شبح الأبارتيد عاد ليطارد إسرائيل ويجلب الأمل للفلسطينيين

ناشطون في ‏اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، جوهانسبرغ، جنوب أفريقيا، 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2023 - (المصدر)
ناشطون في ‏اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، جوهانسبرغ، جنوب أفريقيا، 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2023 - (المصدر)

توني كارون* - (الغارديان) 2023/1/10
الدعوى القضائية التي رفعتها جنوب أفريقيا والتي تطالب بإدانة إسرائيل بالإبادة الجماعية هي دعوة مناسبة لتأكيد حق شعب مضطهد في تقرير مصيره.

اضافة اعلان


ثمة طيف ما يزال يطارد إسرائيل منذ فترة طويلة: شبح جنوب أفريقيا.

 

وعلى وجه التحديد، يخشى القادة الإسرائيليون من أن عالَمًا يعترف باضطهادهم للفلسطينيين كنظام فصل عنصري ربما يتحرك ليفرض على إسرائيل العزلة الدولية نفسها التي ساعدت على إنهاء نظام حكم الأقلية البيضاء في جنوب إفريقيا.

 

ومع ذلك، لم يتوقع سوى عدد قليل من القادة الإسرائيليين أن يأتي هذا الزخم في شكل دعوى قضائية تثيرها جنوب أفريقيا في لاهاي وتتهم فيها إسرائيل بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية.


وتُظهِر عمليات التصويت الأخيرة في الجمعية العامة للأمم المتحدة أن معظم المجتمع الدولي مرعوب من وحشية إسرائيل في غزة، ومع ذلك يبدو أنه غير قادر على التحرك.

 

ويبدو الأمر كما لو أن إسرائيل محمية بامتياز أميركي غير معلن، لكنه مقبول بشكل عام، لتحديد شروط أي تدخلات دولية في الشرق الأوسط.

 

والواقع أن ما يجعل تصرفات جنوب أفريقيا أكثر إثارة للإعجاب هو حقيقة أنك عندما تتهم إسرائيل بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، فإنك تتهم فعلياً الجهة التي تسلحها وتمكنها دبلوماسيا -الولايات المتحدة- بالتواطؤ في ارتكاب جريمة كل الجرائم.
وإذن، لماذا اتخذت جنوب أفريقيا هذه الخطوة الجريئة؟


كان الرئيس الراحل نيلسون مانديلا قد تحمل، نيابة عن شعبه، العبء الأخلاقي عندما أعلن في العام 1997 أن "حريتنا لا تكتمل من دون حرية الفلسطينيين".

 

وكان "حزب المؤتمر الوطني الأفريقي" يعتبر منظمة التحرير الفلسطينية حليفاً وثيقاً ساعدها بنشاط في عملها لتحرير نفسها من إهانة وقمع نظام الفصل العنصري.

 

ومع تحرر جنوب أفريقيا، من خلال نضالها الخاص وبدعم دولي، بحلول أوائل التسعينيات، اعتقد مانديلا أن الوقت قد حان لتأمين حقوق الفلسطينيين وغيرهم من الذين يناضلون من أجل تقرير المصير.


بدأت العلاقة في الستينيات عندما كان "حزب المؤتمر الوطني الأفريقي" جزءًا من "حركة عدم الانحياز" و"مؤتمر القارات الثلاث" الأكثر راديكالية الذي التزم بمساعدة حركات التحرر التي ما تزال تناضل من أجل الاستقلال.

 

وقد عملت جنوب أفريقيا ضمن شبكة من الحركات الثورية في البلدان النامية، بعضها أصبح في السلطة الآن، والبعض الآخر ما يزال يناضل من أجل التحرر.

 

وتراوَح حلفاؤها من أنجولا وموزمبيق المحررتين حديثًا إلى كوبا والجزائر وإثيوبيا وفيتنام وغيرها.

 

لكن الفلسطينيين، الذين هم النجوم التي بلا دولة في سماء الثورة تلك، احتلوا دائمًا مكانة خاصة في قلوب أولئك الذين ناضلوا من أجل التحرير في جنوب أفريقيا.

 

والسبب ببساطة هو أن كلا الصراعين واجها أنظمة استعمارية استيطانية عنيفة تعمل في تحالف وثيق مع بعضها بعضا.


وحتى عندما كنت مراهقا صهيونيا يساريا في جنوب أفريقيا -قبل أن تنهار أوهام تلك الهوية تحت وطأة سخافتها المطبقة، ووجدت طريقي إلى "حزب المؤتمر الوطني الأفريقي"- جعلتني ميولي المناهضة للفصل العنصري أشعر بعدم الارتياح بشكل خاص لأن إسرائيل كانت أقرب حليف لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

 

وقد شعر كثيرون منا بالفزع في العام 1976 عندما استضافت إسرائيل رئيس وزراء جنوب أفريقيا، جون فورستر، وهو النازي المعلن الذي كان قد سُجن خلال الحرب العالمية الثانية بسبب عمله في منظمة تخريبية شبه عسكرية مرتبطة بجهاز الاستخبارات العسكرية التابع لهتلر.

 

بل وأكثر من ذلك في وقت لاحق، عندما تبين أن إسرائيل كانت تتفاوض على صفقات أسلحة مع جنوب أفريقيا، في انتهاك لحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة على الأخيرة، بل وتعاونت معها في تطوير الأسلحة النووية.


وتفاقم قلقي بعد عامين عندما أخبرني أحد معارفي كيف حصل على وظيفة رفيعة أثناء خدمته العسكرية في جنوب أفريقيا.

 

وقد أوصلته طلاقته في اللغتين، العبرية والأفريكانية، بفضل تعليمه في المدرسة النهارية اليهودية، إلى منصب مترجم للضباط الإسرائيليين المنتدبين بهدوء للعمل مع قوات دفاع جنوب إفريقيا.

 

في وقت مبكر هو العام 1978، أخبرني الصهاينة المتحمسون الذين هاجروا من جنوب أفريقيا إلى كيبوتس "هابونيم" أن الاحتلال الدائم للضفة الغربية وقطاع غزة يعني نظام فصل عنصري تحكم فيه إسرائيل ملايين الفلسطينيين المحرومين من حقوق المواطنة.


لم يكن من الصعب إذن رؤية العلاقة بين النضالات المتماثلة والمتوازية ضد الفصل العنصري، والأمل في إنهاء الاستعمار، الذي من شأنه، كما وعد إيمي سيزير، أن يحرر إنسانية كل من المستعمَر والمستعمِر، في مجتمع جديد من الانتماء.

 

كان "حزب المؤتمر الوطني الأفريقي" يكافح من أجل استبدال نظام الفصل العنصري بدولة جديدة تضمن الأمن والكرامة والحرية والمساواة لجميع الذين يعيشون فيها.

 

وقد أيدنا النضال من أجل استبدال الفصل العنصري الإسرائيلي بنظام جديد يضمن هذه الأشياء لجميع الذين يعيشون في المنطقة بين النهر والبحر.


لكنّ سياسة عدم الانحياز في العالم الثالث التي نضجنا خلال وجودها انطفأت إلى حد كبير بانهيار جدار برلين بدءاً من العام 1989، وبداية الأحادية القطبية النيوليبرالية في الولايات المتحدة.

 

وكانت هذه هي الحقبة التي ادعت فيها الولايات المتحدة ملكيتها الحصرية بلا منازع للملف الإسرائيلي الفلسطيني في المجتمع الدولي، وهو ما أدى إلى إجهاض أي محاولة للسعي إلى امتثال إسرائيل للقانون الدولي باعتبار ذلك "غير مفيد" لـ"حل الدولتين" الوهمي.

 

ومن هنا جاءت أصول ثلاثة عقود من الاحتلال العنصري التوسعي للغاية وواسع النطاق، والإفلات الوقح من العقاب الذي يدعم انفجار جرائم الحرب الحالي التي ترتكبها إسرائيل.

 


يمكن لإسرائيل أن تعتمد على الدعم الأميركي غير المشروط لإجرامها المنهجي.

 

وهي تشعر بالارتياح في أن تحذو حذو معلمها الأميركي الذي تحدى القانون الدولي بشكل صارخ في "حربه على الإرهاب" وغزو العراق.


وإذن، ربما يعكس تضامن جنوب أفريقيا في هذه المرحلة، على الرغم من اعتراضات الولايات المتحدة، تراجع قدرة واشنطن أيضًا على فرض هيمنتها أحادية القطب.

 

وبذلك تكون قضية الإبادة الجماعية المرفوعة ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية نداء واضحاً لبقية العالم بأن التضامن القائم على القيم أصبح خياراً متاحاً مرة أخرى، وأن قدوم نظام عالمي مختلف هو شيء ممكن.

‏*توني كارون‏‏ Tony Karon: صحفي مولود في جنوب أفريقيا وناشط سابق مناهض ‏‏للفصل العنصري‏‏. أصبح منتجا تنفيذيا أول على الإنترنت ‏‏لقناة "الجزيرة أميركا"‏‏ في العام 2013. شغل سابقا منصب كبير المحررين في موقع "تايم. كوم".

 

أصله من ‏‏كيب تاون‏‏، جنوب إفريقيا، وانتقل إلى ‏‏مدينة نيويورك في العام‏‏ 1993.‏

 

درس في ‏‏جامعة كيب تاون‏‏، وفي ثمانينيات القرن العشرين، كان ناشطا بارزًا مناهضًا للفصل العنصري في الحركة الطلابية.

 

انضم إلى ‏‏"مجلة تايم" في العام‏‏ 1997، وكان محررًا أول لما يقرب من 20 عامًا، حيث قدم تعليقات على الشؤون العالمية.

 

وكان قد عمل سابقا كناشط في حزب "‏‏المؤتمر الوطني الأفريقي‏‏" المحظور في جنوب أفريقيا. في نيسان (أبريل) 2013، تم تعيينه كمنتج تنفيذي أول عبر الإنترنت لقناة الفيديو الرقمية الجديدة لقناة ‏‏الجزيرة‏‏ الرقمية بالكامل +‏‏AJ‏‏.


*نشر هذا المقال تحت عنوان: The ghost of apartheid has come back to haunt Israel and give hope to Palestinians

اقرأ المزيد في ترجمات:

‏مختبرات القمع:‏ الفلسطينيون في دولة الفصل العنصري (1 - 3)