكرانيا. كما انضم اثنان من كوادر المجلة إلى قوات الدفاع الإقليمية في كييف، وهي ألوية متطوعة شبه عسكرية انتشرت في جميع أنحاء البلاد. ويتعلق جزء من رغبة بيردينسكيخ في البقاء في العاصمة بعملها الصحفي؛ وقد تمكنت من كتابة عمود واحد في الأسبوع الماضي -يتضمن وصفًا للأمسيات التي أمضتها في المترو- بينما كانت مختبئة في غرفة خزين في الردهة. قالت لي: "لا أستطيع التوقف عن تخيل السيناريو الآتي: كييف تصمد، وبعد ذلك أخرج من محطة المترو وأكون من الصحفيين الوحيدين الذين يغطون يوم النصر". وقد أقرت بأن هذا قد يكون خيالًا بعيد المنال، ولكن، مرة أخرى، لم يبدُ تخيل سيطرة روسية على الدولة الأوكرانية أكثر قابلية للتصور. وقالت بيردينسكيخ: "الأيام الأولى للمقاومة أعطتني الثقة بأن ذلك لن يحدث. أما الشيء الذي لست متأكدة منه بالمقدار نفسه فهو مقدار الدم الذي يمكن أن يراق في الأثناء". قمنا بنزهة -في الهواء الطلق، كما قلنا مازحين- على بطانية مفرودة على الرصيف. وقدمت غالينا ما بدا، في حالة الجوع الذي كنتُ عليها -ما يشبه المكافأة الأوكرانية: بطاطا مسلوقة، ومخللات حامضة ودهن لحم الخنزير الكثيف. وتنحدر بيردينسكيخ وعائلتها من خيرسون، المدينة في الجنوب حيث يصب نهر دنيبر في البحر الأسود، على مقربة من شبه جزيرة القرم. ويتحدث الناس الروسية فيها إلى حد كبير، ولها روابط ثقافية وتاريخية مع جارتها الأكبر والتي تمتد إلى قرون. وفي اليوم التالي، أصبحت خيرسون أول مدينة أوكرانية تسقط في أيدي القوات الروسية، بعد أن لفها القصف العنيف في هذه العملية. سألتُ غالينا، التي كانت ترتدي معطفًا أسود ثقيلًا وقبعة محبوكة من الصوف، عن موقفها تجاه روسيا. كانت طفلة سوفياتية، نشأت على قصص الحرب العالمية الثانية، وكانت عضوًا متحمسًا في الكومسومول، منظمة الشباب الشيوعي. وقالت: "لم أفكر في كييف كعاصمة لي، وإنما في موسكو. كنا جزءًا من نفس الكل -لم يخطر ببالنا حتى أن نفصل أنفسنا عن بعضنا بعضا". وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، كانت مشاعر غالينا تجاه روسيا دافئة بشكل أساسي. ولكن ليس بعد الآن. قالت لي: "إنهم أعدائي. هذا مروع -كنا قريبين من بعضنا بعضا جدًا، ولكن بعد هذا لا أعرف كيف يمكن أن يكون الأمر أكثر اختلافاً في أي وقت". بعد أسبوع من الليالي التي قضتها في المترو، توصلت بيردينسكيخ إلى التعرف على مجموعة من الشخصيات متكررة الحضور في المكان. هناك زوجة موظف في المترو انتقلت بالفعل مع طفلهما البالغ من العمر خمسة أشهر إلى المحطة، حيث تقوم بجولات لتوزيع الشاي وأعشاب من الفصيلة الخبازية. واعتاد عازف البوق البالغ من العمر ثلاثين عامًا ويدعى دانيل كولوتُن، من الأوركسترا الشعبية الوطنية الشهيرة، عزف النشيد الوطني الأوكراني في المساء. وقال: "يمكنك أن ترى أن الناس محبطون، مضغوطون، وخائفون. أنا موسيقي -وهذا هو الشيء الذي يمكنني فعله بشكل جيد -لذلك فكرت في أن تكون هذه مساهمتي". وهي أيضًا وسيلة للتخفيف من توتره الخاص: "لا أريد أن أصاب بالذعر -لكنني غاضب". مع اقتراب ساعة حظر التجول في المدينة، الساعة الثامنة، جاء المزيد من الأشخاص إلى المحطة. ثمة مرحاض كان مخصصًا في السابق لموظفي المترو، على عمق خمسين قدمًا أو نحو ذلك أسفل النفق في اتجاه واحد. وثمة سلك واحد للطاقة الكهربائية موصول بقابس من نافذة التذاكر، لكي يتناوب الناس على شحن هواتفهم. والناس كرماء، يتقاسمون الطعام وقطع الأخبار عن التقدم الروسي، لكنهم مرتابون أيضًا. فكييف منشغلة بالحديث عن عملاء مختلفين موالين لروسيا يشرعون في تنفيذ أعمال استفزازية وأعمال التخريب. وفي محطة مترو أخرى، ادعت الشرطة أنها أوقفت مجموعة من الغرباء الذين حاولوا تهريب المتفجرات والذخيرة داخل لعبة أطفال -على الرغم من أنها ليست هناك، مثل العديد من القصص في كييف هذه الأيام، طريقة لمعرفة ما إذا كانت هذه القصة أسطورة أم حقيقة. بينما كنا نجلس على الرصيف، بثت تلفزيونات معلقة نشرة الأخبار المسائية: "جنود روس أُخِذوا أسرى. صواريخ في خاركيف"، قال شريط الأخبار أسفل الشاشة. وفي وقت سابق من ذلك اليوم، كان قصف شامل على المباني السكنية في خاركيف قد أدى إلى مقتل 11 شخصًا على الأقل، وسقط بعضهم في الشارع وهم يحملون أكياس البقالة في أيديهم. وأصابت ضربة صاروخية الساحة المركزية في المدينة، مخلفة جداراً من النيران. وتقع المدينة على بُعد أقل من ثلاثين ميلاً من الحدود الروسية، وقد انطوت منذ فترة على ميل مؤيد لروسيا في سياساتها -وهو شعور خفتَ بعد العام 2014، واختفى تقريبًا خلال الأسبوع الماضي. وقالت بيردينسكيخ إن قصف خاركيف العشوائي "يبدو وكأنه انتقام. يقول بوتين إنه يريد حماية المتحدثين بالروسية، ولكن اتضح أن المتحدثين بالروسية لا يريدون هذه الحماية". كانت ناستيا، وهي طالبة جامعية في السنة الأولى في كييف، قد حجزت تذكرة قطار للعودة إلى خيرسون في أوائل آذار (مارس). والآن بعد أن أصبحت المدينة تحت الاحتلال الروسي، لم يعد من الواضح ما إذا كان بإمكانها العودة. وكان والداها قد انتقلا إلى منزل في ضواحي المدينة، وأخبراها بأن رتلًا من الدبابات والمدرعات الروسية توغل ماراً بمنزلهما. وقال أحد الجيران قرب شقتهم، في وسط خيرسون، إن الفناء مليء بالجنود الروس. ويتناقل السكان قصصًا عن كيفية قيام بعض هذه القوات بسرقة الطعام من المتاجر المحلية. كما تواصلت غالينا أيضًا من بعض الأصدقاء القدامى في خيرسون، ولكن، كما قالت، "ليس هناك الكثير الذي يمكن قوله. إنهم يجلسون طوال اليوم في المنزل خائفين". وروت كيف أنها اعتقدت، خلال مكالمة أخيرة، أنها سمعت دوي انفجارات عالية على الطرف الآخر من الخط. وقالت لصديقتها: "أوه، هل سمعتِ، حدث شيء ما هناك". لكن الصديقة أجابت: "لا. هذا هناك، في كييف". بعد الساعة العاشرة، خفتت الأضواء في المحطة. حزم الناس طعامهم وفردوا أكياس النوم، وألقى الوهج الأبيض المنبعث من شاشات الهواتف المحمولة ظلالاً وامضة على جدران عربة القطار. زحفتُ إلى بطانيتي المطوية وشعرت بالأرض الباردة تحتي. وبدت دمدمة الشخير القريبة مطمئنة تقريبًا؛ تذكيراً بالإنسانية المتجمعة كلها معًا بحميمية. قدمت لي امرأة وسادة. في صباح اليوم التالي، بينما كنا نمدد ظهورنا المتيبسة، سألتُ بيردينسكيخ إلى متى تعتقد أنها ستستمر في العودة إلى محطة المترو. كان ذلك، بطريقة ما، سؤالًا سخيفًا: ليس هذا شيئاً يمكن تقرره هي. وقالت: "في أحد السيناريوهات، يدرك بوتين أن حربه الخاطفة قد فشلت -أوكرانيا تقاوم بشدة- ولذلك سوف يتراجع". ولكن، حسب معرفتها ببوتين، تخيلت بيردينسكيخ أن التكاليف بالنسبة لأوكرانيا، حتى وفق هذه النسخة الأكثر تفاؤلاً من الأحداث، يمكن أن تكون قبيحة وشديدة. وقالت: "سوف يجعلنا ندفع بطريقة أو بأخرى. وبالنسبة للخيار الآخر، حسنًا، أفضل عدم التفكير فيه". *مراسل موسكو لصحيفة نيويوركر *نشر هذا التقرير تحت عنوان: Inside Kyiv’s Metro, a Citywide Bomb Shelterاضافة اعلان