دروس اقتصادية برازيلية لأوروبا المأزومة

فيرناندو هنريك كاردوسو - (كريستيان سينس مونيتور) 11/10/2011

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

اضافة اعلان

بالنسبة لأولئك من بيننا في البلدان النامية ممن أصبحوا خبراء في موضوع الأزمات المالية، لا تعد أحدث موجة من الأزمة في النظام المالي الكوني مفاجأة، للأسف.
وفي الجزء الضخم، فإن الوصفات والتوصيات التي يصنعها من يدعون بالخبراء اليوم عن المشاكل الملازمة في العالم الغني، هي بالضبط تلك نفسها التي كانت قد وضعت في العقود الماضية بخصوص بلدان مثل البرازيل. والفارق هو أنه نظراً لأن الأزمة تقع في لب النظام، وليس على أطرافه، فإن انعكاسات المخاطر الكونية هي أكبر بكثير.
في الماضي، سعى المسؤولون المحليون -محافظو البنوك المركزية ووزراء المالية- إلى القول بشدة إنه لم يكن ثمة من سبب لمقارنة مأزق بلدهم الخاص بالمأساة التي تحدث في بلد آخر. لكن الحالة المالية لم تكن الشيء نفسه، فنسبة الدين قياساً مع إجمالي الناتج المحلي لم تكن بذلك الكبر، وكان الدَّين الداخلي في أيد محلية، ومقوماً بالعملات المحلية، وهكذا.
لكن كان هناك دائماً عامل حاسم: حسابات الصرف الأجنبي. ولو أوقفت تدفقات رأس المال السماح بإعادة توظيف الدَّين، فإن شبح الإعسار سيمد رأسه ليلتهم في الغالب كل شيء، مديناً البلدان المبتلاة بالعدوى لأعوام من التقشف المالي والنمو المنخفض.
خلال التسعينيات من القرن الماضي، وفي مستهل هذا القرن، بدا أن كل مشكلة مر بها بلد فقير (بعضها لم يعد فقيراً جداً نظراً لدخول مصطلح "بريك" BRIC في الجو) لم تواجه بالوصفة نفسها. وقد اقترح صندوق النقد الدولي نظاما ماليا صارما: إعادة تنظيم ممتلكات الدولة عبر عمليات الخصخصة، وانفتاح أكبر لتدفقات رأس المال، واستثمارات جديدة، وفي الحالات الأشد قسوة، إعادة هيكلة الدَّين الخارجي، كما حدث مع خطة "برادي" (إعادة ترتيب معظم ديون أميركا اللاتينية في العام 1989).
ولذلك، لم تضمن الوصفة مسارا سلسا للعودة إلى النمو. ومن أجل النمو ثانية، كان من الضروري إغواء بعض الصناديق الأجنبية، وإنما مع عدم تعريض النفس لأكثر تدفقات رأس المال تقلباً وتفجراً في الوقت نفسه -نحو ما يوصف هذه الأيام باسم "المال الحار". ومن السهل القول إنه كان من الصعب جداً فصل الحنطة عن الشوفان. وعندما تدهورت الحالة إلى بلوغ نقطة أصبحت عندها القروض الأجنبية ماسة لتغطية العجز في ميزان المدفوعات، آلت الحالة في الغالب إلى أن تكون مميتة.
فماذا طلب أولئك منّا الذين حكموا هذه البلدان من المجموعة الدولية خلال هذه الأوقات الصعبة؟ طلبنا تنظيما أكثر وأفضل، بغية الحد من المضاربة في مقابل عملاتنا، وخلق صناديق أكبر يمكن الوصول إليها بطريقة أسهل، وبأن تتم تقوية صندوق النقد الدولي وتعديل سياساته بشكل متزامن، بما يصب في صالح البلدان التي كانت تواجه أزمات سيولة.
ومن أجل تمويل هذه الصناديق، عاد بعضنا إلى فكرة "ضريبة توبين Tobin tax"، وهي غرامة تفرض على تحويلات إحدى العملات إلى أخرى. وأخيراً، طرحنا أنه إذا تجاوز التقشف في الميزانية حداً معيناً، فإن ذلك سيقتل أي آمال بالعودة إلى النمو، ناهيك عن جعل الحالة السياسية الاجتماعية في بلداننا غير قابلة للاستدامة. لكن أحداً لم يستمع إلينا، رغم طلباتنا المستمرة. وقد عانت البلدان التي لم تكن ظروفها تؤهلها للتفاوض على شروط أفضل مع صندوق النقد الدولي عموماً من فترات طويلة من عدم تحقيق نمو، وعدم القدرة المستمرة على دفع ديونها، سوية مع وجود اضطرابات اجتماعية.
كان أداء بعض البلدان الصاعدة أفضل. وتلك كانت حالة البرازيل التي أنشأت من تلقاء نفسها -وعلى مسؤوليتها الخاصة- ما يسمى "الخطة الحقيقية" Real Plan في العام 1994، لخلق عملة جديدة ولإجراء عدة تغييرات هيكلية في اقتصادنا. ولقد عدلنا، على نحو فعال، أسس سياستنا المالية، محققين أرباحاً مالية في المستويين الفيدرالي والرسمي، وفرضنا قوانين تنظيمية صارمة على النظام المالي، راقبها في حينه مصرفنا المركزي، تمشياً مع الخطوط الإرشادية لبازل (كما حددتها لجنة بازل حول الإشراف المصرفي -ولجنة أسس وضعتها مجموعة البلدان العشرين في العام 1975).
وفي الوقت نفسه، وبينما تبنينا عمليات الخصخصة، فإننا لم نغفل الحاجة لتكريس التنافس في القطاع الخاص. ورأينا أيضاً أهمية المحافظة على إدامة أدوات نشطة في الائتمان العام، مثل مصرفنا القومي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية و"مصرف البرازيل"، التي كان من شأنها السماح لشركاتنا القديمة بإعادة هيكلة أنفسها. وفي بعض الحالات، خلقنا نظاماً مختلطاً (خاصاً/عاماً) للاحتكارات السابقة للدولة؛ مثل شركز البترول "بتروباس".
وبالإضافة إلى ذلك، واعتبارا من العام 1994 وحتى اليوم، غذت البرازيل السياسات الضامنة لتحقيق زيادة فعلية في الحد الأدنى للأجور. وبدءا من العام 2000، خلقنا شبكة أمان اجتماعي، بما في ذلك برنامج "بولسا فاميليا" المعروف جيداً، والذي يربط دفعات الرفاه بارتياد المدارس، والذي خفض الفقر وعدم المساواة قليلاً أيضاً.
السيناريو الكوني الحالي هو سيناريو بلا يقين. ويواجه التنظيم المالي الذي اقترح في اجتماعات مجموعة العشرين عوائق تعترض سبيل تنفيذه، بسبب وجود مصالح قومية متنوعة، حيث يعمل كل بنك مركزي وفق ما يراه مناسبا. كما يغمر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الولايات المتحدة والعالم بالدولارات، ويقود عمليات على غرار البنوك التجارية من دون أن يقلق إزاء التزمت.
في الوقت الحالي، لا يقتصر الأمر على أن أولئك المسؤولين عن الفوضى المالية لا يعاقبون فحسب، وإنما تجدهم يتلقون علاوات (على عكس مع ما حدث في برنامج البرازيل الذي أبرأ النظام المالي، ما أفضى إلى معاقبة المصرفيين). ولن تهبط معدلات البطالة لأنه ليس هناك استهلاك أو استثمار. ويطالب كل من البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي بأن تقدم تلك البلدان الغارقة في إفلاس حقيقي تضحيات مالية تتزامن مع استحالة العودة إلى النمو -وبالتالي العودة إلى الوضع الطبيعي.
ويجري الحفاظ على معدلات الفائدة قريبة من الصفر، فيما أعلن أنها ستظل كذلك، لكن الاقتصادات لا تستجيب. وفي أوروبا، يضع كل بلد السياسة المالية التي يختارها، وليست هناك آليات للتوحيد. وتعشش البطالة والقلاقل السياسية في هذه البلدان مثل الأشباح، ماضية يداً بيد مع تهديد الإعسار.
وقد تفادت الاقتصادات الصاعدة هذه الحقيقة، حيث كانت الصين في الطليعة. ولكن، إلى متى؟ من الواضح أن ركوداً مطولاً أو انكماشا ضخما سينقل آثاره السلبية إلى الاقتصادات الصاعدة بواسطة التجارة الخارجية. وقبل أن يحدث ذلك وتصبح الأزمة أكبر من ذلك، فإن من الضروري أن يكون هناك تفهم كوني. ويجب أن يبدأ ذلك بالاعتراف بأن ديون بعض البلدان الأوروبية عصية على الدفع.
وعبر إعادة الهيكلة -أو ما يقرر الناس تسميتها به- والمشابهة لخطة برادي، من الضروري توفير الغوث لمجموعة الدول المتعثرة "بيغس" (البرتغال وإيطاليا واليونان وإسبانيا) والبلدان الأخرى التي تتشابه أوضاعها مع هذه الدول. فديونها الداخلية والأجنبية والأوضاع العسيرة لمصارفها -المحملة بأصول تبقى جودتها الحقيقية مجهولة- لا تعطيها أي فرصة سوى المرور في خفض ضخم لقيمة ديونها، حتى يكون بالإمكان استئناف النمو، خصوصا إذا كانت غائصة في الوقت نفسه في أزمة مالية وقلاقل سياسية.
ولا تكون هناك أي أرضيات سياسية أو أخلاقية للمضي قدما في إعادة الهيكلة ما لم تقم البلدان، وفي الوقت نفسه، بتوزيع أفضل لعبء هذه الخسائر. ولعل صيحة وويرن بوفيه، متبوعة بصيحة أصحاب (البلايين) والملايين في بلدان أخرى، تعري الأفكار المضللة لحزب الشاي، والتي تريد أن تضع العبء على الأكثر فقراً، الذين لا يتحملون أي قدر من المسؤولية عن الأزمة.
وأخيراً، إما أن يتم إنقاذ النظام المالي الأوروبي عبر برنامج ضخم لإعادة الرسملة، أو أن يتمزق اليورو إربا بسبب افتقاره للوحدة المالية، و/أو ينكمش الاتحاد الأوروبي، سامحاً لبعض أعضائه بخفض عملاتهم عبر استخدام عملتهم القومية الخاصة ثانية.
لن يتم إنجاز أي من هذا من دون تواجد قادة سياسيين أقوياء، راغبين في إعادة توزيع القوة الكونية وإعادة تنظيم وجهات نظرها الرئيسية. فهل ستكون هناك قوة كافية لتنفيذ هذا التعهد؟ تلك هي أحجية هذه اللحظة التاريخية.

* كان وزيراً لمالية البرازيل في 1993-1994، ورئيسا للبرازيل من العام 1995-2002، وهو عضو في مجلس القرن 21 في معهد بيرغروين.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Brazil's lessons for indebted Europe