دروس التاريخ يمكن أن تردع إسرائيل عن مهاجمة إيران

فريد زكريا - (الواشنطن بوست)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
نستمع هذه الأيام إلى مفهوم جديد في المباحثات بخصوص إيران -منطقة الحصانة. وتقوم الفكرة، التي يشرحها غالباً وزير الدفاع الإسرائيلي أيهود باراك، على أن إيران سريعاً ما ستتوافر على ما يكفيها من قدرة نووية بحيث لن تقوى إسرائيل على توجيه ضربة معيقة للبرنامج النووي الإيراني.
وفي الحقيقة، وبينما تظل التفصيلات جديدة، فإن هذا ليس مفهوماً استراتيجياً جديداً على الإطلاق.
لطالما ظلت الأمم تعتقد غالباً بأنها تصطدم بنافذة موصدة لا تمكنها من العمل. ولطالما أفضى هذا الاعتقاد في الغالب إلى التسبب بكارثة. ومن الطبيعي أن أشهر مثال على ذلك كان قرار ألمانيا خوض غمار الحرب العالمية الأولى. ففي حينه، اعتقدت رئاسة الأركان العامة الألمانية بأن روسيا -عدوها اللدود- كانت تعيد تسليح نفسها على نطاق من شأنه أن يلغي تفوق ألمانيا العسكري. واعتقد الألمان بأنه ستكون لدى روسيا في غضون عامين -مع حلول العام 1916- ميزة استراتيجية كبيرة، وربما غير قابلة لأن تُهزم.
ونتيجة لذلك، وعندما بدأت الفوضى العارمة في البلقان في حزيران (يونيو) من العام 1914، قررت ألمانيا أن تتصرف بينما كانت تتمتع بالميزة. ولوقف روسيا عن الدخول في "منطقة حصانة"، قامت ألمانيا بغزو فرنسا (الحليف الرئيس لروسيا) وبلجيكا، وهو ما أجبر بريطانيا على التدخل في الحرب ليضع ذلك قيد الاشتعال حرباً أوروبية على جبهتين، والتي طالت لأربعة أعوام وأفضت إلى أكثر من 37 مليونا من القتلى والجرحى.
إنني لا ألمح الآن إلى أن أي هجوم إسرائيلي على إيران سيفضي إلى أي شيء قريب من هذه التداعيات، وإنما أشير وحسب إلى أنه سيكون من قصر النظر، على نحو معمق، الاستناد إلى قرار رئيسي -الذهاب إلى الحرب- تبعاً لاعتبارات تقنية ضيقة أشبه بنوافذ من الهشاشة. وكان العديدون في واشنطن قد أصروا في آذار (مارس) من العام 2003 على أننا لا نستطيع انتظار مفتشي الأسلحة النووية وتركهم يستمرون في عملهم في العراق لأننا واجهنا نافذة مغلقة -كان الطقس سيصبح حاراً جداً مع حلول حزيران (يونيو) وتموز (يوليو) لإرسال قوات أميركية إلى العراق. ونتيجة لذلك، هرعنا نحو غزو واحتلال عسكريين سيئي التخطيط والإعداد، وهو ما رتب على الجنود إدامة القتال في العراق لثمانية أعوام طويلة وحارة جداً.
إلى ذلك، يشرح المسؤولون الإسرائيليون بالقول إننا نحن الأميركيين لا نستطيع فهم مخاوفهم من أن إيران تشكل تهديداً استراتيجياً لهم. لكننا في الحقيقة نستطيع الفهم، لأننا كنا قد مررنا بتجربة شبيهة جداً. فبعد الحرب العالمية الثانية، وفيما كان الاتحاد السوفياتي يقترب من عتبة الوصول إلى حيازة المقدرة النووية، تملك الرعب الولايات المتحدة لمدة أربعة أعوام. وكل شيء تقوله إسرائيل عن إيران راهناً كنا قد قلناه عن الاتحاد السوفياتي. فقد رأيناه نظاماً راديكالياً وثورياً، معارضاً لكل القيم التي كنا نحملها باعتزاز، ومصمماً على الإطاحة بحكومات العالم الغربي بغية تأسيس الشيوعية الكونية. ورأينا إلى موسكو على أنها غير عقلانية وعدوانية، وغير عابئة على الإطلاق بالحياة البشرية. وبعد كل شيء، فقد كان جوزيف ستالين قد أقدم لتوه على التضحية بحياة 26 مليون سوفياتي مسكون بالخوف في نضال بلده ضد ألمانيا النازية.
وتماماً فيما تتدارس إسرائيل جهاراً خيار توجيه ضربات استباقية ضد إيران، كان العديدون في الغرب قد حثوا على مثل هذه الضربات ضد موسكو في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي. وتجدر الإشارة إلى أن تلك الدعوات لم تصدر من الصقور فحسب، وإنما أيضاً من أناس كانوا سلميين طيلة حياتهم، مثل المفكر الشعبي اللامع برتراند راسل.
وللوقوف على المزاج الذي كان سائداً آنذاك، لك أن تتأمل في ما احتوته مفكرة هارولد نيكولسون، الذي يعد واحداً من أعقل الدبلوماسيين البريطانيين وأكثرهم برود أعصاب يوم 29 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1948، حيث كتب "ربما يكون صحيحاً أن روسيا تعد العدة لخوض المعركة النهائية من أجل سيادة العالم، ومتى ما توافرت على ما يكفي من القنابل فإنها ستدمر أوروبا الغربية وتحتل آسيا، وستخوض غمار نضال موت نهائي مع أميركا. وإذا حدث ذلك وتم مسحنا، فعندئذ قد يقول الناجون في نيوزيلندا إننا كنا مجانين لأننا لم نسع إلى منع وقوع ذلك... ثمة فرصة في أن يزول الخطر، وأن يكون من الممكن أن يحل السلام على نحو سلمي، مع أنني أقر بأنها فرصة ضعيفة لا تصل إلى واحد من تسعة".
وفي كلمة له في القاعدة البحرية في بوسطن، كان وزير البحرية الأميركي فرانسيس ماثيوس قد حاجج بأن الولايات المتحدة عندما تكون "المبادرة إلى بدء الحرب، فإنها ستكون أول المبادرين إلى السلام".
وفي النهاية، مع ذلك، فإنه يتم ردع الثورويين الكونيين في موسكو، والأوتقراطيين المجانين في بيونغ يانغ، والعسكريين الداعمين للإرهاب في الباكستان، بفعل المخاوف المتبادلة من الدمار. وبينما غالباً ما يوصف النظام الإيراني بأنه مجنون، فقد ارتكب هذا النظام أقل بكثير مما ارتكبه نظام ماو في الصين حتى يستحق ذلك الوصف عن جدارة. وخلال العقد الماضي، كانت هناك الآلاف من العمليات الانتحارية التي نفذها سعوديون ومصريون ولبنانيون وفلسطينيون وباكستانيون، لكن أياً منها لم تكن من فعل إيراني. فهل يرجح أن يقدم النظام في إيران -حتى لو توافر على قنبلة خام واحدة في بضع سنين- على إطلاق وتفجير أول قنبلة يتوافر عليها؟
يقول جدعون روز، محرر العلاقات الخارجية "تواجه إسرائيل أخيراً نوعية الاختيارات التي كانت الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى قد واجهتاها قبل أكثر من ستة عقود... ومن المؤمل أنها ستتوصل في نهاية المطاف إلى إدراك أن تحقيق الأمن المطلق مستحيل في العصر النووي، وبأنه إذا لم يكن بالإمكان تأخير أو تعطيل البرامج النووية لدى أعدائها، فإن الردع ينطوي على تداعيات كارثية أقل مما تنطوي عليه الحرب الاستباقية".

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Israel's wrong choice: How history lessons could deter Iranian aggression

اضافة اعلان