دعوا ليبيا تتولّى المسؤولية عن ثورتها

ليبيون يحتفلون بدخول الثوار إلى العاصمة طرابلس - (أرشيفية)
ليبيون يحتفلون بدخول الثوار إلى العاصمة طرابلس - (أرشيفية)

آن أبلباوم - (الواشنطن بوست) 24/8/2011

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

وأخيراً، أنهت الثورة الليبية الطريق التي كان يُفترض أن تنهيها. وكما شاءت إيفيلين فوغ أن تصف المشهد، فهو "بعض الانتصارات القوية، وبعض الممارسات الرائعة من الشجاعة الشخصية من جانب الوطنيين، ودخولاً زاهياً إلى العاصمة". وتلك كانت السياسة الغربية بالنسبة للحرب -باستثناء أن الحرب لم تطل لفترة أطول مما كان مقدراً لها. كما أنها قد لا تكون انتهت بعد أيضاً. فيوم الاثنين، وصل الثوار إلى الساحة الخضراء وأعلنوا تحقيق الانتصار. ويوم الثلاثاء، كان سيف الإسلام القذافي؛ الابن البكر لصاحب النظام، يتجول حول طرابلس في موكب مدرع، معلناً أن التقارير التي تحدثت عن إلقاء القبض عليه كانت سابقة لأوانها، وأنه تم جرّ الثوار إلى مصيدة ذكية. ويوم الأربعاء، كان الثوار في داخل مجمع عائلة القذافي.
وطالما كانت هذه هي المشكلة مع الحروب والثورات: ذلك أن لها طريقتها في الانحراف عن السياسة وإرباك المخططين. وهي تستمر، حتى عندما يكون من المفترض أن تكون قد انتهت. وتراها تتمدد في مناطق أخرى وتفضي إلى نزاعات جديدة. وحتى الحروب التي تنتهي باحتفالات استسلام مشهود، وبتوقيع معاهدات سلام مسهبة، كثيراً ما تكون لها حيوات غير متوقعة فيما بعد الموت. وقد أفضت الحرب العالمية الأولى إلى الحرب العالمية الثانية التي أفضت إلى الحرب الباردة، والتي أفضت بدورها إلى الحرب الكورية، وهكذا دواليك.
لا حاجة لأن تنتهي الثورة الليبية إلى حرب أهلية. لكنه ليس ثمة ضمان بأنها لن تؤول إلى ذلك الموئل. وفي كلتا الحالتين، تبقى قدرتنا في التأثير على مجريات الأمور محدودة. ونحن نستطيع تقديم المساعدة للثوار، كما درجنا طيلة الوقت. وفي حقيقة الأمر، ما تزال المقاومة الليبية تتلقى فوق الدعم الجوي من الناتو، مساعدات التدريب العسكري الفرنسي والبريطاني، بالإضافة إلى الأسلحة والمشورة من أمكنة أخرى في أوروبا والخليج، وخصوصا من قطر. لكننا لا نستطيع خوض الحرب نيابة عنهم، كما أننا لا نستطيع توحيدهم بالقوة، ولا نستطيع صوغ دستورهم الجديد. بل على العكس من ذلك، فإذا جعلنا نفسنا مرئيين تماماً في ليبيا عبر نشر قوات على الأرض، أو بتواجد الكثير من المستشارين الذين يضعون نظارات قاتمة على أعينهم، فإننا سرعان ما سنتحول في الحال إلى عدو آخر. وإذا حاولنا إقامة حكومتهم لهم، فإننا نخاطر بذلك في جعلها حكومة لا تحظى بالشعبية.
الذي يجب علينا فعله والحال هذه -مع استخدام عبارة مستهلكة كثيراً- هو القيادة بشجاعة وافتخار واستقامة من الصفوف الخلفية. وعندما بدأ انخراط الناتو، كنت قد حاججت بأن أفضل سلاح لأوباما كان الصمت: لا وعود زائفة، ولا خطابة محلقة ولا تهديدات. وقد حافظ الليبيون على هذه الحرب لكونها حربهم هم، وليس حربنا نحن. وكانت النتيجة أن الثوار الذين دخلوا من توهم إلى طرابلس ولوحوا لعدسات قناة الجزيرة، بدوا وأنهم قوة ليبية وليست قوة غربية؛ لأنهم كذلك بالفعل. وكانت صورهم وهم يدوسون على صور القذافي تبدو أكثر صدقية بكثير، وستؤتي أكلها على نحو أفضل في ليبيا وفي عموم العالم العربي أكثر مما فعلته صور جنود البحرية الأميركيين وهم يجرون ويسقطون تمثال صدام حسين في العام 2003، وقد لفّ رأس التمثال بعلم أميركي.
لكن كان هناك ثمن لصمتنا. ولا بد وأن يكون غياب قيادة أميركية مرئية -وفي الحقيقة غياب أي قيادة غربية- قد عملت بألمعية لصالح الليبيين، لكنها كانت وبالاً على تحالف الناتو. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يعمد وزير الدفاع الأميركي في حينه، روبرت غيتس، إلى مهاجمة الأعضاء الأوروبيين في الناتو في حزيران (يونيو) في أوج النزاع، بعد شهر وحسب من الغارات، حيث كان الضعف في الائتلاف في أوج ظهوره، وقد نفدت أسلحة وذخائر القوات الأوروبية التي انضمت إلى النزاع، ولم تكن لدى معظم الأعضاء الذين لم ينضموا للنزاع أسلحة وذخائر لإقراضهم. وبالكاد تحدث أعظم المتدخلين، الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، عن ليبيا. وفي الأثناء، لم يكن هناك أي دعم جماهيري في الغرب للتدخل، لأنه كان هناك القليل من المنافحين العامين عنه في الغرب. ولا تعد تلك إشارة جيدة للمستقبل، لكن تلك كانت مشكلتنا عندئذ لا مشكلة ليبيا.
ولحسن طالعنا، لا تشكل القيادة من الصفوف الخلفية في ليبيا الخيار الوحيد وحسب، بل إنها أيضاً الخيار المفضل أيضاً. ففي هذا الوقت، تبدو هذه وأنها فترتهم الانتقالية، لا فترتنا نحن. ونحن نستطيع أن نساعد وأن نقدم المشورة، ونستطيع أن نشير إلى خبرة الآخرين -في العراق وتشيلي وبولندا- ممن حاولوا خوض تجربة الانتقال من الدكتاتورية إلى الديمقراطية، والذين يستطيعون تقديم الدروس في ما الذي يتوجب عمله، وما الذي يجب تجنبه. ونستطيع الحفاظ على سقف التوقعات منخفضاً والوعود في حدها الأدنى. وبعد كل شيء، لدينا الكثير لتعلمه عن الثوار الليبيين وانقساماتهم القبلية وأنظمتهم السياسية واقتصاداتهم، ولدينا الكثير من الذخيرة لإعادتها إلى الوطن.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Let Libya take charge of its revolution

اضافة اعلان

[email protected]