"داعش" في ليبيا لم يسترد عافيته بعد

الرئيس الأميركي دونالد ترامب بريشة رسام "الإيكونوميست" جون باركلي - (المصدر)
الرئيس الأميركي دونالد ترامب بريشة رسام "الإيكونوميست" جون باركلي - (المصدر)

هارون ي. زيلين* - (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 6/9/2019

اضافة اعلان

في 6 كانون الأول (ديسمبر) 2016، خسر تنظيم داعش في ليبيا آخر بقايا سيطرته على الأراضي عندما سلّم مدينة سرت الشمالية الوسطى. وبعد ثلاثة أعوام، أصبحت المجموعة مجرد ظل لنسختها السابقة، على الرغم من تعهد نحو خمسة وعشرين عضوا من أعضاء التنظيم بمبايعة الزعيم الجديد لمنظمتهم الأم العابرة للحدود في الخامس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر).
في الماضي، سعى تنظيم داعش في ليبيا إلى تكرار ممارسات داعش في العراق وسورية، وبلغ مستويات مماثلة من النجاح العسكري والحوكمة. أما اليوم، فلم يعلن التنظيم مسؤوليته عن هجوم واحد في ستة أشهر، كما عانى من نكسات كبيرة في التجنيد والتمويل والقدرات الإعلامية. ولهذا السبب عمل على توحيد "ولاياته" الليبية الثلاث في كيان واحد من أجل تبسيط عملية صنع القرار، على غرار ما فعله داعش في العراق وسورية. وعلى الرغم ذلك، يبدو أنّ داعش في ليبيا لا يمتلك القدرة على البقاء نفسها التي تمتّع بها نظراؤه في العراق في العقد الماضي أو في سورية اليوم -بافتراض استعداد الولايات المتحدة والجهات الفاعلة الأخرى لمواصلة الضغوط.
الدعاية منذ سقوط سرت
في غضون السنوات الثلاث الأخيرة، أصدر تنظيم داعش في ليبيا أربع رسائل فيديو فقط، ما يشير إلى أن عملياته الإعلامية قد تراجعت بشكل كبير. وتم نشر آخر مقطع فيديو مؤخراً من أجل حشد المؤيدين على الأرجح. ولكن، لم يكن لدى التنظيم أي جديد، فقد اعتمد على لقطات لهجمات سابقة من الربيع الماضي، ومؤكدا بشكل غير مباشر ضعف الجماعة.
في مقاطع الفيديو الثلاثة السابقة، لقيت المواضيع الأتية الصدى الأكبر:
• أيلول (سبتمبر) 2017: "سنصبر ونصابر".
• تموز (يوليو) 2018: "التزموا الجهاد في سبيل الله وقاتلوا".
• تموز (يوليو) 2019: "ما زلنا كيانا واحدا في العهد".
وتتماشى هذه الأفكار مع السرد العام الذي كان داعش يروج له في مختلف البلدان، وهو ما يظهر كيف حافظ داعش في ليبيا على ولائه لمنهجيات الرسائل التي تتبناها الجماعة الأم على الرغم من الضغط الذي يتعرض له في ليبيا.
ومع ذلك، يشير توقيت الفيديو الثالث إلى تأخير في الاتصال بين داعش في ليبيا وداعش في سورية والعراق. وكان هذا الفيديو جزءاً من سلسلة رسائل أعادت تأكيد التعهدات بمبايعة أبو بكر البغدادي، زعيم داعش آنذاك. وكان مقطع الفيديو الذي عرضه داعش في ليبيا هو الثامن، على الرغم من أنه كان في السابق أقوى وكيل للدولة الإسلامية خارج منطقتها الأساسية. وعلى نحو مماثل، بعد مقتل البغدادي في أواخر تشرين الأول (أكتوبر)، تم نشر فيديو جديد يبايع فيه تنظيم داعش في ليبيا الزعيم الجديد بعد مرور أسبوعين كاملين على شن داعش حملة إعلامية لإظهار الدعم المستمر في "ولاياته" الأساسية والخارجية.
العمليات العسكرية منذ سقوط سرت
بعد تفكك إقليم تنظيم داعش في ليبيا، توارت الجماعة عن الأنظار وكانت هادئة نسبياً في العام 2017، ويُعزى ذلك جزئيا إلى الغارات الجوية الأميركية المستمرة على معسكراتها خارج سرت. فقد أعلن التنظيم مسؤوليته عن أربع هجمات فقط في ذلك العام: اثنين في سرت وواحد في كل من مصراتة وأجدابيا. وكانت تلك الهجمات، على الأرجح، نتيجة لفرصة تم انتهازها وليس كحملة منسّقة.
ثم بدأت الوتيرة في الارتفاع في شباط (فبراير) 2018، عندما قرر داعش في ليبيا أن الوقت قد حان للخروج من الظلال وتجديد تمرّده. وشنت الجماعة هجمات في مواقع عديدة خلال كانون الأول (ديسمبر) من ذلك العام: أربعة في أجدابيا، وثلاثة في طرابلس، واثنين في الجفرة، وواحد في كل من سرت وأوجلة، والعقيلة، والفقهاء، ووادي كعام، وتازربو. وازدادت ثقة التنظيم بنفسه إلى حد أنه بدأ في آب (أغسطس) 2018 في إقامة نقاط تفتيش على الطريق بين أجدابيا وجالو. وبعد شهرين، زعم أنه استولى على مدينة الفقهاء لبضع ساعات.
هجمات داعش في ليبيا منذ سقوط سرت
لكن هذا الزخم توقف، وفقا للصحفي الإيطالي دانييل راينيري، في كانون الأول (ديسمبر) 2018 عندما اكتشف الجيش الوطني الليبي قاعدة للتنظيم بالقرب من المدينة-الواحة غدوة. وانتقلت الجماعة بعد ذلك إلى حقل هروج البركاني وبدأت عملياتها من جديد في نيسان (أبريل) 2019، حيث شنّت 11 هجوماً في الأسابيع التالية: اثنين في سبها، واثنين في تمسة، وواحد في كل من الفقهاء (وهي البلدة التي ادعى التنظيم مرة ثانية أنه استولى عليها لفترة وجيزة)، وغدوة، وزلّة، ودرنة، وسمنو، وهروج ونقطة التفتيش 400 بين سبها والجفرة. ثم انتهت هذه الهجمات عندما عثر الجيش الوطني الليبي على أحدث قاعدة لعمليات التنظيم في منتصف حزيران (يونيو)، ولم يتعاف التنظيم بعد.
تلاشي تنظيم داعش في ليبيا
يمكن أن يُعزى انخفاض وتيرة عمليات الجماعة وعجزها الأكبر عن إعادة بناء نفسها بطريقة مستدامة إلى ثلاثة عوامل رئيسية:
الغارات الجوية الأميركية. فبالإضافة إلى الجهود المحلية لخنق شبكات داعش في ليبيا وأنشطته، واصلت الولايات المتحدة غاراتها الجوية ضد أصول الجماعة ومعسكراتها، مما أدّى إلى تحييد قدرة التنظيم على إدامة أي ولادة جديدة له، وهو الدرس الذي ربما تعلمته واشنطن من فشلها في تحويل الانتصارات التكتيكية في العراق قبل عشرة أعوام إلى انتصار أكثر استراتيجية. وفي منتصف تشرين الثاني (نوفمبر)، وصف وزير الدفاع، مارك إسبر، هذه الاستراتيجية بأنها "قصّ العشب"، موضحاً أنه "يجب بين الحين والآخر توجيه مثل هذه الضربات للسيطرة على زمام الأمور وحتى لا تكون هناك تهديدات جديدة أو تعاود هذه الجماعات الظهور". ومنذ سقوط سرت، أعلنت قيادة الولايات المتحدة في إفريقيا عن شنّ عشر مجموعات من الغارات الجوية ضد تنظيم داعش في ليبيا، مستهدفة بشكل أساسي المعسكرات المتنقلة والمركبات وأعضاء الجماعة. وحسب مسؤولي الدفاع الأميركيين، فإن آخر سلسلة من الهجمات وقعت في أيلول (سبتمبر) الماضي وأسفرت عن مقتل 43 فرداً من مقاتلي التنظيم -وهي نكسة يُقال إنها أبقت على ما يقل عن 100 مقاتل في أنحاء البلاد كافة.
سقوط شبكات المقاتلين الأجانب. حتى في أوج نشاط داعش في ليبيا، كان جزء كبير من أنشطته يدار من قِبَل أجانب، وخصوصا التونسيين والسودانيين والمصريين. وقد قُتِل عدد كبير من هؤلاء العملاء الأجانب في الحملة التي شنتها قوات "البنيان المرصوص" التابعة لمصراتة وقوات أخرى لاستعادة الأراضي التي استولى عليها التنظيم. وفرّ آخرون إلى تونس (لمساعدة شبكة تنظيم داعش هناك)، أو سيناء (للانضمام إلى الجماعات المتمردة المحلية التابعة لداعش)، أو السودان (سواء لإيجاد ملاذ آمن أو لتسهيل العمليات اللوجستية بين الشبكات المختلفة في المنطقة). وعندما "تتخفى" الجماعات الجهادية، يصبح من الصعب على الأجانب أن يندمجوا في الوسط المحلي. كما لم ينضم المقاتلون الأجانب إلى داعش في ليبيا كما فعلوا أثناء ذروة نشاط الجماعة في الفترة ما بين 2014 و2016.
الصعوبات المالية. لسنوات عديدة، اعتمد التنظيم على التمويل القادم من منظمته الأم، لكن معظم هذه الأموال نضب منذ أن خسر داعش أراضيه في العراق وسورية. ومع ذلك، تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أنّ التنظيم حاول تنويع تمويله من خلال مصادر محلية، مثل الاستثمار في المشاريع الصغيرة ومتوسطة الحجم في المدن الساحلية، وابتزاز المواطنين الليبيين، وفرض ضرائب على شبكات الاتجار بالبشر واختطاف الأفراد بقصد طلب الفدية. وفي بداية هذا العام، تم تقويض هذه الجهود الأخيرة من خلال غارات الجيش الوطني الليبي التي استهدفت معسكر غدوة التابع للتنظيم، حيث ورد أن الجماعة كانت تحتجز أربعة وعشرين رهينة.
مستقبل تنظيم داعش في ليبيا
من الصعب توقّع قدرة داعش في الأمد البعيد على إعادة إطلاق التمرد في ليبيا وإدامته نظراً للحرب الأهلية الجارية في البلاد. ويعطي عجز داعش في ليبيا عن الاستفادة من هذا الصراع سبباً للأمل، ويدل على أن الليبيين قد لا يكونون قابلين للإيديولوجية أو الوحشية التي تمارسها الجماعة كما كان حال بعض الأجانب. لكن تغيير الديناميكيات قد يوفر للتنظيم مساحة أكبر للعمل. وعلى وجه الخصوص، قد تساعد الحملة الحالية التي يشنها الجنرال خليفة حفتر للاستيلاء على طرابلس الجماعة على تجنيد الإسلاميين الساخطين أو الغاضبين الذين يعتقدون أن الانضمام إلى التنظيم هو الخيار الوحيد أمامهم للانتقام.
في الوقت الراهن، يعجز داعش في ليبيا عن معاودة الظهور كما فعل السلف الرئيسي للدولة الإسلامية، تنظيم داعش في العراق، بعد النكسات الكبرى التي عانى منها في الفترة ما بين 2006 و2009. وحتى عندما كانت الجماعة الأخيرة في أضعف حالاتها، فقد كانت وتيرة عملياتها أعلى بكثير من الوتيرة التي حققها تنظيم داعش في ليبيا في السنوات الثلاث الماضية. وبحلول العام 2012، أصبح واضحاً أن المنظمة العراقية تعيد بناء نفسها وتستفيد من الاضطرابات في الداخل والفرص الجديدة في سورية. وبطبيعة الحال، لا تتمتع ليبيا بنفس نوع الديناميات الطائفية التي شهدناها في العراق، ناهيك عن الحرب الأهلية التي تلوح في الجوار والشبيهة بتلك التي اندلعت في سورية. وإذا نشأ مثل هذا الصراع في مصر أو السودان أو الجزائر، فسوف يغيّر بالتأكيد آفاق تنظيم داعش في ليبيا، إلا أنّ ذلك يبدو غير محتمل في الأمد القريب.
ومع ذلك، على واشنطن مواصلة تنسيق الضربات الجوية وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع شركائها في ليبيا من أجل تفكيك معسكرات التنظيم ومنع الجماعة من الظهور مرة أخرى على غرار العراق وسورية. وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي على الدبلوماسيين الأميركيين التوسط بين مختلف الأطراف الليبية على الصعيدين المحلي والدولي للمساعدة في تفادي التبعات السلبية التي قد تترتب على أي هجوم شامل يُشن على طرابلس من ناحية تعزيز إمكانية نهوض داعش في ليبيا.

*زميل "ريتشارد بورو" في معهد واشنطن، وهو أيضا مؤلف الكتاب القادم "أبناؤكم في خدمتكم: مبشرو الجهاد في تونس".